عندما تجد أن قوت يومك أصبح من الصعب الحصول عليه أو حتى جزء منه ، فأعلم أن هناك كارثة اقتصادية كبيرة تحل بالبلاد وقد تؤدي لموتك من الجوع ، أو أن تعيش حياة شقاء وعمل ،حتى تتمكن من توفير لقمة العيش لك ولأسرتك.. هذا حال المواطنين في بلدنا اليوم ؛ بعد ارتفاع الدولار الذي تجاوز الـ(600 ريال) يمني، وغلاء الأسعار التي كان جزء منها ارتفاع سعر المواد الغذائية الرئيسية وتضاعف قيمتها بشكل مفاجئ، سبب للمواطن البسيط صدمة نفسية وذهول، وحالة خوف من الأيام القادمة ، في حال ظل الدولار يرتفع ولا يجد من يتدخل لإيقافه.
في تقريرنا تم رصد أبرز مظاهر هذه الثورة الشعبية، التي انطلقت قبل أيام في محافظة عدن، وبعض المحافظات المجاورة ، وحصدت تفاعل كبير من قبل الجميع، وقرارات حكومية يأمل الكل أن تترجم على أرض الواقع..
فزع المواطنين
ارتفاع الأسعار لم يكن بالأمر الجديد على حياة المواطنين، فقد اعتادوا بين الحين والآخر على زيادة قيمة الأشياء في السوق، وفي المحلات، والبقالات، ولكنهم هذه المرة واجهوا قفزة كبيرة "للدولار"؛ أحدثت ضجة واسعة بين أوساط الشعب الذي أنهك من كثرة المشاكل الاقتصادية، والأزمات المتكررة، وسكوت الحكومة الذي لم يجد له تفسير أو رد فعل.
هذه المرة كانت مختلفة ؛ ففور سماع المواطنين بارتفاع "الدولار"؛ بدأت المطالبات للقيام باعتصامات سلمية، وبداية ثورة احتجاجية على كل ما يحدث من غلاء وتدهور اقتصادي، وكذا تجاهل حكومي ؛ ترجمه المواطنون بالخروج للشوارع ورفع اللافتات التي تطالب بسرعة تدخل الحكومة وتندد بالتصعيد الثوري لأعلى درجاته ؛ في حال ظل الوضع على ما هو عليه.
اعتصام سلمي
فكانت بداية ثورة المواطنين في عدن، اعتصام سلمي، خرج فيه عدد كبير منهم إلى الشوارع من مختلف مديريات المحافظة، يحملون شعارات ولافتات تطالب بتدخل الحكومة وتوضح حالهم بعد غلاء الأسعار، وصاحب هذا الاعتصام إغلاق للطرقات الرئيسية، وعدد كبير من المحلات، وكذا عدم ذهاب بعض الموظفين والعمال لأشغالهم تضامنا مع المعتصمين في الشارع، وتعبيرا عن غضبهم ورفضهم لما يحدث، ومحاولة منهم للضغط على الحكومة لعمل حل والتدخل السريع لإنقاذ ما تبقى، قبل أن يتم التصعيد وتخرج الأمور عن السيطرة، كما يقول المعتصمين الذين أكدوا على بقائهم في الاعتصام السلمي "الخالي من السلاح" والذي اعتبره حقا من حقوقهم، بعد أن ضاقت بهم السبل والوسائل لإيصال أصواتهم لأصحاب القرار، وإظهار معاناتهم وظروفهم الصعبة التي يعيشونها جراء ارتفاع الدولار وغلاء الأسعار.
النشر والتعميم
في كل مرة يحدث شيء في البلاد ؛ تبدأ مواقع التواصل الاجتماعي بالنشر والتعميم، وإطلاق الأخبار وتفاصيل ما يحدث.. وتخلق مساحة من التفاعل، والجدل بين الناس، لمعرفة ما هي تطورات المشهد؟ وإلى أين قد تصل الأمور؟ وتوقعات عدة لشخصيات معروفة ونشطاء حقوقيين، وتبادل صور وفيديوهات وأوراق رسمية، وأسعار سابقة وحالية لمختلف الأشياء والأغراض، بما فيهم المواد الغذائية التي تهم المواطن.
فنجد صفحات "الفيس بوك" و "جروبات الواتس أب" وكذا "تغريدات تويتر" تعمل على مدار الساعة وبشكل مستمر دون توقف، وتطلق "الهاشتاجات" التي تحمل كلمات وعبارات تخص الوضع في البلاد وحال المواطن الذي يصعب على الكافر – كما يقول المثل – , ولا ننسى دور الإعلام، الذي يعد السلطة الرابعة في البلاد وتأثيره القوي على تسيير الأحداث المحاطة بنا والتعاطف مع طرف ضد آخر، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من عاقبة قد تكون وخيمة أو جيدة..
