اخبار وتقارير

الإثنين - 09 مارس 2026 - الساعة 12:12 ص بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ تقرير/ محمد الزبيري



منذ اللحظة التي سقطت فيها الدولة الجنوبية المستقلة عقب حرب صيف عام 1994، دخل الجنوب مرحلة طويلة من الصراع السياسي والوطني في مواجهة واقع جديد فرض بالقوة العسكرية وأعاد رسم المشهد في المنطقة على حساب إرادة شعبه.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل حلم استعادة الدولة الجنوبية حاضراً بقوة في وجدان الجنوبيين، باعتباره قضية مصير وهوية وطنية لا يمكن التنازل عنها، رغم سنوات الإقصاء والتهميش ومحاولات طمس الهوية السياسية للجنوب. ومع مرور السنوات، تحولت هذه القضية من مجرد مطالب سياسية إلى حركة شعبية واسعة تؤمن بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم واستعادة دولتهم، وهو المسار الذي أعاد إحياء الوعي الوطني الجنوبي وأعاد القضية الجنوبية إلى واجهة المشهد السياسي في المنطقة

لكن هذا الشعب، الذي صمد لعقود تحت وطأة القمع والإهمال المتعمد من قبل نظام صنعاء المركزي، يجد نفسه اليوم أمام اختبار وجودي جديد وأخطر، ليس فقط من بقايا النظام الشمالي البالي، بل من "حليف" ادعى النصرة فخان، ووعد بالحرية فاستعبد، وتستر بعباءة التحالف العربي ليخفي خنجر الغدر قبل أن يزرعه في خاصرة الجنوب.

هذا التقرير ليس مجرد سرد لأحداث عابرة، بل هو وثيقة إدانة قاسية وحادة تكشف الستار عن واحدة من أبشع المؤامرات الإقليمية في العصر الحديث، تلك المؤامرة التي تقودها المملكة العربية السعودية ضد مشروع الاستقلال الجنوبي، وضد المجلس الانتقالي الجنوبي ممثلاً شرعياً للشعب، وضد رئيسه القائد عيدروس الزبيدي، رمز الصمود والإرادة الجنوبية.

لقد دخلت السعودية الجنوب بأبواق الحرية وزعمت أنها جاءت لتحرير الأرض من الحوثي، لكنها سرعان ما حولت تحرير الأرض إلى احتلال جديد، أكثر دهاءً وأعمق خطراً.

فقد تحولت من "حليف استراتيجي" إلى "وصي مفروض"، يمارس سياسة الأرض المحروقة ضد كل ما هو جنوبي أصيل، مستخدمة كل أدوات القوة الناعمة والخشنة، من الرشوة والاغتيال إلى القصف الجوي والاعتقال التعسفي، في محاولة يائسة لتفكيك النسيج الاجتماعي الجنوبي، وتمزيق وحدة الصف الوطني، وإجهاض الحلم الجنوبي في استعادة دولته المستقلة.
إن ما يحدث في عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وغيرها من المحافظات الجنوبية، هو حرب شاملة تشنها الرياض على الهوية الجنوبية، مستهدفةً رموزها، ومصادرةً قرارها، ومحاولةً إعادة تشكيل مستقبلها بما يخدم الأجندة السعودية البحتة التي ترى في الجنوب مجرد ورقة ضغط أو مخزن احتياطي، وليس كياناً له حق تقرير مصيره.
إن الجنوب ليس سلعة تُباع وتشترى، وليس أرضاً يمكن تقاسمها بين الأشقاء والأعداء؛ الجنوب دولة محتلة تنتظر لحظة ميلادها الجديد، والسعودية، برغم كل قوتها المالية والعسكرية، ستبقى مجرد محطة عابرة في تاريخ كفاح هذا الشعب الأبدي نحو الحرية.

*قصف القوات الجنوبية: حين تحول "الحليف" إلى عدو مباشر*

أظهرت مجزرة الرابع من يناير 2024 وما تلاها من أيام دموية في وادي حضرموت ومحافظة الضالع الوجه الحقيقي للمملكة السعودية ،وفضحت نواياها الخبيثة تجاه الجنوب.

القصف الوحشي والغادر على القوات الجنوبية وتحت مبرر حماية الأمن القومي السعودي كما حاولت الدعاية السعودية تصويره للعالم،كان اللحظة الفاصلة التي سقط فيها القناع نهائياً عن الوجه الحقيقي للسياسة السعودية في الجنوب.

