اخبار وتقارير

الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 09:40 ص بتوقيت عدن ،،،

4مايو/تقرير خاص_مريم بارحمة



تأتي كلمة الرئيس عيدروس الزبيدي في الذكرى التاسعة لإعلان عدن في سياق سياسي شديد التعقيد، يتسم بتشابك الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية، واستمرار حالة السيولة في المشهد اليمني عمومًا، وفي الجنوب على وجه الخصوص. ولم تكن هذه الكلمة مجرد خطاب احتفالي بذكرى سياسية، بل حملت في مضمونها رسائل استراتيجية متعددة المستويات، تعكس قراءة القيادة الجنوبية لطبيعة المرحلة، وتحدد ملامح الرؤية السياسية المستقبلية.
فالخطاب، في جوهره، يمثل إعادة تأكيد على شرعية سياسية قائمة على التفويض الشعبي، ومحاولة لإعادة تثبيت مركزية قضية الجنوب في ظل محاولات التهميش أو إعادة التشكيل التي يشير إليها النص. كما يندرج ضمن خطاب تعبوي سياسي يهدف إلى تعزيز التماسك الداخلي، وتحصين الجبهة الداخلية من التحديات والانقسامات.






-البعد الرمزي والسياسي لإعلان عدن

يؤسس الخطاب لرؤية تعتبر أن إعلان عدن لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل لحظة تأسيسية ذات طابع تاريخي أعادت تشكيل الوعي السياسي الجنوبي. إذ يُقدَّم هذا الإعلان بوصفه “تفويضًا تاريخيًا”، وهو توصيف يحمل دلالات عميقة تتجاوز البعد الإجرائي إلى البعد الشرعي.
ويعكس هذا الطرح محاولة واضحة لإعادة تعريف الشرعية السياسية، بحيث لا تستند إلى الاعترافات الدولية أو الترتيبات القانونية التقليدية فحسب، بل إلى الإرادة الشعبية المباشرة. وهو ما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في علم السياسة التي تمنح أهمية متزايدة لمفهوم “الشرعية الشعبية” مقابل “الشرعية الشكلية”.
كما أن التأكيد على أن الذكرى ليست للاحتفال، بل لتحمل المسؤولية، يعكس تحول الخطاب من الطابع الرمزي إلى الطابع العملي، حيث يتم استدعاء الذاكرة الجماعية ليس لاستحضار الماضي فقط، بل لتوجيه الحاضر وصياغة المستقبل.






-إعادة إنتاج الشرعية السياسية.. من التفويض إلى الاستمرارية

يبرز في الخطاب التأكيد على استمرارية التفويض الشعبي، كما يتجلى في عبارة “نجدد أمامكم العهد”. وتحمل هذه الصياغة بعدين رئيسيين يتمثلان في البعد التعاقدي، الذي يصور العلاقة بين القيادة وشعب الجنوب بوصفها علاقة قائمة على الثقة المتبادلة، والبعد الاستمراري، الذي يجعل التفويض عملية متجددة لا حدثًا منتهيًا.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا سياسيًا لأهمية الحفاظ على الشرعية في ظل بيئة متغيرة، ويؤكد سعي القيادة إلى إعادة إنتاج شرعيتها بشكل دوري من خلال الخطاب السياسي والتواصل الجماهيري.





-إدارة التحديات الداخلية.. خطاب التماسك ورفض التفتيت

يشير الخطاب بوضوح إلى وجود تحديات داخلية، تتمثل في “محاولات التتويه” و“الصراعات الجانبية”، وهي إشارات غير مباشرة إلى الانقسامات أو التباينات داخل الساحة الجنوبية.
ويتبنى الخطاب هنا مقاربة تجمع بين التحذير من مخاطر الانجرار وراء الصراعات، والدعوة إلى تعزيز الوعي الوطني ورص الصفوف. ويعكس ذلك وعيًا بأن التحدي الداخلي لا يقل خطورة عن التحدي الخارجي، وأن الحفاظ على وحدة الموقف السياسي يمثل شرطًا أساسيًا لأي نجاح مستقبلي.





-خيار المقاومة السلمية.. براغماتية سياسية أم تكتيك مرحلي؟

يؤكد الخطاب تبني “المقاومة السلمية الواعية” كخيار للتعامل مع الإجراءات التي وُصفت بغير الشرعية. ويحمل هذا الطرح دلالات سياسية مهمة، إذ يعكس محاولة لتجنب التصعيد العسكري، وينسجم مع متطلبات البيئة الدولية التي تفضل الحلول السلمية، كما يمنح الخطاب طابعًا عقلانيًا يوازن بين الثبات والمرونة.
وفي الوقت ذاته، يمكن قراءة هذا الخيار بوصفه تكتيكًا مرحليًا يهدف إلى إدارة الصراع بأدوات أقل كلفة، مع الحفاظ على الموقف السياسي دون تراجع.





