اخبار وتقارير

الثلاثاء - 06 يناير 2026 - الساعة 01:46 م بتوقيت عدن ،،،

4مايو/كتب:عبدالكريم أحمد سعيد



على مدى عقد من الزمن، انتهج المجلس الانتقالي الجنوبي مقاربة سياسية قائمة على الصبر الاستراتيجي في تعاطيه مع التحالف العربي، وبصورة خاصة مع المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من إدراكه لتعقيدات المشهد الإقليمي، وتشابك الملفات الأمنية والسياسية في اليمن. وقد استند هذا الخيار إلى قناعة مفادها أن منح الفرص للحلول التوافقية، وتجنب الصدام المباشر، قد يسهم في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتسوية شاملة ومستدامة.
غير أن التجربة العملية أظهرت أن هذا الصبر، في غياب أفق سياسي واضح ومحدد، تحول تدريجياً من أداة لإدارة التوازنات إلى عبء سياسي، خصوصاً مع استمرار التعامل مع قضية شعب الجنوب باعتبارها ملفاّ مؤجلاً أو هامشياً ضمن مسارات تفاوضية لا تعكس ثقلها الشعبي ولا واقعها السياسي على الأرض. فالشراكات الإقليمية، لكي تكون فاعلة ومستقرة، لا يمكن أن تقوم على ترتيبات أمنية مؤقتة أو تفاهمات غير مكتملة، بل تحتاج إلى رؤية سياسية واضحة، والتزامات متبادلة، وآليات معالجة شفافة للاختلالات.
لقد أبدى المجلس الانتقالي الجنوبي مرونة عالية في التعاطي مع مختلف المبادرات والترتيبات الأمنية، وقدم تنازلات جوهرية بهدف الحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة. إلا أن استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية، وتهميش التمثيل السياسي الجنوبي في المسارات الإقليمية والدولية، أسهم في تآكل الثقة، وأعاد طرح تساؤلات مشروعة حول جدوى إدارة الأزمة دون معالجة جذورها السياسية.
إن جوهر التحدي لا يكمن في رفض أي دور إقليمي، ولا في التقليل من تعقيدات المشهد اليمني، بل في غياب الاعتراف بقضية شعب الجنوب كقضية سياسية قائمة بذاتها، تمتلك قاعدة اجتماعية واسعة، وتمثيلاً سياسياّ واضحاً ، وخصوصية تاريخية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستدامة. فالتجارب السابقة تؤكد أن إقصاء هذه القضية، أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى، لا ينتج استقراراً، بل يعمق حالة الخلافات والفوضى ويعيد إنتاج عوامل الصراع.
وتظهر التجارب التاريخية السابقة أن الجنوب قد يمر بانتكاسات مرحلية ، لكنه لا يفقد بوصلته السباسية ، ولا يتخلى عن مشروعة الوطني. فالخسائر، مهما بلغت كلفتها، لا تعني نهاية المسار، بقدر ما تعكس تعقيدات البيئة الإقليمية، وتشابك المصالح، وتعدد الفاعلين.
وعليه، فإن أي مقاربة واقعية لتحقيق الأمن والاستقرار في الجنوب والمنطقة تستوجب الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها السياسية، والاعتراف بالفاعلين المحليين، وبناء شراكات قائمة على الندية والوضوح وتبادل المصالح. فبدون هذا التحول، ستظل الترتيبات القائمة هشة بطبيعتها، وستبقى التسويات مؤقتة، وقابلة للانهيار، بما يجعل الاستقرار الإقليمي عرضة للاهتزاز على المدى المتوسط والبعيد.