أقلام إعلامية
فما إن انطلقت الثورة ؛ انطلق معها العديد من الأقلام الإعلامية، وتداولت أخبار المعتصمين، ووجهت كل ما تكتبه وتقوله للحكومة بشكل مباشر، مطالبة بتدخلها أو تغييرها إذا لم تستطيع عمل حل لشعبها، الذي سكت على تجاهلها سنوات عدة بعد الحرب، وجاء الوقت كي يقوموا بوقفة جدية لتغيير الواقع.
تشكيل لجنة رقابة
وبالفعل بعد ساعات من انطلاق الاعتصامات والتصعيد ؛ عقد الرئيس "عبد ربه منصور هادي" اجتماعا طارئا مع عدد من الوزراء والمختصين في الشأن الاقتصادي، وطلب منهم تشكيل لجنة رقابة على كل التجار والمحلات التجارية والبنوك، وعمل حل لتفادي هذا الغلاء، وأعلن عن زيادة في رواتب مختلف قطاعات الدولة ابتداءً من الشهر القادم.
وتفاعل مع هذا القرار عدد من المسئولين في الدولة، منهم مدراء المديريات وكان أبرزهم مدير عام مديرية المنصورة "محمد البري" الذي أصدر بيان مخاطبا محلات الصرافة، يطالبهم بالالتزام بالسعر المتعارف عليه "للدولار" دون زيادة أي مبلغ، وإنه سيحاسب كل من سيخالف ذلك ؛ كنوع من التفاعل مع قرارات الرئيس والوقوف لجانب المواطنين، في بادرة لاقت استحسان كبير، نتمنى أن يسير على حذوها بقية مدراء المديريات، وكل شخص مسئول في قطاع يخص هذا الأمر الهام من أجل مصلحة المواطن والبلد.
توحيد سعر الصرف
وفي هذا السياق تم التواصل مع مدير عام مديرية المنصورة "محمد البري" وذكر تفاصيل ما حدث بعد قرارات الرئيس "هادي" وأوضح قائلا: "بناءً على المحضر الذي تسلمناه من المحافظة ؛ والذي يطالب بضرورة التزام التجار بسعر الصرف، قمت بالتحرك وإغلاق كل محلات الصرافة في مديرية المنصورة، وذلك بالتعاون مع الأمن، وتم استدعائهم لمكتبي وإطلاعهم على البيان الذي أصدر من المديرية ؛ بضرورة التزامهم بسعر الصرف المحدد له، والذي تم تحديد قيمته بناءً على الاجتماع الذي قام به القائم بأعمال محافظ محافظة عدن "سالمين" ومسئول الغرفة التجارية، الذي عقد داخل البنك والذي أكد المسئولون فيه "أنه تم بيع الدولار للتجار بـ(497 ريال يمني) فقط لا غير، وهذا ما تم وضعه في البيان الذي أصدرته، وشكر "البري" كل مدراء محلات الصرافة على تفاعلهم مع البيان، وأضاف: " تفاجأت اليوم باتصال من أحدهم يخبرني بأن محلات الصرافة في مديرية الشيخ عثمان سعر "الدولار" يصل لـ(600) وأكثر، وهذا ما أزعجني ؛ فقمت برفع مذكرة أخرى للمحافظة، أطلب منهم عمل حل والتدخل أو إعطائنا تصريح بالتحرك، وضبط العملية، حتى تتساوى جميع المديريات بسعر" صرف واحد" –الذي جاء في المحضر القادم من المحافظة وتم تعميمه –، لكن مع الأسف لم ينفذ من قبل البعض , لذا أرجو أن يتم محاسبة المخالفين ويتساوى "سعر الصرف" ، حتى لا تحدث مشاكل بين الناس ويزداد الأمر سوءً ؛ نحن نريد أن نقف مع المواطنين وأن نتفادى حدوث أي أزمة اقتصادية، ونتمنى أن نتعاون جميعا لتحقيق ذلك.
أولى الخطوات الجادة
يأمل المواطنين أن يتم محاسبة كل من يريد استغلال الوضع لصالحه، وأن تعدي هذه الأزمة على خير، وأن تكون قرارات الرئيس ليست فقط حبر على ورق ؛ بل أولى الخطوات الحكومية الجادة، من أجل مصلحة الشعب الذي أنهكته الحرب والغلاء، والأزمات المتكررة..