السبت - 28 فبراير 2026 - الساعة 05:22 ص بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
يجلس المرء والدهشة تعقد لسانه وهو يرقب مشهدا عبثيا تتماوج فيه ارادة الجماهير بين مطرقة التزييف وسندان الالتفاف، حيث خرجت الجموع الهادرة في ساحة العروض بعدن ليلة الامس، تحمل في حدقات عيونها احلاما واضحة كشمس الظهيرة، وتصدح بحناجرها بمطالب لا تقبل التضليل، فاذا بنا امام مشهد غريب يستعصي على الفهم المنطقي، اذ تم اصدار بيانين للفعالية، احدهما قيل انه مزيف والآخر زعموا انه الحقيقي، بينما الحقيقة المرة تكمن في ان كلاهما قد ضلا الطريق عن نبض الجماهير التي ملأت الساحات.
فما حدث بالامس يمثل سابقة خطيرة في العمل السياسي، اذ كيف يستقيم عقلا ان يتم حشد الناس تحت غايات محددة وشعارات معلنة، ثم تأتي البيانات الختامية لتهدم ما بناه الحماس الشعبي في ساعات، فالمسألة ليست مجرد خطأ في التعبير او سقطة في الصياغة، بل هي عملية التفاف صارخة تجعل من ارادة الشعب جسرا لغايات لا تشبهه، والادهى من ذلك هو تلك اللعبة الهزلية التي استخدمت البيان المزيف كفزاعة لترهيب الناس ودفعهم للقبول بالبيان "الحقيقي" وكأنه المنقذ،من البيان المزيف رغم انه في جوهره لا يقل خطورة في مخالفته لاهداف المظاهرة ومقاصدها المعلومة.
ويتجلى التناقض الصارخ حين نقرأ في ديباجة البيان الحقيقي تأكيدا على التمسك بالاعلان الدستوري الذي اصدره الرئيس عيدروس الزبيدي، ذلك الذي رسم خارطة طريق واضحة نحو الاستقلال واقر مبدأ الحوار مع قوى الاحتلال اليمني وصولا الى الاستفتاء، ورغم ان فكرة الاستفتاء بحد ذاتها كانت محل جدل قانوني وتاريخي، لكون الجنوب دولة كانت قائمة ومعترفا بها ودخلت الوحدة بقرار سياسي لا باستفتاء شعبي، الا ان الشعب قبل بها كصيغة للحل، لكن الصدمة تأتي في البنود اللاحقة للبيان ذاته، حين ينص احدها على ان اي اتفاق نهائي يتعلق بمستقبل الجنوب يجب ان يخضع للاستفتاء، وهنا يطرح التساؤل الفلسفي والسياسي العميق: كيف نتمسك باعلان دستوري حسم قضية الاستقلال وجعلها سقفا نهائيا، ثم نعود لنرهن مستقبل البلاد باتفاقات مفتوحة الاحتمالات تجعل الاستقلال مجرد خيار من بين مجموعة خيارات..
فهذا الالتفاف يفرغ الاعلان الدستوري من محتواه، ويحول الثوابت الى متغيرات تخضع للمساومات، فالاتفاق الذي لا ينص صراحة على الاستقلال هو اتفاق يفتح الباب للعودة الى مربعات الصراع والغموض، خاصة وان التمسك بالاعلان الدستوري حشر في الديباجة كنوع من الدغدغة العاطفية ولم يدرج في بنود التوصيات الملزمة،التي تضمنها البيان مما يجعلنا امام نص يمنح باليمين ما يسلبه بالشمال، ويجعل من الاستفتاء المرتبط بالاتفاقات وسيلة لتمييع الاستحقاق الشعبي الذي لا يحتاج اصلا لاتفاقات جديدة بقدر ما يحتاج لقرار شجاع يحترم ارادة من سكبوا دماءهم في سبيل الحرية.
ويمتد العجب ليصل الى تلك المفارقة العجيبة في الموقف من الاجراءات السعودية، فبينما كانت الدعوة للمظاهرة في جوهرها رفضا لتلك التدخلات والسياسات السعودية التي تضيق الخناق على الجنوب، نجد البيان يدعو لدعم حوار جنوبي في عدن، وهو حوار يعلم القاصي والداني ان الدعوة اليه اتت من قبل السعودية ولم تنبع من حاجة داخلية حقيقية، بل هي محاولة لاعادة تدوير الوجوه والافكار بما يخدم اجندات خارجية، فكيف يخرج الشعب لرفض الوصاية ثم يبارك في بيانه الختامي ادوات تلك الوصاية فالحاجة للحوار تنشأ عادة حين يختلط الامر على الناس او تنقسم الصفوف حول الغايات الكبرى، ولكن الواقع يقول ان الشعب الجنوبي من المهرة الى باب المندب قد توحدت كلمته وانصهرت ارادته خلف هدف واحد لا شريك له وهو الاستقلال، فما الداعي لحوار يبحث عما هو موجود ومحقق في وجدان الناس الا اذا كان الغرض منه هو الالتفاف على ذلك الهدف واغراقه في دهاليز اللجان والنقاشات البيزنطية التي لا تنتهي.
والذين يظنون ان الحوار الجنوبي يمكن ان يكون مطية لتمرير مشاريع لا تلبي سقف التطلعات الشعبية واهمون، فالشعب الذي وحدته الميادين لن تفرقه الطاولات، واي حوار لا يضع الاستقلال حجر زاوية ومنطلقا وغاية سيكون مصيره الرفض القطعي، بل ان هؤلاء المروجين لمثل هذه الحوارات لا يدركون انها ستتحول الى وبال عليهم، لان الوعي الشعبي قد تجاوز مرحلة الوصاية، وما كان للشعب ان يقبله دون حوار فسيرفضه رفضا قاطعا اذا اتى عن طريق الحوار ، كما ان مخرجات اللقاء التشاوري الموسع في عام الفين وثلاثة وعشرين كانت كافية ووافية لرسم ملامح البيت الجنوبي، ولا توجد ضرورة وطنية تستدعي القفز فوقها الا اذا كانت هناك نية مبيتة للعودة الى الوراء.
الكتابة بصدق تقتضي منا ان نقول للاعور انت اعور في عينه، والبيان الذي صيغ في غرف مغلقة بعيدا عن هدير الشارع هو محاولة لترويض المستحيل، لكن التاريخ يعلمنا ان ارادة الشعوب لا تروض بالكلمات المنمقة ولا بالتناقضات المفضوحة، وان الطريق الى الاستقلال واضح لا يحتاج الى استفتاءات مشروطة باتفاقات غامضة، ولا الى حوارات تفرض من الخارج لتجميل واقع مرير، فالحقيقة تظل ساطعة مهما حاول المرجفون تغطيتها بغربال البيانات المتناقضة التي تسرق عرق الثوار وتضحيات الشهداء في رابعة النهار.