-مركزية الحوار في الرؤية السياسية

يبرز الخطاب الحوار بوصفه خيارًا استراتيجيًا، ويتم ربطه بمرجعيات سياسية محددة، مثل الإعلان السياسي والميثاق الوطني. ويعكس ذلك رغبة في إضفاء طابع مؤسسي على العمل السياسي، وتقديم المشروع الجنوبي باعتباره مشروعًا منظمًا قائمًا على قواعد واضحة.
كما يسعى هذا الطرح إلى كسب قبول إقليمي ودولي عبر تبني خطاب معتدل، مع التأكيد في الوقت ذاته على وجود ثوابت لا يمكن التنازل عنها، وفي مقدمتها حق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته الجنوبية.





-نقد محاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي

يتضمن الخطاب نقدًا واضحًا لما يُعد محاولات لإعادة تشكيل المشهد السياسي الجنوبي عبر كيانات لا تعبر عن إرادة شعب الجنوب، وهو ما يعكس صراعًا على التمثيل السياسي.
ويشير هذا الطرح إلى وجود تنافس على الشرعية، ورفض لأي بدائل سياسية قد تؤثر في موقع المجلس الانتقالي الجنوبي، مع التأكيد على أن التمثيل الحقيقي يجب أن يستند إلى الإرادة الشعبية.





-مفهوم الشرعية الشعبية كمرجعية عليا

يؤكد الخطاب أن الشرعية الحقيقية هي الشرعية الشعبية، وهو طرح يعكس تبنيًا واضحًا لمفهوم يرتكز على إرادة الجماهير بوصفها المصدر الأساسي للسلطة. ويمنح هذا الطرح القيادة قوة رمزية وسياسية، ويعزز موقعها في مواجهة أي ضغوط خارجية أو ترتيبات لا تنسجم مع تطلعات الشارع الجنوبي.






-البعد الإقليمي والدولي في الخطاب

يشير الخطاب إلى التحولات الإقليمية والدولية، ويقدم الجنوب كشريك في تحقيق الاستقرار، لا سيما في ما يتعلق بأمن الممرات البحرية. ويهدف هذا الطرح إلى ربط قضية الجنوب بمصالح استراتيجية أوسع، بما يعزز فرص القبول والدعم الخارجي.





-المؤسسة العسكرية كركيزة للمشروع السياسي

يولي الخطاب أهمية كبيرة للمؤسسة العسكرية والأمنية، ويقدمها بوصفها الضامن الأساسي للاستقرار وحماية المشروع السياسي. كما يتم التأكيد على ضرورة بنائها على أسس وطنية ومهنية، بعيدًا عن أي اعتبارات ضيقة، بما يعكس توجهًا نحو بناء مؤسسات دولة حديثة.




-البعد الأمني ومكافحة الإرهارب

يتناول الخطاب دور القوات الجنوبية في مكافحة الإرهاب، وهو عنصر مهم في تعزيز الشرعية الدولية، إذ يعكس القدرة على المساهمة في الأمن الإقليمي والدولي، ويعزز صورة الجنوب كشريك موثوق.





-البعد العاطفي والرمزي في الخطاب

يحمل الخطاب بعدًا عاطفيًا واضحًا، خاصة في الإشادة بالشهداء والتضحيات، وهو ما يسهم في تعزيز الهوية الجماعية وترسيخ الانتماء، ويدعم الخطاب التعبوي الهادف إلى توحيد الصفوف.





-الرسائل الإقليمية.. الموقف من التهديدات الخارجية

يتضمن الخطاب مواقف سياسية واضحة تجاه بعض القضايا الإقليمية، بما يعكس توجهات تسعى إلى تعزيز العلاقات مع المحيط العربي، والتأكيد على الانخراط في قضايا الأمن الإقليمي.





-التعبئة والاستعداد للمرحلة القادمة

تنتهي كلمة الرئيس القائد بدعوة إلى التماسك والاستعداد لمرحلة مفصلية، وهو ما يعكس إدراكًا بأن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات مهمة تتطلب وحدة الصف وتعزيز الجبهة الداخلية.





-رؤية واضحة لمستقبل الجنوب

يمكن القول إن كلمة الرئيس عيدروس الزبيدي تمثل خطابًا سياسيًا متكاملًا يجمع بين البعد التعبوي والاستراتيجي، ويعكس رؤية واضحة لمستقبل قضية الجنوب. وقد نجح الخطاب في تحقيق توازن نسبي بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، وبين الخطاب الداخلي والخارجي.
كما يعكس وعيًا بطبيعة المرحلة، وإدراكًا لأهمية الشرعية الشعبية، والدور المحوري للمؤسسات العسكرية، وأهمية البعد الإقليمي والدولي. وفي المجمل، يمكن اعتبار هذا الخطاب وثيقة سياسية تعبر عن ملامح المشروع الجنوبي في مرحلته الراهنة، وتحدد اتجاهاته المستقبلية في ظل بيئة سياسية معقدة ومتغيرة.