في ذلك اليوم المشؤوم، لم تستهدف الطائرات الحربية السعودية مواقع للحوثيين أو جماعات إرهابية، بل انقضت بغدرٍ نذلٍ وبدمٍ بارد على مواقع القوات الجنوبية المسلحة المرابطة للدفاع عن أرض الجنوب وسيادته في وادي حضرموت، وحيث تتمركز قوات الجيش الجنوبي، أمطرت السماء ناراً سعودية قتلت المئات من الجنود وجرح الآلاف من خيرة أبناء الجنوب الذين كانوا يحرسون الحدود ويؤمنون الاستقرار، وكأنهم أعداء يجب استئصالهم.

امتدت يد الغدر السعودي لتشمل محافظة الضالع، المعقل التاريخي للمقاومة الجنوبية، حيث قصفت الطيران السعودي منازل المواطنين واستهدف مواقع عسكرية تابعة للقوات الجنوبية المرابطة على خطوط التماس مع الحوثيين بحجة واهية زعمت فيها استهداف شحنات أسلحة، بينما كانت الحقيقة الصادمة أن الهدف هو كسر شوكة أي قوة عسكرية جنوبية ترفض الانصياع للأوامر السعودية أو تملك قراراً مستقلاً.

لقد تحولت السماء فوق المدن الجنوبية من مظلة حماية مزعومة إلى سيف مسلط على رقاب الجنوبيين.

هذا القصف المتعمد جاء تتويجاً لاستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف العمود الفقري للجيش الجنوبي، وتفكيك وحداته النخبوية التي أثبتت كفاءة عالية في تحرير الأرض، لأن السعودية أدركت أن وجود جيش جنوبي قوي وموحد تحت قيادة وطنية هو العقبة الكبرى أمام مخططاتها لبيع القضية الجنوبية أو دمجها في حلول ترعاها الرياض وتخدم مصالحها الجيوسياسية على حساب سيادة الجنوب.

إن استشهاد الجنود الجنوبيين في ضربات يناير الغادرة في حضرموت والضالع، وجرح المئات منهم، لم يكن ثمنًا لحرب ضد الحوثي، بل كان ثمنًا للاستقلال وللوطن وأظهرت السعودية في تلك اللحظات أنها لا تميز بين العدو والصديق عندما يتعلق الأمر بتحقيق هيمنتها، وأن "التحالف" بالنسبة لها هو مجرد غطاء قانوني ودبلوماسي لممارسة الوصاية العسكرية المباشرة.

هذه الجريمة النكراء في يناير 2024 ستظل وصمة عار في جبين السياسة السعودية، ودليلاً قاطعاً على أن الجنوب يحتاج إلى سيادته الكاملة على مجاله الجوي وأرضه ليكون آمناً، وأن وجود القوات السعودية أو طيرانها على أرض الجنوب هو خطر داهم يهدد أمن واستقرار الشعب الجنوبي قبل أن يهدد أي عدو خارجي.


*حرب سعودية على المجلس الانتقالي


إذا كان القصف الجوي هو الذراع العسكرية للمؤامرة السعودية، فإن الحرب السياسية والنفسية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي تمثل الذراع الأخرى الأكثر فتكاً وخطورة.
منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي، وهو المؤسسة الوحيدة التي نجحت في توحيد الشتات الجنوبي وصياغة مشروع وطني واضح لاستعادة الدولة، عملت السعودية بلا كلل على تقويض شرعيته، وتشويه صورته، ومحاولة تفكيكه من الداخل.

أدركت الرياض مبكراً أن المجلس الانتقالي، بفضل شعبيته الجارفة وقيادته الكاريزمية، يمثل العقبة الكبرى أمام مخططاتها للسيطرة المطلقة على القرار الجنوبي، لذا جعلت من "تحييد" المجلس هدفاً استراتيجياً أولياً.

بدأت الحملة بتجاهل المجلس،ورفض التعامل معه ومحاولة فرض بدائل موالية للرياض لا تملك أي قاعدة شعبية، ثم تصاعدت لتشمل ضغوطاً هائلة على مكونات المجلس نفسها.

استخدمت السعودية أسلوب "العصا والجزرة" ببراعة خبيثة؛ فمن جهة مارست ضغوطاً اقتصادية وسياسية خانقة، ومن جهة أخرى قدمت وعوداً كاذبة بالإصلاح والتمكين، كل ذلك بهدف جر المجلس إلى تنازلات تمس جوهر القضية الجنوبية، وتحديداً مسألة الاستقلال.

