اخبار وتقارير

الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - الساعة 10:41 ص بتوقيت عدن ،،،

4 مايو /تقرير خاص:مريم بارحمة



يستعيد الجنوب، في الأول من سبتمبر 2026م، واحدة من أبرز محطات تاريخه العسكري والوطني، مع حلول الذكرى الخامسة والخمسين ليوم الجيش الجنوبي، وهي مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي لتفتح صفحات حافلة من تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية، التي ارتبط تأسيسها بمشروع بناء الدولة، ورسخت حضورها عبر عقود من التدريب والانضباط والتضحيات والمعارك.

يحمل الأول من سبتمبر 1971م دلالة خاصة في الذاكرة العسكرية الجنوبية، باعتباره محطة مفصلية في مسار بناء الجيش الجنوبي الحديث، بعد أن انتقلت البلاد عقب الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م إلى مرحلة تأسيس مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية القادرة على حماية السيادة والدفاع عن الأرض وتأمين المجتمع.

وتكتسب هذه الذكرى أهميتها من كونها تستحضر مسيرة مؤسسة لم تتشكل بين ليلة وضحاها، وإنما جاءت ثمرة تراكم طويل من الخبرات العسكرية والتنظيمية، ومن جهود بناء الكليات والمدارس والمعاهد والوحدات المتخصصة، وصولاً إلى جيش امتلك خلال مراحل مختلفة تشكيلات برية وبحرية وجوية وقدرات عسكرية متقدمة قياساً بإمكانات تلك المرحلة.



_ الأول من سبتمبر يوم ولادة مرحلة عسكرية جديدة

ارتبط الأول من سبتمبر 1971م بافتتاح الكلية العسكرية في صلاح الدين، وهي الخطوة التي مثلت منعطفاً مهماً في عملية إعداد وتأهيل الضباط وبناء الكادر العسكري الجنوبي على أسس علمية ومنهجية. ولم تكن الكلية مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت جزءاً من مشروع متكامل لبناء جيش دولة يمتلك المعرفة والانضباط والتخصص والقدرة على إدارة التشكيلات العسكرية المختلفة.

سبق ذلك التاريخ وجود تشكيلات عسكرية جنوبية متعددة، إلا أن مرحلة ما بعد الاستقلال فرضت الانتقال نحو مؤسسة عسكرية أكثر تنظيماً، تتناسب مع متطلبات الدولة الجديدة ومسؤولياتها الدفاعية والأمنية.

ومع اتساع مشروع البناء العسكري، ظهرت المدارس والمعاهد المتخصصة في مجالات متعددة، وتطورت منظومة التدريب والتأهيل، وبرزت الحاجة إلى ضباط متخصصين في المشاة والمدفعية والدروع والإشارة والهندسة والدفاع الجوي والقوات البحرية والجوية وغيرها من المجالات.

شكل ذلك التطور أحد أهم ملامح التجربة العسكرية الجنوبية، إذ لم يعتمد بناء الجيش على زيادة أعداد المقاتلين فقط، وإنما ركز على بناء الإنسان العسكري المؤهل، باعتباره الركيزة الأساسية لأي مؤسسة دفاعية قادرة على الاستمرار.



_ جيش الدولة مؤسسة تتجاوز السلاح

أثبتت التجربة الجنوبية أن الجيش لا يُقاس بعدد الجنود أو نوعية الأسلحة وحدها، وإنما بقدرته على بناء منظومة متكاملة تجمع بين القيادة والتدريب والانضباط والجاهزية والتخصص.

شهدت القوات المسلحة الجنوبية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي توسعاً في بنيتها التنظيمية والعسكرية، وبرزت تشكيلات مختلفة للقوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، إلى جانب المؤسسات التعليمية والتدريبية التي رفدت الجيش بالكوادر والاختصاصات.

أسهمت برامج الابتعاث والتدريب الخارجي في تطوير خبرات الضباط والكوادر الفنية، وساعدت المدارس العسكرية والكليات والمعاهد المتخصصة في تأسيس أجيال متعاقبة من العسكريين.

