اخبار وتقارير

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 08:50 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / بقلم د. أمين العلياني

لم يكن أبرزُ ما ورد في حديث سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، باتريك سيمونيه، حول قضية شعب الجنوب هو ما صرّح به بشكلٍ مباشر، بل ما حملته عباراتُه من دلالاتٍ سياسية تتجاوز الصياغة الدبلوماسية؛ فالدبلوماسية غالبًا لا تُغلق الملفات، بل تتركها مفتوحةً بانتظار توازناتٍ جديدة.
وفي هذا السياق، لم يُعلن السفير عن أي اعترافٍ باستقلال الجنوب، ولم يطرأ أي تغيير على الموقف الدولي من وحدة اليمن التي باتت غير مجدية حتى على مستوى الحديث عن اسمهاةفب الاورقة الدولية والإقليمية، غير أن الخطاب الأوروبي الذي يتعامل اليوم مع قضية شعب الجنوب لم يتعامل معها بوصفها مظالمَ فحسب، بل وصفها بأنها قضيةٌ سياسية مهمة ومعقدة، مع التأكيد على ضرورة تمثيل الجنوبيين في أي تسويةٍ ينبغي أن تراعي إرادة الشعب، ولكي تحقق تلك المراعاةُ استقرارًا يجب أن تتوفر في تلك الحلول المطروحة بإنصاف قضية الجنوب بوصفها قضية سياسية وليس ذات أبعاد تاريخية واجتماعية لتكون تلك الحلول في صالح المنطقة.