حاولت الرياض مراراً وتكراراً إجبار المجلس على الدخول في حلول وسطية تذيب الهوية الجنوبية ضمن يمنية اتحادية فضفاضة تخدم مصالح الشمال والسعودية معاً، لكن قيادة الزبيدي ظلت صامدة، متمسكة بالثوابت الوطنية وببرنامج استعادة الدولة.

لم تكتفِ السعودية بالمناورات الدبلوماسية، بل انتقلت إلى محاولات مباشرة لتفكيك النسيج الجنوبي فعملت على إثارة الفتن الداخلية، ودعم تيارات منشقة داخل المكونات الجنوبية، وتمويل شخصيات هامشية للإدعاء بأنها تمثل "الجنوب الحقيقي"، في محاولة بائسة لخلق انقسامات وإنشاء كيانات موازية تنازع المجلس الانتقالي الجنوبي وتدعي تمثيلها للجنوب كما مارست ضغوطاً غير مسبوقة لإبعاد الرئيس الزبيدي عن المشهد من خلال إغراق الجنوب بالأزمات وقطع الخدمات والرواتب وكل مقومات الحياة عن شعب الجنوب وبالتالي شن حملات تشويه إعلامية ممنهجة تهدف إلى النيل من صورته كقائد موحد للشعب،وتظهره بمظهر القائد الذي فشل في تأمين أبسط الخدمات لشعبه.

إن استهداف المجلس الانتقالي هو في الحقيقة استهداف لإرادة الشعب الجنوبي كله، فالمجلس هو التجسيد المؤسسي لحلم الاستقلال، ومحاولة تفكيكه تعني محاولة قتل الحلم نفسه.
لكن الشعب الجنوبي، الواعي والمدرك للألاعيب، ظل متماسكاً حول مجلسه ورئيسه، رافضاً كل المحاولات الرامية إلى بيع قضيته أو تمييعها.


*محاولة تفكيك المجلس الانتقالي



لم تقتصر الاستراتيجية السعودية على الميدان العسكري، بل امتدت لتشمل حرباً نفسية وسياسية هادفة لتفكيك الكيانات السياسية الممثلة للإرادة الشعبية، وكان "المجلس الانتقالي الجنوبي" بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي الهدف الرئيسي. في مناورة مثيرة للجدل، أُعلن عن حل المجلس في 9 يناير 2026 بالتزامن مع وجود وفد منه في الرياض، مما أثار تساؤلات جدية حول طبيعة الضغوط والمفاوضات التي تعرض لها الوفد الذي انقطع اتصاله لفترة.

سعت الرياض من خلال هذه الخطوة إلى ابتزاز القيادة الجنوبية لإجبارها على التنازل عن مشروع الاستقلال وتفكيك العمود الفقري للحركة الجنوبية.
وقد تجلى الاستخفاف بالسيادة الجنوبية في احتجاز قادة رفضوا الانصياع للأجندة السعودية وتمسكوا بشرعية المجلس. كما كشفت تسريبات عن تهديدات سعودية بقصف عدن إذا لم يوافق الزبيدي على المشاركة في حوار مفروض، وهو ما يعكس أساليب الابتزاز السياسي.
ورغم بيان الحل المزور، نفى الرئيس الزبيدي صحته مؤكداً استمرار عمل المجلس، فيما كشف العديد من قادة المجلس الانتقالي الجنوبي عن محاولة "اختطاف سياسي" للوفد.

سبق ذلك إسقاط عضوية الرئيس الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي في 7 يناير كخطوة تمهيدية للعزل.
هذه الممارسات تؤكد نهج الهيمنة الأحادية بدلاً من الشراكة، وتهدف إلى إفراغ الساحة من أي ممثل شرعي للشعب، غير أن صمود القيادات والتفاف الجماهير أحبط هذه المحاولة، ليخرج المجلس منها أكثر صلابة وإصراراً على تحقيق أهداف الشعب.


*تجارة الولاءات وتدمير النسيج الاجتماعي



لا تعتمد السعودية في مؤامراتها ضد الجنوب على القوة العسكرية والسياسية فحسب، بل تمتلك ترسانة هائلة من الأموال النفطية التي تستخدمها كأداة لـ "شراء الذمم" وتفكيك الولاءات الوطنية.
تحولت الساحة الجنوبية إلى سوق مفتوحة للولاءات، حيث توزع الرياض الملايين من الدولارات على الكثير من القيادات والناشطين، وشخصيات سياسية هامشية، مقابل الولاء للمشروع السعودي والتخلي عن المشروع الوطني الجنوبي.
هذه السياسة الخبيثة، المعروفة بـ "دبلوماسية الدولار"، هدفت إلى خلق طبقة جديدة من "الوسطاء" و"العملاء" الذين يعتمدون في بقائهم ونفوذهم على الدعم المالي السعودي المباشر، مما يجعلهم أعداء طبيعيين لأي مشروع استقلالي قد يقطع عنهم هذا الشريان الحيوي.

