السبت - 15 أغسطس 2026 - الساعة 09:37 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ منير النقيب
تثير التحركات السعودية تجاه تطلعات شعب الجنوب وقواته المسلحة والأجهزة الأمنية في الجنوب العربي جملة من التساؤلات بشأن أهدافها وتداعياتها على مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة، في ظل محاولات إعادة هيكلة أو تفكيك التشكيلات العسكرية والأمنية الجنوبية، بما يفضي إلى إضعاف قدرتها على مواجهة التهديدات، وفي مقدمتها ميليشيا الحوثي الإرهابية.
ويُنظر مراقبون إلى هذه السياسات باعتبارها مسارًا بالغ الخطورة، خصوصًا أن القوات المسلحة الجنوبية كانت خلال السنوات الماضية في مقدمة القوى التي واجهت تمدد ميليشيا الحوثي الإرهابية، وقدمت في سبيل ذلك أعدادًا كبيرة من الشهداء والجرحى، وخاضت معارك متواصلة للدفاع عن الجنوب وتأمين مناطقه والتصدي للمشروع الحوثي.
*القوات الجنوبية.. سجل طويل في مواجهة الحوثيين
منذ تصاعد خطر ميليشيا الحوثي الإرهابية، برهنت القوات المسلحة الجنوبية على حضورها في خطوط المواجهة، وتمكنت من تحقيق انتصارات ميدانية مهمة في عدد من الجبهات، مستندة إلى خبرة قتالية متراكمة وتضحيات كبيرة قدمها منتسبوها.
كما ظل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، يؤكد على أهمية بناء قوات جنوبية قادرة على حماية الأرض ومواجهة التنظيمات والجماعات المسلحة التي تهدد أمن الجنوب والمنطقة.
وحسب متابعون إن إضعاف القوات الجنوبية أو إعادة تشكيلها بطريقة تنتقص من قدرتها العملياتية لا يمثل مجرد تغيير في البنية العسكرية، بل يُنظر إليه باعتباره تراجعًا عن واحدة من أهم أدوات مواجهة ميليشيا الحوثي الإرهابية والتنظيمات المتطرفة.
*الضربات السعودية وانعكاساتها
ويعتبر الشارع الجنوبي السياسات السعودية تمثل تحولًا خطيرًا في التعامل مع القوات الجنوبية، خصوصًا بعد الضربات السعودية التي استهدفت القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة، معتبرا أن توجيه القوة ضد تشكيلات جنوبية كانت تخوض مواجهة مع خصوم مسلحين يفتح المجال أمام إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين.
ويرى سياسيون بأن هذه الإجراءات لا تخدم الأمن والاستقرار، بل يمكن أن تؤدي إلى فراغ أمني وعسكري تستفيد منه ميليشيا الحوثي الإرهابية، التي لطالما استفادت من الانقسامات الداخلية وتعدد مراكز القوى لإعادة ترتيب صفوفها وتوسيع نفوذها.
وتؤكد الأحداث أن الخذلان السعودي للقوات الجنوبية أسهم في إرسال رسالة خاطئة إلى ميليشيا الحوثي، مفادها أن القوى التي تواجهها ليست محصنة من الضغوط أو الاستهداف السياسي والعسكري، الأمر الذي قد يشجعها على رفع سقف تحركاتها.
*تفاهمات مغلقة.. وتساؤلات بلا إجابات
وتشير المعلومات عن توجهات سرية تتعلق بطبيعة التفاهمات السعودية الحوثية ومساراتها، وتتصاعد التساؤلات بشأن ما إذا كانت بعض التحركات السياسية والعسكرية في المنطقة تأتي ضمن تفاهمات غير معلنة بين الرياض وميليشيا الحوثي.
ويطرح هذا السياق سؤالًا جوهريًا: هل تؤدي محاولات إعادة ترتيب المشهد العسكري في الجنوب إلى إضعاف القوى المناهضة للحوثيين، في الوقت الذي تستمر فيه الميليشيا في الاحتفاظ بقدراتها العسكرية والصاروخية والطائرات المسيّرة؟
وإذا كانت الأولوية المعلنة هي حماية أمن المنطقة والممرات البحرية والمنشآت الحيوية، فإن المنطق العسكري يفرض دعم القوى الأكثر قدرة على مواجهة مصادر التهديد، وليس إضعافها أو تفكيكها.