ولذلك، بقي إرث الجيش الجنوبي مرتبطاً ليس فقط بالمعارك التي خاضها، وإنما أيضاً بالمؤسسة التعليمية والعسكرية التي أنشأها، وبالخبرة التي راكمتها أجيال من الضباط والجنود والفنيين.



_ المعارك صنعت مدرسة جنوبية في القتال

صاغت ساحات القتال جانباً مهماً من شخصية القوات المسلحة الجنوبية، بعدما خاضت خلال تاريخها عدداً من المواجهات العسكرية الكبرى، وواجهت ظروفاً سياسية وإقليمية معقدة.

شهدت السبعينيات مواجهات عسكرية كان أبرزها حرب 1972م، ثم حرب 1979م، وهي محطات تركت آثاراً عميقة في مسار المؤسسة العسكرية، وأسهمت في تراكم الخبرات العملياتية والميدانية لدى القوات الجنوبية.

أظهرت تلك المواجهات أهمية الجاهزية العسكرية، وأكدت أن حماية الحدود والسيادة تحتاج إلى مؤسسة تمتلك القدرة على التخطيط والتنظيم والاستجابة السريعة للتهديدات.

ثم جاءت حرب 1994م لتشكل واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخ الجيش الجنوبي، بعدما انتهت الحرب بتفكيك المؤسسة العسكرية الجنوبية وإقصاء أعداد كبيرة من منتسبيها، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في الحياة العسكرية والاجتماعية والسياسية في الجنوب.

لكن تفكيك المؤسسة لم ينجح في محو الذاكرة العسكرية.

احتفظ آلاف الضباط والجنود بخبراتهم، وظلت الكليات والمدارس والمعسكرات والرتب والذكريات حاضرة في وجدان المجتمع، وبقيت الأجيال الجديدة تنظر إلى تلك المرحلة باعتبارها جزءاً من تاريخ الجنوب العسكري.



_ تفكيك المؤسسة وبقاء الإرث

أحدثت حرب 1994م قطيعة مؤسسية كبيرة مع الجيش الجنوبي السابق، لكنها لم تستطع قطع الصلة بين الإنسان الجنوبي وخبرته العسكرية.

عاد كثير من الضباط إلى الحياة المدنية، فيما تعرض آخرون للتقاعد أو الإقصاء أو التهميش، لكن الخبرة بقيت حاضرة، وانتقلت من جيل إلى جيل.

أصبحت تلك الخبرات لاحقاً رصيداً مهماً عندما عاد الجنوب إلى مواجهة تحديات عسكرية وأمنية جديدة.

وهنا تظهر واحدة من أهم الحقائق في قراءة التاريخ العسكري الجنوبي: المؤسسة قد تُفكك، لكن الخبرة العسكرية لا تُفكك بسهولة، والذاكرة لا يمكن إلغاؤها بقرار إداري.

احتفظ العسكريون الجنوبيون بتجاربهم، وحافظ المجتمع على ذاكرة جيشه، وظل الأول من سبتمبر حاضراً باعتباره رمزاً لمرحلة شهدت بناء مؤسسة عسكرية جنوبية متكاملة.



_ المقاتل الجنوبي يعود إلى الميدان

فرضت أحداث 2015م واقعاً عسكرياً جديداً على الجنوب، عندما دخلت محافظات الجنوب في مواجهة مفتوحة مع قوات الحوثيين والقوات المتحالفة معها.

برزت المقاومة الجنوبية في معارك الدفاع عن العاصمة عدن، وامتدت المواجهات إلى لحج وأبين وشبوة والضالع وغيرها من الجبهات.

خاض المقاتلون الجنوبيون معارك شرسة في المدن والجبال والطرق والمواقع العسكرية، وقدموا أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، قبل أن تتغير موازين القوى على الأرض.

شكلت تلك المرحلة نقطة تحول جديدة؛ فبعد سنوات من تفكيك الجيش الجنوبي السابق، عاد المقاتل الجنوبي إلى الواجهة العسكرية، لكن في ظروف مختلفة، وبأشكال تنظيمية جديدة.

