اخبار وتقارير

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 10:42 ص بتوقيت عدن ،،،

4مايو/تقرير خاص_مريم بارحمة


تشهد مدن وادي وصحراء حضرموت، وفي مقدمتها مدينة سيئون، مرحلة من أكثر المراحل توترًا وتعقيدًا منذ سنوات، في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وتنامي حالة الغضب المجتمعي الرافض لتواجد قوات الطوارئ الشمالية، وتداخل العوامل الأمنية والسياسية في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة. وفي خضم هذه التطورات، أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة حضرموت بيانًا وصف بالمهم، تناول فيه مستجدات الأوضاع في سيئون والوادي والصحراء، واضعًا النقاط على حروف مرحلة يرى أنها باتت فاصلة في مستقبل حضرموت السياسي والأمني.
البيان جاء عقب أحداث وُصفت بالخطيرة، تمثلت في استهداف متظاهرين سلميين بالرصاص الحي أمام مطار سيئون، أثناء تعبيرهم عن مطالب سياسية وأمنية تتصل بواقع الوادي، وهو ما اعتبره المجلس الانتقالي الجنوبي تصعيدًا غير مسبوق، وانتهاكًا صارخًا لحق التظاهر السلمي، ومؤشرًا على عمق الأزمة بين المجتمع المحلي والقوات العسكرية المنتشرة في المنطقة.




-إدانة رسمية وتصعيد في الخطاب السياسي


أدان انتقالي حضرموت بأشد العبارات قيام قوات الطوارئ اليمنية بإطلاق الرصاص الحي على متظاهرين سلميين، مؤكدًا أن ما جرى أمام مطار سيئون لا يمكن فصله عن سياق طويل من التوترات المتراكمة، وسياسات أمنية فاشلة، لم تراعِ خصوصية حضرموت ولا مطالب أبنائها.
واعتبر المجلس أن استخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين عُزّل يشكّل سابقة خطيرة، لا تهدد فقط السلم الأهلي، بل تضرب في صميم أي حديث عن الاستقرار أو الشراكة أو إدارة مسؤولة للملف الأمني في وادي حضرموت. وأشار البيان إلى أن هذا السلوك يعكس طبيعة العلاقة القائمة بين تلك القوات والمجتمع، والتي قامت على منطق القوة لا منطق الشراكة.




-فوهات البنادق ورسائل السياسة

ومن بين أكثر فقرات البيان لفتًا للانتباه، تلك التي تحدث فيها انتقالي حضرموت عن دلالات توجيه السلاح نحو صدور الشباب، معتبرًا أن “فوهات بنادق الغزاة التي وُجّهت لصدور شبابنا وضعت المسمار الأخير في نعش بقاء هذه القوات بالوادي”، وهي عبارة حملت شحنة سياسية عالية، تعكس حجم القطيعة التي يرى المجلس أنها باتت قائمة بين تلك القوات والمجتمع الحضرمي.
سياسيًا، يمكن قراءة هذا التصريح باعتباره إعلانًا صريحًا عن انتهاء مرحلة “القبول الضمني” بوجود هذه القوات، وانتقال الخطاب من مربع المطالب الإصلاحية إلى مربع نزع الشرعية السياسية والشعبية عن بقائها، وهو تحول يعكس تصاعد السقف السياسي للحراك في حضرموت.




-الأمن المحلي كمدخل للاستقرار

وفي محور الأمن، شدد انتقالي حضرموت على أن لا أمان للوادي والصحراء إلا من خلال إحلال قوات النخبة الحضرمية، وتمكين أبناء الأرض من السيطرة على كامل جغرافيتهم. ويُعد هذا الطرح امتدادًا لرؤية سياسية وأمنية يتبناها المجلس منذ سنوات، تقوم على مبدأ “الأمن بيد أهله”، وربط الاستقرار بوجود قوات محلية تحظى بالقبول المجتمعي.
ويرى مراقبون أن هذا المطلب يعكس تجربة سابقة في ساحل حضرموت، حيث أسهمت قوات النخبة الحضرمية، منذ تشكيلها، في تحقيق مستويات عالية من الأمن والاستقرار، ومحاصرة الجماعات الإرهابية، وهو ما جعل هذه التجربة تُطرح كنموذج قابل للتعميم على الوادي والصحراء.




-تحميل السلطة المحلية المسؤولية

ولم يُعفِ البيان السلطة المحلية في وادي حضرموت من المسؤولية، إذ حمّلها المسؤولية الكاملة عن تداعيات التصعيد العسكري تجاه المتظاهرين العُزّل في سيئون، معتبرًا أن الصمت أو التواطؤ أو العجز عن حماية المواطنين يضعها في موقع الشريك في ما حدث.
سياسيًا، يعكس هذا الاتهام حالة التآكل في الثقة بين الشارع والسلطة المحلية، ويضع السلطة المحلية أمام اختبار صعب، في ظل تصاعد الضغوط الشعبية، وتزايد الدعوات إلى مراجعة شاملة لدورها وصلاحياتها وعلاقتها بالقوات العسكرية.