ومن هنا؛ فانتقالُ قضية شعب الجنوب من فكرة المظالم التي ما زالت قوى اليمن تنظر إليها – وآخرُها ما قاله العليمي في المؤتمر الصحفي مؤخرًا – إلى قضيةٍ سياسية يعني أن التطور في الخطاب الأوروبي بات ينظر إلى قضية شعب الجنوب بوصفها جزءًا من معادلةٍ لا تُحل بإجراءاتٍ إدارية أو حلولٍ شكلية أو النظر إليها على أنها مظالم وتقاسم مناصب، بل بترتيبٍ سياسي شامل يأخذ في الاعتبار الواقعَ على الأرض واحترامَ إرادة الشعب والقوى الفاعلة على الأرض.
وعلى هذا الأساس، فإن الجنوب بحاجة إلى بناء واقعٍ سياسي ومؤسسي يجعل حضورَه أمرًا لا يمكن تجاوزُه، وعندها يتحول الواقع إلى قوة، والقوة إلى نفوذ، والنفوذ إلى موقعٍ في القرار.
ويُجسّد ذلك المطلب ما سعى إلى ترسيخه المجلسُ الانتقالي الجنوبي من بناء مؤسساتٍ سياسية واضحة تمثلت في رئاسة المجلس والأمانة العامة والجمعية الوطنية ومجلس المستشارين، بما شكّل بنيةً تنظيمية هدفت إلى تحويل التمثيل السياسي للقضية الجنوبية من حالة تشتُّتٍ إلى إطارٍ مؤسسي منظم. كما عمل المجلس على تشكيل قواتٍ مسلحة وأمنية كان هدفُها المعلن حمايةَ المكتسبات السياسية، وتأمينَ الموانئ والممرات المائية والسواحل وخطوط الطاقة، وحمايةَ موقع الجنوب الاستراتيجي في خليج عدن وبحر العرب وباب المندب، إلى جانب الإسهام في محاربة الإرهاب والتطرف والتهريب والاتجار غير المشروع، وهو ما منح هذا المجلس الانتقالي بُعدًا أمنيًا مرتبطًا بالاستقرار الإقليمي والدولي.
وعلى الصعيد السياسي، سعى المجلس الانتقالي إلى توحيد الجبهة الداخلية عبر صهر المكونات الجنوبية المؤمنة بمشروع استعادة الدولة في إطار ميثاق شرفٍ، اندمجت فيه مكوناتٌ متعددة تجاوزت ثمانيةً وثلاثين مكونًا، لتلتقي تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تشكّل بتفويضٍ شعبي واسع، واختير عبره رئيسًا له تمثل في الرئيسُ عيدروس الزبيدي، بوصفه ممثلًا لقضية شعب الجنوب السياسية في هذا السياق.
ومع ذلك، فإن هذا التراكم السياسي والمؤسسي يواجه تحدياتٍ لا يمكن تجاهلُها؛ إذ سعت وما زالت تسعى قوى إقليمية ذات تأثيرٍ على مواقف دولية إلى إعادة صياغة المشهد بطريقةٍ تتجاهل هذا الإجماعَ الجنوبي، أو تعمل على تفكيكه، عبر محاولة نقل قضية شعب الجنوب من كونها قضيةً سياسية ذات تمثيلٍ واضح إلى مجرد قضيةٍ تاريخية ذات أبعادٍ اجتماعية تُختزل في إطار المظلومية، بما يجعلها أقلَّ حضورًا في معادلات الحل السياسي، وأكثرَ قابليةً للتطويع ضمن تصورات القوى اليمنية التي لا تنظر إلى الجنوب طرفًا سياسيًا مستقلًا في معادلة الأزمة.
ولذلك لم يعد السؤال: هل يعترف العالم بالجنوب؟ بل: هل يمكن صياغة مستقبل اليمن من دون الجنوب؟ فالاعتراف بالدولة شيء، والاعتراف بالوزن السياسي شيءٌ آخر. ومن هنا، فقد لا يُمنح الجنوب اعترافًا رسميًا اليوم، لكن تجاهلَه لم يعد ممكنًا في أي تسويةٍ قادمة. والمجتمع الدولي لا يمنح الاعتراف بسهولة، لكنه أيضًا لا يستطيع تجاهلَ الوقائع المستقرة طويلًا.
ولما كانت السياسة الدولية تقوم على إدارة المصالح لا على الأمنيات، فإن القوى الجنوبية حين شكلت وقائعَ سياسية وأمنية مؤثرة، يصبح لها وزنٌ لا يمكن تجاوزُه.
ومن هنا يكتسب الجنوب أهميةً متزايدة، ليس فقط كجغرافيا، بل كموقعٍ استراتيجي حسّاس على باب المندب وخطوط الملاحة الدولية، ما يجعل استقرارَه جزءًا من الأمن الإقليمي والدولي.
ولهذا، فإن عبارة السفير الأوروبي حول ضرورة أن يحدد اليمنيون شكلَ معالجة قضية شعب الجنوب تعني أن الحل لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن يشارك فيه أصحابُ القضية أنفسُهم وبإرادة الشعب المعبَّر عنها والمؤمنِ بعدالتها والمتيقنِ بانتصارها.
لكن تظل إشكاليةُ التمثيل قائمة؛ فالتعدد الجنوبي حقيقةٌ، غير أن ما تحاول الرياض اليوم استخدامَه لإلغاء قضية الجنوب أو احتكارِه في فئاتٍ مجتمعية عبر مجالس تنسيقية تتجاوز إرادةَ الشعب خطأٌ سياسي؛ فالتعددُ المائع برغباتٍ مختلفة لا يخدم القضية، ولا تنتصر القضيةُ بتعددٍ مختلف عن الهدف الواحد.
والمرحلة المقبلة لن تكتفي بسماع صوت الجنوب، بل ستسأل: من يمثله؟ وما مشروعه؟ وكيف يمكن تحويله إلى دولةٍ ومؤسسات؟
ولهذا، فإن زمنَ الخطاب وحده يقترب من نهايته؛ فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات والقدرة على الحكم.
وهنا يظهر السؤال الحاسم: هل ينتظر الجنوبُ الاعترافَ، أم يصنع وزنًا يفرض الاعتراف؟ فالفرق كبير بين انتظار الاعتراف وصناعتِه عبر القوة السياسية والمؤسسية التي كان المجلس الانتقالي قد أنجزها على الصعيدين الأمني والسياسي.
ولما كان العالم لا يعترف إلا بمن يملك القدرةَ على إدارة واقعه وتقديمِ مشروعٍ قابل للتطبيق، فقد كان ما أنجزه المجلس الانتقالي على الصعد المؤسسية والأمنية والسياسية هو ما يشكل خطرًا على مصالح رعاة الحرب التي تسعى إلى فرض التسوية لصالح قوى اليمن، وإن كانت على حساب عدالة قضية شعب الجنوب السياسية.
لذلك، لا ينبغي قراءةُ التصريحات الأوروبية اعترافًا، بل إشارةً إلى أن قضية شعب الجنوب أصبحت جزءًا لا يمكن تجاهلُه في أي تسويةٍ قادمة.
ومن هنا، فإن السؤال المشروع قد تغير: من احتواء الجنوب إلى كيفية بناء تسويةٍ لا يمكن أن تنجح من دونه، وهذا تحولٌ مهم في التفكير الدولي. والاعتراف لا يأتي دائمًا في وقته، بل عندما يصبح تجاهلُ الواقع أكثرَ كلفةً من التعامل معه.
أما الاعتراف، فمجرد نتيجةٍ لاحقة؛ لأن السياسة لا تكافئ من يرفع صوتَه، بل من يفرض وجودَه وقد لا يعترف العالم اليوم، لكنه سيحسب حسابَه غدًا.
والمعركة اليوم أمام الجنوب ليست في كلمة اعتراف، بل في بناء قوةٍ تجعل العالم مضطرًا للتعامل معه، وعندما يصبح تجاهله مستحيلًا، يصبح الاعترافُ نتيجةً طبيعية.
وتلك هي الرسالة الأعمق: لم يُحسم مستقبل الجنوب بعد، لكنه لم يعد قابلًا للتجاهل في أي تسويةٍ قادمة، ما دامت هناك قوى جنوبية حية تمثلها إرادةٌ شعبية عارمة، تمثلها مؤسسةٌ سياسية وأمنية يديرها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بإرادةٍ تفويضية منقطعة النظير.