نشأت تشكيلات أمنية وعسكرية جنوبية في عدد من محافظات الجنوب، وبرزت قوات الحزام الأمني والنخبة الشبوانية والحضرمية وغيرها من التشكيلات التي أصبحت لاعباً أساسياً في المشهد الأمني والعسكري الجنوبي.



_ ملاحم عدن حين تحول الدفاع إلى بطولة

سجلت معارك تحرير العاصمة عدن واحدة من أبرز الصفحات في التاريخ العسكري الجنوبي الحديث.

واجه المقاتلون ظروفاً بالغة الصعوبة، وخاضوا معارك داخل الأحياء والشوارع، وسط نقص الإمكانات وتعقيدات المعركة، إلا أن المقاومة الجنوبية تمكنت من الصمود ثم الانتقال إلى الهجوم.

أصبحت معركة عدن رمزاً لتضحيات آلاف المقاتلين الذين رأوا في الدفاع عن المدينة معركة وجود، ودفعت هذه المعركة إلى إعادة تشكيل واقع عسكري وأمني جديد في الجنوب.

امتدت المعارك بعد ذلك إلى جبهات أخرى، وشارك المقاتلون الجنوبيون في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، لتتسع مسؤوليات القوات الجنوبية من الدفاع عن المدن إلى حماية المناطق المحررة وملاحقة الجماعات المسلحة.



_ أبين وشبوة وحضرموت معارك على جبهات متعددة

لم تتوقف المواجهة عند حدود العاصمة عدن، حيث شهدت أبين وشبوة وحضرموت عمليات عسكرية وأمنية ضد التنظيمات المتطرفة، واستمرت المواجهات مع الحوثيين في عدد من الجبهات.

واجهت القوات الجنوبية تهديداً مزدوجاً تمثل في خطر التوسع الحوثي من جهة، ونشاط التنظيمات الإرهابية من جهة أخرى.

فرض ذلك الواقع على القوات الجنوبية أداء مهام متعددة في وقت واحد؛ الدفاع عن الجبهات، وتأمين المدن، وملاحقة الخلايا الإرهابية، وحماية الطرق والمنشآت، والمساهمة في تثبيت الأمن والاستقرار.

دفعت القوات الجنوبية ثمناً باهظاً في هذه المواجهات، وسقط العديد من منتسبيها في عمليات وهجمات استهدفت مواقعهم ودورياتهم ومعسكراتهم.

تحولت تلك التضحيات إلى جزء جديد من الذاكرة العسكرية الجنوبية، يضاف إلى سجل طويل من الشهداء الذين ارتبطت أسماؤهم بمراحل مختلفة من تاريخ المؤسسة العسكرية.



_ القوات الجنوبية والأمن معركة لا تقل أهمية

تتجاوز مسؤولية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية حدود مواجهة الخصوم في الجبهات، لتشمل حماية المجتمع والحفاظ على الاستقرار.

فرضت طبيعة الأوضاع في الجنوب خلال السنوات الماضية تحديات أمنية معقدة، نتيجة انتشار الجماعات المسلحة، وظهور الخلايا الإرهابية، وتعدد خطوط التهديد، واستمرار التوتر العسكري.

أصبحت القوات الجنوبية أمام مهمة الحفاظ على المدن والمناطق المحررة ومنع عودة الفوضى، إلى جانب مواجهة الهجمات الإرهابية والتهديدات العسكرية.

وقد ارتبط نجاح الاستقرار في أي منطقة بقدرة القوات الموجودة فيها على فرض الأمن، وتأمين الطرق والمنشآت، وحماية السكان، ومنع الجماعات المسلحة من استغلال الفراغ الأمني.

لكن الأمن المستدام يحتاج، في المقابل، إلى مؤسسة عسكرية وأمنية مهنية، وإلى منظومة قانونية واضحة، وإلى تدريب وتأهيل مستمر، وإلى ضبط العلاقة بين القوة العسكرية والمؤسسات المدنية.