من خلال هذه الإغراءات المالية، نجحت السعودية في استقطاب بعض الشخصيات الجنوبية التي ضعفت نفسها أمام بريق المال، وحولتهم إلى أدوات لتنفيذ أجندتها.
هؤلاء الأشخاص أصبحوا يتحدثون بلغة الرياض، ويدافعون عن مصالحها، ويهاجمون المجلس الانتقالي والرئيس الزبيدي، متناسين أو متناسين عمدًا حقوق شعبهم وتضحياته.

كما أن للسعودية تجارب سابقة في تمويل إنشاء كيانات موازية للمجلس الانتقالي، ودعم أحزاب وجمعيات لا تملك أي قاعدة شعبية حقيقية خلق حالة من التشويش وتضليل الرأي العام الداخلي والخارجي، وإيهام العالم بوجود تيارات جنوبية رافضة للاستقلال ومؤيدة للحلول التي تفرضها الرياض،انتهت جميعها بالفشل الذريع وخسارة الرياض للملايين فيما بقي المجلس الانتقالي خياراً وحيداً يحظى بإجماع شعب الجنوب.

رغم ذلك، فإن الغالبية العظمى من قادة ورموز الشعب الجنوبي ظلت محصنة ضد فيروس المال السعودي، مدركة أن الكرامة والحرية لا تُباعان بأي ثمن فيما كشفت محاولات شراء الذمم عن إفلاس أخلاقي وسياسي لدى القيادة السعودية، التي تعتقد أن كل شيء قابل للشراء، متناسية أن إرادة الشعوب، وخاصة الشعب الجنوبي صاحب التاريخ النضالي الطويل، هي أغلى من كل كنوز الأرض.



* تفكيك الجيش الجنوبي


تعتبر القوات الجنوبية المسلحة، التي تشكلت نواتها من المقاومة الشعبية الجنوبية التي حررت عدن والجنوب من الحوثي، العمود الفقري لمشروع استعادة الدولة.
ولإدراك السعودية الخطير لهذه الحقيقة، بذلت جهوداً جبارة ومستمرة لتفكيك هذه القوات وإعادة تشكيلها وفقاً لهيكلية تخدم المصالح السعودية حصراً، وتحولها من جيش وطني جنوبي يحمي الأرض والشعب إلى مجرد مجموعات من المرتزقة تنفيذ أوامر الرياض.
بدأت هذه العملية بمحاولات دمج الوحدات الجنوبية ضمن قوات "التحالف" أو تحت قيادات موالية للسعودية مباشرة، مما يعني تجريدها من هويتها الوطنية وخضوعها لقيادة أجنبية.

عملت السعودية على عزل القادة الوطنيين المخلصين للمشروع الجنوبي، واستبدالهم بضباط موالين لها، بغض النظر عن كفاءتهم أو شعبيتهم في الوسط العسكري.
كما قامت بتجميد صرف الرواتب للعديد من الوحدات التي تظهر استقلالية في قرارها، بينما رصدت ميزانيات ضخمة للوحدات التي تعلن الولاء الكامل للرياض.

الأخطر من ذلك هو محاولة السعودية تغيير عقيدة هذه القوات وغايتها. فالجيش الجنوبي وُجد ليحمي حدود الدولة الجنوبية المستقبلية وليكون رادعاً لأي اعتداء خارجي أو داخلي، أما السعودية فتريد تحويله إلى قوة أمنية داخلية لقمع المطالبين بالاستقلال، أو إلى قوة هجومية تشارك في حروب إقليمية لا ناقة للجنوب فيها ولا جمل.
إن عملية إعادة التشكيل هذه هي في جوهرها عملية "خصخصة" للجيش الوطني وتحويله إلى أداة طوعية بيد ولي الأمر السعودي. ومع ذلك، فإن الروح الوطنية التي تغلب على غالبية الضباط والجنود الجنوبيين تجعل من هذه المهمة شبه مستحيلة للرياض، فكثير من الوحدات ترفض الانصياع للأوامر المشبوهة، وتظل موالية للقيادة السياسية الشرعية المتمثلة في المجلس الانتقالي ورئيسه الزبيدي، مصممة على الحفاظ على سلاحها كضمان وحيد لتحقيق الحلم الجنوبي.


