كتابات وآراء


الأحد - 23 أغسطس 2026 - الساعة 02:12 م

كُتب بواسطة : د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب



في اليمن والجنوب، ثمة مشهد سياسي يستعصي على المنطق إذا حاولنا قراءته من زاوية المصالح الوطنية وحدها، لكنه يصبح أكثر وضوحًا حين نضع أمامه سؤالًا واحدًا: من الذي يريد أن يعرّف المشكلة بين اليمن والجنوب، ومن الذي له الحق أن يعرف قضية شعب الجنوب وأبعادها؟ ومن الذي يريد أن يحدد أصحابها أهو الشعب في الجنوب أم الفئات الاجتماعية التي تصنعها الرياض على حساب إرادة الشعب؟، ومن الذي يملك حق رسم الطريق إلى الحل؟

هناك، في اليمن —(الشمال بمختلف توجهاته حوثية، إخوانية، مؤتمرية وغيرها)— ترى الرياض أطرافًا تتقاتل منذ سنوات، مختلفة في المرجعيات والأيديولوجيات والمصالح، ومتباينة في مواقفها من بناء الدولة والتنازع على السلطة واستخدام الدين بهدف خلط الأوراق للاختلاف في الرؤى السياسة وليس هذا فحسب، بل ترى تلك القوى اليمنية متناقضة في التحالفات والخصومات إلى حد أن خصم الأمس قد يصبح حليف اليوم، وحليف الأمس قد يتحول إلى خصم، ثم يعود الجميع في لحظة سياسية واحدة إلى خانة الأطراف اليمنية القابلة على المصالحة التي ينبغي تقريبها من بعضها، وخفض التصعيد بينها، وفتح مسارات التهدئة والتفاوض فيما بينها. ومن هنا فالحوثي كمليشيات الذي كان مع بداية عاصفة الحزم وقدمته الرياض للاقليم والعالم على أنه جماعة متمردة وانقلابية ثم إرهابية تهدد الدولة والجوار والممرات، ومع مرور إحدى عشرة عامًا تغيّرت لغة التعامل من قبل الرياض مع تلك المليشيات تدريجيًّا، حتى صار في خطاب التسوية طرفًا يمنيًّا أصيلًا ينبغي التفاهم معه، بينما تتبدل توصيفات الآخرين بحسب موقعهم من ميزان التحالفات: فالمؤتمريٌّ الذي كان متحالفًا مع الحوثي قد صار في مواجهة معه، ثم الاخواني الذي كان في مواجهة مع الحوثي، فقد صار ضمن قوى الحوثي التي تتقاطع مع جماعاته المتطرفة أو تتداخل معها في بعض السياقات التي تمارسها كمليشيات مصنفة إرهاربيًّا ، ومع ذلك يبقى سؤال الرياض في نهاية المطاف محصورًا في كيفية جمع هؤلاء المتخاصمين داخل إطار سياسي واحد تصبح الطبخة الفعالة والمجربة : هي المصالحة الوطنية على طريقة ما ما حصل بعد 1962م بين الملكين والجمهورين.

ولا مشكلة في أن تبحث دولة مجاورة عن تسوية سلمية في بلد أنهكته الحرب؛ بل إن وقف الحرب وحماية المدنيين ورفع المعاناة الإنسانية عن الشعب وفتح الطرق وتحقيق الاستقرار أهداف مشروعة ومطلوبة غير أن المشكلة تبدأ عندما يصبح مفهوم السلام انتقائيًّا، وعندما تكون بعض الأطراف المتنازعة قابلة للاحتواء والحوار مهما بلغ اختلافها، بينما تتحول قضية شعب أخرى، رغم امتلاكها قاعدة شعبية واسعة، وذات مشروعية سياسية تتمثل في استعادة دولة الجنوب تتحول إلى مشكلة ينبغي تفكيكها وتفكيك تمثيلها وممثلها وإعادة هندسة المتفق وتفريخه إلى مكونات تجعل القضية الجنوبية السياسية في استعادة الدولة قضية تاريخية ذات أبعاد اجتماعية يمكن احتواءها بحل يمكن تقليصه من مركزية الحكم واحتواء مظلوميتها إلى اللامركزية. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس لماذا تريد الرياض تهدئة الصراع في اليمن، وبينما في الجنوب لا، وإنما: لماذا تختلف معايير التهدئة عندما يتعلق الأمر بالجنوب العربي؟ ولماذا يكون جمع المختلفين في الشمال ضرورةً لصناعة السلام، بينما يصبح جمع الجنوبيين حول قضيتهم السياسية مصدر قلق ينبغي تفكيكه بالحوار مع أطراف لا تشارك فيه الغالبية من الجنوبيين رؤيتها في مصير قضيتهم العادلة في استعادة الدولة؟