_ الامتداد التاريخي

تطرح ذكرى الأول من سبتمبر سؤالاً أساسياً: هل تمثل القوات المسلحة الجنوبية الحالية امتداداً للجيش الجنوبي السابق؟

تجيب القراءة التاريخية بأن الامتداد لا يعني التطابق في الهياكل أو الظروف أو طبيعة التشكيلات، وإنما يعني استمرار عناصر أساسية تشكلت عبر عقود؛ الكوادر، والخبرة، والذاكرة، والتقاليد العسكرية، والوعي بأهمية المؤسسة الدفاعية الجنوبية.

يحمل عدد من منتسبي القوات الحالية خبرات عسكرية اكتسبوها في مراحل سابقة، بينما اكتسب جيل جديد خبرته من ساحات القتال التي شهدها الجنوب منذ 2015م.

التقت الخبرة القديمة بالتجربة الجديدة، وبدأت عملية إعادة تشكيل القوة العسكرية الجنوبية في بيئة مختلفة عن البيئة التي نشأ فيها الجيش السابق.

لذلك يمكن النظر إلى المرحلة الراهنة باعتبارها محاولة لإعادة بناء ما انقطع، لا مجرد إنشاء مؤسسة منفصلة عن الماضي.

فالضابط الذي تعلم في مدرسة عسكرية جنوبية قديمة، والجندي الذي خاض معارك 2015م، والجيل الجديد الذي يتلقى تدريبه اليوم، جميعهم يمثلون حلقات مختلفة في تاريخ عسكري واحد، وإن اختلفت الظروف والتشكيلات.



_ المؤسسة قبل السلاح

تحتاج القوات المسلحة الجنوبية، إذا أرادت أن تكون امتداداً حقيقياً للإرث العسكري السابق، إلى تحويل الذاكرة إلى مشروع مؤسسي حديث.

يتطلب ذلك تطوير التعليم العسكري، وإعادة الاعتبار للتخصص، وتوسيع برامج التدريب، والاستفادة من خبرات الضباط المخضرمين، وإعداد قيادات شابة قادرة على التعامل مع التكنولوجيا العسكرية الحديثة.

يحتاج بناء الجيش أيضاً إلى توثيق تاريخه، وحفظ أرشيفه، وتكريم شهدائه، وتسجيل تجارب مقاتليه، لأن التاريخ العسكري الذي لا يوثق يصبح عرضة للنسيان والتشويه.

ويحتاج إلى بناء عقيدة عسكرية واضحة، وهيكل تنظيمي منضبط، وتحديد دقيق للمهام والصلاحيات، بما يعزز مهنية المؤسسة ويجعلها أكثر قدرة على أداء وظائف الدفاع والأمن والاستقرار.



_ البطولة ليست في المعركة وحدها

تتسع قيمة البطولة العسكرية لتشمل كل من أسهم في بناء المؤسسة وحمايتها.

يمثل الجندي الذي يقف في موقعه لساعات طويلة، والضابط الذي يخطط للعملية، والطيار الذي يؤدي مهمته، والبحار الذي يحرس الساحل، والفني الذي يحافظ على جاهزية المعدات، والطبيب الذي يعالج الجرحى، والمدرب الذي يؤهل الأجيال الجديدة، جميعهم أجزاء من منظومة واحدة.

تتجسد البطولة أيضاً في الصبر والانضباط وتحمل المسؤولية.

ولهذا فإن تكريم الجيش الجنوبي في ذكراه الخامسة والخمسين لا ينبغي أن يقتصر على استعادة صور المعارك، بل يجب أن يمتد إلى استعادة قيم المؤسسة التي صنعت تلك البطولات.



_ جيل المخضرمين ذاكرة لا يجوز فقدانها

يحمل الضباط والجنود المخضرمون ذاكرة عسكرية لا يمكن تعويضها بسهولة.

يعرف هؤلاء تفاصيل مراحل البناء والتدريب والمعارك، ويملكون خبرة ميدانية تراكمت خلال عقود.

ويشكل نقل هذه الخبرة إلى الأجيال الجديدة ضرورة لبناء مؤسسة عسكرية أكثر قوة، لأن الجيوش لا تتطور بإلغاء الماضي، وإنما بالاستفادة من دروسه وتصحيح أخطائه وتطوير أدواته.