*قناة "الجنوب المزيف بوق الدعاية السعودية


في إطار الحرب الإعلامية والنفسية، أطلقت الرياض قناة فضائية باسم "الجنوب اليوم" من العاصمة السعودية، في خطوة تكشف نواياها التلاعبية. تتخذ القناة اسم الجنوب غطاءً لتزييف الحقائق وتشويه صورة المجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي، وبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.
تعمل القناة كأداة دعائية لترويج الرواية السعودية التي تدعو لـ "اليمن الموحد" تحت الوصاية السعودية، مستضيفةً شخصيات جنوبية "مستقطبة" مهمتها الهجوم على المشروع الوطني.
تحاول هذه الوسيلة الإعلامية غسل الأدمغة وتضليل الرأي العام المحلي والدولي، وتصوير المقاومة الجنوبية كحركة انفصالية تخدم أجندات خارجية، بينما تقدم السعودية نفسها كحامٍ للاستقرار.

إن استغلال اسم الجنوب في هذا السياق هو استغلال رخيص لمشاعر الناس ومحاولة يائسة لشرعنة التدخل الخارجي.
غير أن الشعب الجنوبي، بفضل وعيه السياسي العالي، يدرك أن هذه القناة ليست سوى بوق للمؤامرة ولا تمثل الصوت الحقيقي للجنوب. يبقى الجنوبيون متمسكين بإعلامهم الوطني الحر الذي يعبر عن تطلعاتهم العادلة ويفضح المخططات المعادية، معتبرين أن الوعي هو السلاح الأمثل في مواجهة هذه الحرب النفسية التي تهدف لإحباط الهمم، وهي حرب مصيرها الفشل أمام صمود الشعب وإيمانه بقضيته.


*رصاص الصمت: مجازر الشوارع ودماء الشهداء



بلغت وحشية التدخل السعودي في الجنوب ذروتها في الشوارع، حيث أصدرت الأوامر للقوات الموالية لها بإطلاق النار بشكل مباشر ومتعمد على المتظاهرين الجنوبيين السلميين الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة واستكمال مسار استعادة الدولة. لقد تحولت ساحات المدن الجنوبية، خاصة في حضرموت وشبوة والعاصمة عدن، إلى مذابح حقيقية، سقط فيها عشرات الشهداء ومئات الجرحى برصاص القوات التي تدربها وتمولها وتوجهها السعودية.
هذه المجازر لم تكن حوادث عرضية أو نتائج لتصعيد غير مقصود، بل كانت جرائم مبيتة نفذت بدم بارد لردع الحراك الشعبي وكسر شوكة المطالبين بالاستقلال.

في حضرموت، شهدت الشوارع موجات من القمع العنيف، حيث واجهت القوات الموالية للرياض اعتصامات سلمية بالرصاص الحي، مما أسفر عن سقوط شهداء أبرياء كانوا يرفعون فقط علم الجنوب ويهتفون بحرية بلادهم.
وفي شبوة، تكررت السيناريو نفسه، حيث تم قصف المعتصمين واعتقال العشرات منهم في ظروف غير إنسانية. أما في عدن، فكان المشهد أكثر مأساوية، حيث اختلط دم المقاوم الذي حرر المدينة من الحوثي بدم المتظاهر الذي يطالب بحقه في تقرير المصير على يد نفس القوى التي ادعت النصرة.
إن إطلاق النار على شعب أعزل يطالب بحقه الطبيعي هو جريمة ضد الإنسانية، وتكشف عن مدى اليأس الذي وصلت إليه السعودية في مواجهتها للإرادة الجنوبية الصلبة.

هذه الدماء الزكية التي سالت في شوارع الجنوب لم تذهب سدى، بل أصبحت وقوداً جديداً للثورة، وزادت من إصرار الشعب على المضي قدماً في طريقه حتى تحقيق النصر. كل شهيد سقط برصاص سعودي أو بيد عملائها هو شاهد إدانة أبدي في محكمة التاريخ ضد الجريمة السعودية وإن محاولة إسكات صوت الجنوب بالرصاص هي محاولة عبثية، فالصوت الحق لا يُخفت بالرصاص، بل يعلو ويصبح دويّاً يهز العروش.
لقد كشفت هذه المجازر القناع النهائي عن وجه السعودية الحقيقي، وجه القمع والاستبداد الذي لا يختلف عن وجه أي نظام ديكتاتوري آخر، وأكدت أن الطريق إلى الاستقلال مفروش بالتضحيات، لكن النهاية حتماً ستكون للنصر.