وهنا تبدأ المفارقة الأكثر وضوحًا في المشهد، فالرياض، وهي تتعامل مع الأطراف في اليمن بكل القوى الشمالية، تبدو مستعدة للتعامل مع حقيقة أن السياسة لا تُدار دائمًا وفق معيار التجانس الأيديولوجي، وأن التسويات الكبرى لا تحتاج إلى أن يكون المتفاوضون متطابقين في الرؤية، بل يكفي أن تكون لديهم مصالح يمكن التفاوض حولها. لكنها، حين تصل إلى الجنوب العربي، يبدو أنها تتعامل مع المسألة بمنطق مختلف وهو إذا كان الجنوبيون متفقين، بدرجات متفاوتة، على جوهر قضيتهم السياسية، فلا بد من البحث عن فرقاء ولو بالغصب والقوة يعيدون تعريف القضية من معناها السياسي إلى خلفياتها التاريخية وأبعادها الاجتماعية، أو يفتحون أبوابًا جديدة للنقاش حول أصلها، أو يضعونها في إطار مظالم اجتماعية وتاريخية قابلة للمعالجة ضمن الدولة اليمنية واللامركزية مع تخفيف مفهوم المركزية باسم مجالس التنسيق لتحكم كل محافظة نفسها. وكأن المطلوب ليس البحث عن حل لقضية الجنوب، بل إعادة تعريف القضية بحيث تصبح قابلة للحل وفق الصيغة التي يريدها الوسيط والوصاية والوصي اللئيم.

وهنا تكمن عقدة المعضلة؛ فإذا كانت قضية الجنوب السياسية، في نظر الغالبية العظمى من شعب الجنوب، بوصفها قضية سياسية تتعلق بالهوية والسيادة وتقرير المستقبل السياسي، فإن تحويلها إلى مجرد ملف مظالم اجتماعية أو حقوقية لا يمثل حلًّا للمشكلة، بل تغييرًا لطبيعتها. وإذا كان هناك خلاف بين الجنوبيين حول التفاصيل، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن الخلاف على التفاصيل لا يعني بالضرورة سقوط القاعدة العامة التي تستند إليها غالبية سياسية أو شعبية. فليس من المنطقي أن يُقال لشعب مثل الجنوب أنتم مختلفون، ولذلك لا يمكن الاعتراف بقضيتكم، بينما تُستخدم الانقسامات نفسها في مجتمع اليمن( الشمال بمختلف قواه) بوصفها سببًا مشروعًا للتفاوض لا سببًا لإلغاء القضية لديهم.

إن الحوار في ذاته ليس مشكلة، بل إن الحوار ضرورة عندما يكون هدفه الوصول إلى توافق حقيقي؛ لكن اي حوار يفقد معناه عندما يتحول إلى أداة لإنتاج طرف سياسي بديل عن الطرف الذي يمتلك التفويض الشعبي، فهنا يكون الفرق كبير بين أن تدعو المختلفين إلى طاولة واحدة كي يتفقوا على مستقبلهم، وبين أن تستخدم الطاولة نفسها لإعادة توزيع الشرعية بينهم، بحيث يصبح الطرف الذي لا يمتلك قاعدة شعبية مساويًا للطرف الذي يمتلكها لمجرد أنه مقبول من القوى الراعية للحوار.