يحتاج الجيل الجديد إلى الجمع بين خبرة المخضرمين والتكنولوجيا الحديثة، وبين الانضباط التقليدي ومتطلبات الحروب المعاصرة، وبين التجربة الميدانية والتعليم العسكري المتخصص.



_ الأول من سبتمبر ذاكرة تتحول إلى مسؤولية

يأتي الأول من سبتمبر هذا العام محملاً بذاكرة خمسة وخمسين عاماً من التاريخ العسكري الجنوبي.

تحمل الذكرى صور الضباط الذين أسسوا المدارس والكليات، والجنود الذين وقفوا في الجبهات، والشهداء الذين سقطوا في ميادين مختلفة، والمقاتلين الذين دافعوا عن العاصمة عدن ومحافظات الجنوب خلال السنوات الماضية، لكن قيمة الذكرى الحقيقية تظهر عندما تتحول الذاكرة إلى مسؤولية.

تتمثل المسؤولية الأولى في حماية تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية من النسيان، وتتمثل الثانية في الاستفادة من خبرتها، بينما تتمثل الثالثة في بناء مؤسسة حديثة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

لا يكفي أن يقال إن القوات المسلحة الجنوبية الحالية امتداد للجيش السابق؛ بل يجب أن يظهر هذا الامتداد في مستوى التدريب والانضباط والاحترافية، وفي احترام التخصص، وفي بناء القيادات، وفي حماية المجتمع، وفي القدرة على أداء المهام العسكرية والأمنية بكفاءة.



_ 55 عاماً التاريخ يكتب فصله الجديد

يحتفظ الأول من سبتمبر بمكانته لأنه يختصر قصة جيش ارتبط بتجربة دولة، ثم عاش الانكسار، وبقيت ذاكرته حية، قبل أن يعود المقاتل الجنوبي إلى الميدان في مرحلة جديدة.

بدأت القصة عام 1971م مع تأسيس مرحلة جديدة من البناء العسكري المنظم، وتوالت بعدها سنوات التدريب والمعارك والتضحيات، ثم جاءت حرب 1994م لتقطع المسار المؤسسي، قبل أن تعيد أحداث حرب 2015م تشكيل المشهد العسكري الجنوبي من جديد.

تغيرت الظروف، وتبدلت الأدوات، وتعددت التشكيلات، لكن الذاكرة العسكرية بقيت. ولهذا يحمل الأول من سبتمبر رسالة تتجاوز الماضي: القوة التي لا تستند إلى مؤسسة تتحول إلى لحظة عابرة، أما المؤسسة التي تستند إلى التاريخ والخبرة والانضباط فتملك القدرة على صناعة المستقبل.

يحتفل الجنوب اليوم بالذكرى الخامسة والخمسين ليوم جيشه، لكنه في الحقيقة يستعيد أكثر من خمسة عقود من الخبرة والتضحيات.

ويؤكد هذا التاريخ أن القوات المسلحة الجنوبية الحالية لم تنشأ من فراغ، وإنما جاءت في سياق طويل من الحضور العسكري الجنوبي، وأن ما يجري اليوم يمثل مرحلة جديدة في مسار إعادة بناء القوة والمؤسسة.

ويظل التحدي الأكبر أمام هذه المؤسسة أن تجعل من إرثها التاريخي قاعدة لمستقبل أكثر احترافاً وتنظيماً، وأن تجمع بين خبرة الأجيال المخضرمة وطموح القيادات الشابة، وأن تحول البطولات الماضية إلى عقيدة عمل، والتضحيات إلى مسؤولية، والذاكرة إلى مؤسسة.

هكذا يعود الأول من سبتمبر كل عام، لا كتاريخ مضى، بل كعنوان لمسيرة مستمرة؛ جيشٌ ترك بصمته في تاريخ الجنوب، ومقاتلون صنعوا صفحات من البطولة، ومؤسسة تسعى إلى استعادة مكانتها، وذاكرة وطنية تقول إن من يملك تاريخاً عسكرياً بهذا العمق لا يبدأ من الصفر، بل يبدأ من حيث انتهى الآخرون.