الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 06:47 م
في هذه البلاد، لا شيء يُطلب منك ببراءة، ولا شيء يُقال لك بلا ثمن.
حتى الصمت، له فاتورة، كما للبنكس صولة وجولة.
يُطلب منا "نحن الصحفيين" أن نكون أكثر “حكمة”، أن لا نفتح أبواب الخلاف مع المكونات الجنوبية، أن نُغلّب لغة التهدئة، وأن نمدّ جسور التسامح، ونؤمن بتحالفات جنوبية “نظيفة” بجلدها الجديد، وكأن المشهد كله قابل للترتيب بمجرد خفض الصوت.
جميل هذا الكلام، بل مغرٍ حدّ الخداع.
لكن، ماذا عن الطرف الآخر؟
ماذا عن أولئك الذين لا يؤمنون لا بالتهدئة ولا بالتسامح، إلا إذا كان ذلك من طرف واحد فقط؟
نسمع كل يوم عن مكونات جديدة، تُولد فجأة، بلا تاريخ ولا سياق، لكنها تمتلك حنجرة عالية، وذاكرة قصيرة، وجرأة مدهشة حد الوقاحة على إعلان العداء. لا تكتفي بالاختلاف، بل تذهب بعيدًا في فتح النار على المجلس الانتقالي، بلغة لا تشبه السياسة بقدر ما تشبه تصفية الحسابات المؤجلة.
المفارقة التي لا تخطئها العين، أن بعض هذه الأصوات، لم تكن يومًا خارج المشهد، بل كانت في قلبه.
كانت جزءًا من التكوين، من البدايات، من “الهيكل العظمي” الذي قام عليه الانتقالي.
واليوم، تتحدث عنه كما لو كان كيانًا غريبًا هبط من كوكب درب التبانة.
وهنا، يصبح السؤال مشروعًا:
هل تغيّر الانتقالي، أم تغيّرت المواقع؟
الحقيقة التي لا يحبها أحد، أن السياسة في نسختها المحلية، لا تعرف الثبات.
التحالفات فيها ليست مبنية على القناعات بقدر ما تُبنى على المواقع.
ومن كان في الصف الأول بالأمس، قد يصبح في الصف المقابل اليوم… لا لأنه اكتشف الحقيقة فجأة، بل لأنه فقد موقعه فيها.
ومع ذلك، يُطلب منك كإعلامي أن تتعامل مع كل هذا ببرود، أن “تتفهم”، أن “تستوعب”، أن “تفتح صفحة جديدة” حتى مع من لم يُغلق الصفحة القديمة أصلاً، بل مزّقها ورماها في وجهك.
المشكلة ليست في الدعوة إلى التسامح، فهي قيمة نبيلة لا خلاف عليها،
لكن الإشكال في تحويلها إلى أداة لضبط طرف واحد، وترك الطرف الآخر يعبث بلا سقف.
التسامح، إن لم يكن متبادلًا، يتحول إلى استسلام.
والتهدئة، إن لم تكن شاملة، تصبح مجرد صمت مؤقت قبل عاصفة جديدة.
أما الإعلام، فليس وظيفته أن يكون “وسيط تهدئة” على حساب الحقيقة،
ولا أن يضع شريطًا لاصقًا على فم الواقع، فقط لأن الحقيقة قد تُزعج البعض.
الإعلام الحقيقي لا يصنع الخلاف، لكنه أيضًا لا يُخفيه.
لا يؤجج الصراع، لكنه لا يتواطأ مع التزييف.
ما نحتاجه اليوم ليس دعوة جديدة للصمت، بل تعريف واضح لماهية “الخلاف المقبول”، وحدود “النقد المشروع”، ومتى يتحول الاختلاف إلى استهداف، ومتى يصبح الصمت شراكة ضمنية فيه.لأن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن ترتفع الأصوات،
بل أن يُطلب من الصوت الوحيد الذي يقول الحقيقة أن ينخفض.