-خيارات مفتوحة ورسائل ضغط

في لهجة حملت طابع التحذير السياسي، أكد انتقالي حضرموت أن خيارات المجلس السياسية والميدانية باتت مفتوحة على كافة الاحتمالات، للرد على سياسة القمع والتركيع. ورغم أن البيان لم يحدد طبيعة هذه الخيارات، إلا أن استخدام هذا التعبير يحمل رسالة ضغط واضحة، مفادها أن استمرار الوضع القائم قد يقود إلى تحولات أكثر حدة في المشهد.
ويرى محللون أن هذا النوع من التصريحات يهدف إلى نقل الأزمة من كونها حدثًا أمنيًا محليًا إلى ملف سياسي مفتوح، قابل للتدويل أو التصعيد السياسي والشعبي، خصوصًا في ظل الزخم الإعلامي والتفاعل الشعبي الواسع مع أحداث سيئون.




-المعتقلون وحقوق الإنسان


وفي الجانب الحقوقي، طالب انتقالي حضرموت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة المعتقلين الذين تم احتجازهم من ساحات التظاهر السلمي بسيئون، معتبرًا أن الاعتقال بسبب الرأي أو المشاركة في احتجاج سلمي يُعد انتهاكًا واضحًا للقانون، وللمواثيق الدولية التي تكفل حرية التعبير والتجمع.
وأكد البيان أن حق التظاهر والتعبير عن التطلعات الوطنية حق مكفول دوليًا، ولا يمكن مصادرته عبر فوهات البنادق، في إشارة إلى أن المعالجة الأمنية للأزمات السياسية لا تؤدي إلا إلى تعميقها.




-الغضب الشعبي وحدود الاحتمال

وحذر انتقالي حضرموت من أن ما وصفه بـ“بركان الغضب الشعبي” لن يتوقف ما لم تتم الاستجابة لمطالب الشارع، وفي مقدمتها تطهير الوادي من قوى الفساد والنهب والإرهاب. هذا الوصف يعكس إدراكًا رسميًا داخل المجلس لحجم الاحتقان الشعبي، وخطورة تجاهله أو التقليل من شأنه.
ويشير مراقبون إلى أن وادي حضرموت يشهد منذ سنوات تراكمًا لعوامل الغضب، نتيجة تردي الخدمات، وتدهور الوضع المعيشي، وتكرار الانتهاكات الأمنية، وهو ما جعل أي حادثة كبيرة قابلة لأن تتحول إلى شرارة لانفجار أوسع.




-سيئون كنقطة تحوّل

كما ذهب انتقالي حضرموت إلى أبعد من توصيف الحدث، معتبرًا أن صوت الرصاص الذي وُجّه نحو المواطنين في سيئون قد يكون الشرارة التي “تعلن فجر التحرير الكامل لكل ذرة رمل من ترابنا الوطني”. ويعكس الخطاب رؤية سياسية تعتبر ما جرى نقطة تحول لا يمكن بعدها العودة إلى ما قبلها.




-بين الشارع والسياسة

ترافقت أحداث سيئون مع دعوات شعبية للتصعيد السلمي، وإعلانات عن النفير العام، رُفعت خلالها شعارات تؤكد على التمسك بالهوية الجنوبية، ورفض ما يُوصف بالوصاية والاحتلال، وهي شعارات تعكس حالة تعبئة شعبية متصاعدة، تتجاوز حدود المدينة إلى عموم حضرموت، بل إلى محافظات الجنوب.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن المشهد في حضرموت لم يعد محصورًا في مطالب خدمية أو أمنية، بل بات يحمل أبعادًا سياسية عميقة، تتصل بمستقبل السلطة، وطبيعة الوجود العسكري، وهوية القرار السياسي في المحافظة.




-حضرموت في قلب المعادلة الجنوبية

لا يمكن فصل بيان انتقالي حضرموت عن السياق الأوسع لقضية شعب الجنوب، حيث تمثل حضرموت بثقلها الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي عنصرًا حاسمًا في أي معادلة سياسية قادمة. ومن هنا، فإن ما يجري في سيئون يُنظر إليه باعتباره اختبارًا لإرادة أبناء حضرموت، وقدرتهم على فرض خياراتهم السياسية والأمنية.




-لا صوت يعلو فوق صوت الأرض وأهلها

بين الرصاص والبيانات، وبين الشارع والسلطة، تقف سيئون اليوم عند مفترق طرق. فإما أن تُستوعب مطالب المحتجين ضمن مسار سياسي وأمني جديد، يقوم على الشراكة واحترام الحقوق، أو أن يستمر التصعيد، بما يحمله من مخاطر على الاستقرار والسلم الأهلي.
ويبقى بيان انتقالي حضرموت وثيقة سياسية تعكس مرحلة شديدة الحساسية، وتؤشر إلى أن زمن إدارة الأزمات بالحلول المؤقتة قد شارف على نهايته، وأن حضرموت تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: لا صوت يعلو فوق صوت الأرض وأهلها، ولا استقرار دون معالجة جذرية لأسباب الغضب والتوتر.