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تريد الرياض حل قضية شعب الجنوب، أم تريد إدارتها كملف أمني واقتصادي؟ لأن الفرق بين الحل والإدارة هو الفرق بين من يريد إغلاق الجرح ومن يريد إبقاءه مفتوحًا بالقدر الذي يسمح له باستخدامه في إدارة التوازنات. والحل يعني أن تصل الأطراف إلى نتيجة نهائية تحسم أصل المشكلة، بينما الإدارة تعني إبقاء القضية داخل دائرة التفاوض المستمر، بحيث تصبح ورقة قابلة للاستخدام في كل مرحلة، ومصدرًا لإعادة ترتيب التحالفات والضغوط والامتيازات.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم غضب الشارع الجنوبي عندما يشعر بأن الرياض لا تتعامل معه بوصفه صاحب قضية سياسية عادلة يجب أن تنتصر، وإنما بوصفه طرفًا ينبغي إعادة تشكيله قبل أن يصبح مؤهلًا للجلوس إلى طاولة الحل، فالجنوبي الذي خرج إلى الشارع محتجًا وقدم في الحروب الآلاف من الشهداء، والذي عاش سنوات الحرب والإقصاء والتهميش والاحتلال، لا يرى نفسه مجرد مجموعة من الفئات التي تحتاج إلى من يعرّفها أو يختار ممثليها، بل يرى نفسه صاحب حق في تحديد مستقبله، ويرى أن أي حوار لا يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة سيظل حوارًا لإدارة الأزمة لا لحلها.
ومن هنا فإن الوصاية لا تظهر دائمًا في صورة عسكرية مباشرة أو قرار معلن يقول: نحن نقرر عنكم، بل الوصاية الحديثة أكثر نعومة وخطورة؛ تبدأ عندما يصبح راتب الموظف وشراء الولاء وبيع الانتماء، وخدمة الكهرباء، والوقود، والوظيفة، والمساعدات، والعلاقات السياسية، وحتى القدرة على الحركة بين المؤسسات، مرتبطةً بدرجة القبول السياسي. وعندما يشعر المواطن بأن أبسط احتياجات حياته اليومية يمكن أن تتأثر بموقف سياسي، فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع تتحول إلى علاقة ضغط، لا إلى علاقة شراكة.
ثم يأتي الإقصاء السياسي ليكمل الصورة: فقيادة جنوبية حظيت بتفويض شعبي واسع تصبح فجأة موضع تشكيك، ومشروع سياسي بحجم المجلس الانتقالي يمتلك حضورًا جماهيريًّا واسعًا يصبح متهمًا بأنه المشكلة، بينما تُفتح الأبواب أمام شخصيات ومكونات أخرى لا تملك الوزن الشعبي نفسه. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بأهلية هذه القيادة أو تلك، وإنما يصبح السؤال: من الذي منح نفسه الحق في إعادة توزيع التفويض الشعبي؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي قوة إقليمية في بلد مأزوم هو أن تخلط بين نفوذها المشروع ومهمتها غير المشروعة في صناعة الإرادة المحلية. فمن حق المملكة أن تحمي أمنها القومي، وأن تدافع عن حدودها، وأن تبحث عن تسوية توقف الحرب، وأن تبني علاقات مع قوى اليمن والجنوب كافة؛ لكن ليس من مصلحة المملكة نفسها أن يتحول أمنها إلى ذريعة لإدارة تفاصيل مستقبل مجتمع في الجنوب فقط، لأن الأمن المستدام لا يصنعه إخضاع الشعوب، وإنما يصنعه وجود دول ومجتمعات مستقرة تعرف أن علاقاتها مع جيرانها تقوم على المصالح المتبادلة لا على التبعية.
وهنا تظهر مفارقة أخرى لا يمكن تجاهلها: إذا كانت الرياض تنظر إلى وجود الحوثيين على حدودها بوصفه ملفًا أمنيًّا بالغ الحساسية، فلماذا لا يُنظر إلى تطلعات الجنوبيين السياسية بالقدر نفسه من الجدية باعتبارها عنصرًا حاسمًا في صياغة أمن المنطقة؟ وإذا كان الاستقرار هو الهدف، فهل يمكن تحقيقه من خلال تجاهل إرادة مجتمع بأكمله؟ وهل يمكن بناء سلام مستدام في اليمن والجنوب من دون معالجة جذور قضية شعب الجنوب بدل تدويرها بين المؤتمرات والحوارات؟