* الرئيس الزبيدي قلعة الجنوب التي لا تسقط


في خضم هذه العاصفة من المؤامرات، والخيانات، والضغوط، والقمع، يبرز القائد عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، كرمز للصمود الأسطوري وكقلعة شامخة لا تهزها الرياح العاتية.
تعرض الزبيدي لكل أنواع الضغوط؛ من محاولات الاغتيال المباشرة وغير المباشرة، إلى الحملات الإعلامية الشرسة، إلى الضغوط الدبلوماسية الهائلة، وحتى التهديدات الشخصية لعائلته ولرفاق دربه.
لكن في كل مرة، كان يخرج منها أكثر صلابة، وأكثر التصاقاً بشعبه، وأكثر إيماناً بعدالة القضية الجنوبية.
ثبات الزبيدي في وجه الطوفان السعودي ورفضه لكل الإملاءات والتهديدات ومحاولات الإخضاع هو ما حفظ للجنوب وحدته، ومنع المشروع الوطني من الانهيار تحت وطأة الضغوط الخارجية.

يمثل الزبيدي الإرادة الحية للشعب الجنوبي، وصوته الجهوري الذي يرفض المساومة على الثوابت. لقد رفض كل المغريات التي قدمتها السعودية، ورفض كل الضغوط لإجباره على التخلي عن حلم الدولة وكانت قيادته الحكيمة للمجلس الانتقالي في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ الجنوبي تعتبر نموذجاً للفطنة السياسية والشجاعة النادرة.

تحت قيادته، نجح المجلس في تجاوز العديد من الأزمات المفتعلة، والحفاظ على اللحمة الداخلية رغم محاولات التفكيك، وتوجيه البوصلة الوطنية دائماً نحو هدف استعادة الدولة.
إن ارتباط الزبيدي بالشعب هو ارتباط عضوي، فهو ليس قائداً يفرض نفسه من فوق، بل هو ابن الجنوب الذي يعيش همومه ويتألم لآلامه، وهذا ما يمنحه الشرعية التي لا يمكن لأي مال سعودي أو قوة عسكرية أن تنتزعها.

استمرار الزبيدي في موقع القيادة، وتصميمه على المضي في طريق الاستقلال رغم كل العقبات، يرسل رسالة واضحة للسعودية وللعالم أجمع: أن الجنوب ليس لعبة في أيدي الكبار، وأن قيادته ليست قابلة للاختراق أو الشراء.


*فجر الدولة القادمة لا يمكن حجبه



إن التقرير الذي استعرضنا فيه فصول المؤامرة السعودية ضد الجنوب، من القصف الجوي إلى سجون الرياض، ومن شراء الذمم إلى مجازر الشوارع، ليؤكد حقيقة واحدة راسخة: أن طريق الاستقلال مفروش بالأشواك، لكنه الطريق الوحيد الممكن للجنوب.
لقد كشفت السعودية عن وجهها الحقيقي كعدو للاستقلال الجنوبي، وكقوة استعمارية جديدة تستخدم كل الوسائل القذرة لتحقيق أهدافها.
لكن التاريخ يعلمنا أن الظلم مهما طال، ومهما اشتد، فإنه زائل، وأن حق الشعوب في تقرير مصيرها هو قانون كوني لا تستطيع كل جيوش الأرض وأموالها إيقافه.

الشعب الجنوبي، بقيادته الحكيمة ممثلة في المجلس الانتقالي والرئيس عيدروس الزبيدي، قد أثبت أنه شعب لا ينحني، ولا يبيع كرامته، ولا يتنازل عن حلمه.
إن كل محاولة سعودية لوأد هذا الحلم كانت تزيد من إصرار الجنوبيين على تحقيقه و دماء الشهداء في حضرموت وشبوة وعدن، ودموع الأمهات، وصراخ الأطفال، كلها ستتحول إلى طاقة دافعة نحو النصر النهائي. إن مشروع استعادة الدولة الجنوبية ليس مجرد حلم رومانسي، بل هو ضرورة تاريخية وجيوسياسية وأخلاقية، وهو السبيل الوحيد لضمان استقرار المنطقة وازدهارها.