*مصلحة الحوثي من حالة الانقسام
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه ميليشيا الحوثي الإرهابية تطوير أدواتها الهجومية وتوسيع نطاق تهديداتها، بما في ذلك استهداف الملاحة الدولية والمنشآت والمصالح الحيوية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن استمرار إضعاف القوى الجنوبية، بالتزامن مع احتفاظ الحوثيين بقدراتهم العسكرية، يخلق اختلالًا في ميزان القوة ويمنح الميليشيا فرصة أكبر للمناورة والتصعيد.
كما أن أي تراجع في جاهزية القوات الجنوبية قد ينعكس بصورة مباشرة على جبهات الجنوب والمناطق المحاذية لمناطق سيطرة الحوثيين، ويتيح للميليشيا إعادة توزيع قواتها ومواردها العسكرية باتجاه جبهات أخرى.
*من الجنوب إلى العمق السعودي
وتشير التطورات الأمنية الأخيرة إلى أن تهديد ميليشيا الحوثي لم يعد محصورًا في نطاق جغرافي ضيق، بل بات يمتد إلى الممرات البحرية والمنشآت والمصالح الحيوية في المنطقة.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن السماح بإضعاف القوات المسلحة الجنوبية، التي تمثل أحد الأطراف الأكثر صدامًا مع المشروع الحوثي، قد يؤدي بصورة غير مباشرة إلى توسيع هامش الحركة أمام الميليشيا، سواء في جبهات مأرب والمخا أو باتجاه أهداف ومنشآت داخل العمق السعودي.
وبحسب هذا التصور، فإن الضغط على القوات الجنوبية لا يؤدي إلى إنهاء التهديد الحوثي، وإنما قد ينقل مركز الخطر من جبهة إلى أخرى، ويمنح الحوثيين فرصة لاستثمار الانقسامات والصراعات السياسية والعسكرية.
*مراجعة السياسات السعودية
أمام هذه المتغيرات، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة السياسات السعودية العسكرية والأمنية تجاه الجنوب، وإعادة تقييم تداعيات إجراءات إعادة الهيكلة أو التفكيك التي تطال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الجنوبية.
والأمن الإقليمي، لا يمكن أن يتحقق عبر إضعاف القوى التي تواجه التهديدات على الأرض، وإنما من خلال بناء شراكات أمنية واضحة، وتعزيز قدرات القوات القادرة فعليًا على حماية مناطقها ومواجهة الجماعات المسلحة.
ومن هنا تبرز أهمية دعم قدرات القوات المسلحة الجنوبية، ورفع جاهزيتها، وتطوير منظومتها الأمنية والعسكرية، بما يمكنها من أداء دورها في حماية الجنوب ومكافحة الإرهاب والتصدي لأي تهديدات عسكرية قادمة من مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.
*مسؤولية سياسية وأمنية
كما ان استمرار السياسات التي تضعف القوات الجنوبية قد تكون لها نتائج عكسية على الأمن الإقليمي، وأن السعودية تتحمل مسؤولية سياسية وأمنية عن تبعات أي مسار يؤدي إلى إضعاف القوى المناهضة للحوثيين.
فبدلًا من تفكيك القوات المسلحة والأمن الجنوبية أو إضعافها، تقتضي مواجهة التهديدات المتصاعدة، في الحفاظ على تماسكها وتعزيز قدراتها وتوفير الدعم اللازم لها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المعارك القائمة، بل في إعادة تشكيل موازين القوة بطريقة تمنح ميليشيا الحوثي الإرهابية مساحة أوسع للمناورة والتصعيد.
ولذلك فإن أي سياسة أمنية جادة يفترض أن تنطلق من أولوية مواجهة مصادر التهديد، لا من إضعاف القوى التي تقف في مواجهتها.
وفي ظل استمرار التوترات والتصعيد، يبقى السؤال الأهم مطروحًا: هل ستعيد السعودية النظر في سياساتها تجاه القوات المسلحة الجنوبية، أم ستستمر في مسار قد يؤدي إلى إضعاف الجبهة الجنوبية، بما يمنح ميليشيا الحوثي الإرهابية فرصًا جديدة لتعزيز نفوذها وتهديد أمن الجنوب والمنطقة؟