وبهذا فالواقع أن السلام الذي لا يعالج أصل المشكلة لا يكون سلامًا، بل هدنةً مؤجلة الانفجار، والأكثر خطورة أن استمرار التعامل مع الجنوب بوصفه مجرد ملف تابع لأزمة اليمن قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا لما تريده الرياض. فكلما شعر الجنوبيون بأن العالم يتحدث عنهم ولا يتحدث إليهم، وأن القوى الإقليمية والدولية تختار ممثليهم بدلًا منهم، وأن معاناتهم الاقتصادية تستخدم للضغط على إرادتهم السياسية، ازداد شعورهم بأن قضيتهم السياسية ليست خلافًا سياسيًّا فحسب، بل صراعًا على حقهم في امتلاك قرارهم.
وهنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة، فالجنوبيون لا يرفضون الحوار، وإنما يرفضون أن يكون الحوار وسيلةً لإلغاء إرادتهم. لا يرفضون الشراكة، وإنما يرفضون أن تتحول الشراكة إلى وصاية. لا يرفضون العلاقة مع الرياض، وإنما يرفضون أن تتحول العلاقة إلى حق حصري في تعريف مستقبلهم.
فما هي الوصاية إذن؟
الوصاية هي أن تقول لشعب الجنوب أعرف مصلحتك أكثر منك وهي أن تمنحه حق الكلام وتسلبه حق القرار، وهي أن تدعوه إلى الحوار بعد أن تكون قد حددت مسبقًا من يحق له أن يتحدث باسمه، وهي أن تعترف بانقسام خصومك وتتعامل معهم كأطراف متعددة، ثم تبحث عن الانقسام داخل مجتمع آخر حتى عندما تكون هناك قواسم سياسية واسعة تجمع غالبية أبنائه وهي أن تستخدم نفوذك الاقتصادي والسياسي لإدارة حياة الناس، ثم تستغرب غضبهم عندما يشعرون بأن حياتهم أصبحت جزءًا من أدوات الضغط السياسي.
أما الحل الحقيقي، فلا يحتاج إلى مصانع سياسية تنتج مكونات جديدة كلما تعقدت الأزمة؛ بل يحتاج إلى الاعتراف بالواقع كما هو، لا كما تريد العواصم أن يكون، ويحتاج إلى حوار جنوبي حقيقي يقرر الجنوبيون أطرافه وأجندته ونتائجه داخل أرضهم لا خارجها، وإلى معالجة سياسية لجذور القضية، وإلى ضمانات إقليمية ودولية تحول دون فرض الوصاية، وإلى ترتيبات تحفظ مصالح الجوار من دون أن تصادر حق الشعوب في تقرير مستقبلها.
فالرياض تستطيع أن تكون جزءًا من الحل إذا انتقلت من موقع الوصي إلى موقع الشريك، ومن منطق إدارة الجنوب إلى منطق التعامل مع الجنوب، ومن محاولة صناعة التمثيل إلى احترام التمثيل الذي يختاره الناس. أما الاستمرار في هندسة المشهد السياسي من الخارج، فلن ينتج سلامًا مستدامًا، بل سيؤسس لمرحلة جديدة من فقدان الثقة.
لقد علّمت الحروب المنطقة كلها درسًا قاسيًا من أن القوة تستطيع أن تؤجل التاريخ، لكنها لا تستطيع أن تلغيه؛ والمال يستطيع أن يشتري المواقف، لكنه لا يستطيع أن يشتري ذاكرة الشعوب؛ والوصاية تستطيع أن تصنع ترتيبات مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تصنع شرعية دائمة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الرياض على نفسها قبل أن تطرحه على خصومها هو: هل تريد يمنًا زجنوبًا مستقرّين لأنها عالجت جذور أزماتهما، أم يمنًا وجنوبًا مصطربين لأن أصوات أزماتهما أُسكتت مؤقتًا وتأتي عملية الانفجار؟
فبين الهدوء والسلام مسافة شاسعة، وبين إدارة القضية وحلها مسافة أكبر، وبين الشراكة والوصاية مسافة لا يمكن لشعب الجنوب أن يخطئ في رؤيتها. وإذا أرادت الرياض أن تكون دولةً راعيةً للسلام، فإن الطريق يبدأ من الاعتراف بأن السلام لا يُفرض على الشعبوفي الجنوب، والتمثيل لا يُمنح من الخارج، والشرعية لا تُصنع في غرف الفنادق، والقضايا الوطنية لا تُختزل في ترتيبات إقليمية عابرة.
أما الجنوب، فليس فراغًا سياسيًّا حتى يُملأ، ولا مجتمعًا بلا ذاكرة حتى تُكتب ذاكرته من جديد، ولا شعبًا بلا إرادة حتى يُختار له من يتحدث باسمه، بل هو شعب له قضية سياسية كما يراها، وتاريخ كما عاشه، وتضحيات كما دفع ثمنها، وإرادة سياسية لن تصبح أقل حضورًا لمجرد أن بعض القوى الإقليمية قررت أن تتعامل معها بوصفها عقبةً أمام تسوية تريدها.
ومن هنا يبدأ الحل الحقيقي: أن تتوقف الوصاية، لا أن تتغير أدواتها؛ وأن يُسمع صوت أصحاب القضية، لا أن تُصنع أصوات بديلة لهم؛ وأن يكون الحوار طريقًا إلى الحل، لا وسيلةً لإعادة إنتاج الأزمة.