الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 - الساعة 09:09 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
عندما تضيق بالفاسد خيارات الميدان وتتهاوى أوهام الغلبة عند أسوار الحدود المتشامخة، تتجلى حقيقة العجز العسكري والسياسي في أبهى صورها العارية، إذ لم تكن تلك الهزيمة النكراء التي تجرعها الحوثي على حدود الجنوب مجرد انكسار عسكري عادي في دفتر الحروب، بل كانت زلزالا فكريا أطاح بجميع حسابات الاستعلاء وأثبت أن الأرض ذات التاريخ العصي لا تقبل أن تكون ساحة للنفوذ غير المرغوب فيه، الأمر الذي دفع الجماعة الحوثية بعد أن عجزت عن المواجهة المباشرة وارتطمت بجدار الصمود الجنوبي الصلب إلى اللجوء إلى خيار العاجز المتردي عبر إطلاق الصواريخ وتوجيهها صوب مدن الجنوب الآمنة، توهما منها بأن لغة النار البعيدة قادرة على إخافة النفوس التي صقلتها المحن، واقتناعا واهما منها بأن حديد المقذوفات يملك القدرة على إرغام المجلس الانتقالي ومن خلفه الشعب الجنوبي على الجلوس إلى طاولة الحوار القسري معها وقبول شروط الإذعان والتسليم.
وهنا تنكشف الهوة السحيقة بين منطق الطغيان المتصلد وفلسفة الشعوب الحية التي ترى في وطنها الجغرافي والروحي وجودا أسمى من الحياة ذاتها، حيث أثبت الشعب الجنوبي عبر صموده المتسامي ألا سبيل لخضوعه أو استسلامه مهما بلغت شدة القصف وتعاظمت التهديدات، انطلاقا من يقين راسخ لدى ابناءه يرى بان أرض الجنوب قيمة مطلقة لا تطالها المساومات، وفي تقديم الدماء والأرواح في سبيل الحرية والاستقلال ضريبة رخيصة تُدفع براضية نفس وفخر وطني، طالما أن الغاية هي صون الكرامة واستعادة السيادة الكاملة على التراب الوطني الجنوبي.
ولما كان هذا المبدأ الإنساني والسياسي هو المحرك الأساسي للشخصية الجنوبية، فإن خيار الحوار تحت وطأة التهديد من الاستحالات المنطقية والتاريخية التي لا مكان لها في القاموس السياسي لأصحاب الحق، إذ يرفض هذا الشعب العظيم أن يطلب السلام المزعوم من ثقوب الذل والهوان، واضعا معادلة وجودية لا خيار فيها سوى الانتصار الناجز أو الشهادة المشرفة في سبيل القضية، وهو التاريخ العريق الذي يدركه الجميع ويشهد به الميدان عندما تتجلى الشجاعة الجنوبية في أبهى صورها، حتى ليغدو الحوثي عاجزا تماما عن المواجهة المباشرة وجها لوجه مع رجال الجنوب، متراجعا ومتواريا عن المنازلة الميدانية حتى وإن كان الجنوبيون في بعض مواقف الصمود عُزْلاً من السلاح، معتمدين على سلاح الإرادة التي لا تُكسر.
وبناء على هذه الحقيقة التاريخية الصلبة التي أثبتت عقم الرهان على القوة الغاشمة، يرتد هذا السلوك الصاروخي على صاحبه بكساد سياسي وعسكري تام، ليعلم الحوثي علما يقينيا لا يخالطه شك أن النجوم اقرب أقرب إليه بكثير من الجنوب أو فرض إرادته عليها، وأن هذه الصواريخ العبثية لن تكون إلا مخزونا مهدورا يتبدد دون تحقيق أي نتيجة سياسية أو ميدانية، ليبقى الجنوب حرا عصيا على الكسر، وتظل دماء أبنائه هي الحصن المنيع الذي تتحطم عليه كل أوهام السيطرة والاستبداد.