اخبار وتقارير

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 10:50 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ د. أمين العلياني



في مكانٍ ما من اليمن والجنوب العربي، حين يشقُّ صاروخٌ بالستيٌّ السماء، أو تحلّق طائرةٌ مسيّرة فوق مدينةٍ يفترض أنها محررة، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: من أين أُطلق الصاروخ؟ ولا كم عدد الطائرات التي سترد؟ ولا كم بيانًا سيصدر بعد الغارة؛ بل ينبغي أن يكون السؤال الأكثر قسوةً وإيلامًا: كيف وصل الحوثي أصلًا إلى هذه اللحظة من القوة؟ وكيف استطاعت جماعةٌ حوثية صنفت متمردة ثم إرهابية خاضت ضدها دولٌ وتحالفاتٌ وحروبٌ وعملياتٌ عسكريةٌ واسعة أن تحتفظ بقدرتها على تهديد مناطق ومحافظات يفترض أنها تقع تحت مظلة حماية إقليمية؟ وكيف تحوّلت عاصفة الحزم المزعومة من مشروعٍ معلنٍ لإعادة الشرعية إلى صنعاء إلى حربٍ مفتوحةٍ بلا نهاية واضحة، ثم إلى تسوياتٍ ومساوماتٍ وصراعاتٍ داخل معسكر يفترض أنه معسكر مواجهة الحوثي؟
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، وهنا أيضًا ينبغي أن تتوقف المجاملات السياسية. فاليمن والجنوب العربي لم يعد يحتمل مزيدًا من اللغة الدبلوماسية التي تخفي الفشل خلف عباراتٍ منمقة، ولا مزيدًا من البيانات التي تتحدث عن الانتصارات بينما الواقع يطرح أسئلةً أكثر قسوةً من كل البيانات. فالرياض منذ دخلت الحرب في اليمن والجنوب العربي عام 2015م بتحالف تقوده باثني وعشرين دولة وهي تحمل عنوانًا كبيرًا: عاصفة الحزم، وكان هذا العنوان موحيًّا بحسمٍ سريع، وبقوةٍ إقليميةٍ قادرة على إعادة تشكيل ميزان القوى وإعادة الحكومة المعترف بها دوليًّا إلى صنعاء، وإنهاء الانقلاب الحوثي وحل قضية شعب الجنوب على وفق خيارات وتطلعات شعبه التي يمثلها المجلس الانتقالي وقيادته المفوضة شعبيًّا؛ لكن السنوات مضت، وصنعاء لم تعد، والحوثي لم يسقط، والحرب لم تنتهِ، والشرعية التي قيل إن الحرب جاءت لإعادتها لم تتحول إلى دولةٍ قادرة على فرض سلطتها حتى في محافظات الجنوب التي خرجت من قبضة الحوثيين بل صارت تلك الشرعية الهاربة عبئًا ثقيلًا على موارد الجنوب وفسادًا أخل بمعيشة شعبه وأحواله الاقتصادية. وهنا لا بد من قول الحقيقة التي يخشى كثيرون الاقتراب منها: فالمشكلة هنا لم تكن في القوة العسكرية السعودية وحدها، وإنما في الاستراتيجية السياسية التي أُديرت بها هذه القوة؛ فالحروب لا تُحسم بالطائرات وحدها، والدول لا تُبنى بالغارات، والشرعية لا تُستعاد بالشعارات، والأوطان لا تُحمى بمركز قرار يسكن ويعيش خارج الجغرافيا وتحت وصاية وإملاءات للوصي.
لقد كانت المأساة أن عاصفة الحزم، بدل أن تتحول إلى مشروعٍ متكاملٍ لتحرير اليمن والجنوب العربي وإنصاف قضية شعب الجنوب وفق تطلعات وخيارات الشعب ذاته وإعادة بناء دولة أو دولتين متعايشتين، انجرفت تدريجيًّا في متاهة المصالح المتضاربة، حتى أصبح جزءٌ من المعركة تعمل عليه قوى الشمال داخل ملعب الجنوب المناهض للحوثي نفسه.
وفي الجنوب تحديدًا، كانت الصورة أكثر وضوحًا وأشدَّ مرارةً وهي أن هناك حيث قاتل أبناء الجنوب على الأرض، وسقطوا بالعشرات والمئات والآلاف، وتقدمت قواتٌ جنوبية في جبهاتٍ ومناطق متعددة، بينما كان الدعم الإماراتي العربي حاضرًا بصورةٍ فاعلةٍ في عمليات التحرير وبناء القوات الجنوبية ومكافحة التنظيمات المتطرفة وتأمين عدد من المناطق حتى في اليمن (كما في الحديدة وتعز وأطراف من الضالع وشبوة ومأرب)؛ لكن المفارقة أن القوى التي ساهمت في تحرير الأرض لم تكن دائمًا هي ذاتها التي مُنحت حق تقرير مستقبلها وحاضرة في تسوية تحاول الرياض أن تلتف عليها لصالح قوى إخوانية إرهابية وفاسدة وكانت سببًا في فشل مشروع الشرعية الهاربة في فنادق بعض الدول.
وهنا بدأت لعبةٌ سياسيةٌ خطرة؛ حيث قوى تُدعَم، ثم تُحاصر، وقوى تُستخدم في المعركة، ثم يُراد تحجيمها في السياسة وتستبعد من الاستحقاقات، وقياداتٌ يُستعان بها حين تكون البنادق في حاجةٍ إليها، ثم يصبح وجودها عبئًا عندما تقترب ساعة التسوية. وهذه هي الحقيقة الواقعة على الجنوب وقواته وقيادته.
ومن هنا فالجنوب، وجد نفسه مرةً أخرى أمام السؤال القديم الجديد: هل يُراد له أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل، أم مجرد جغرافيا محررة تُستخدم كرقعةٍ على طاولة التفاوض؟ وهذا هو الجرح الذي لم يلتئم. وهنا من الخطأ الاستراتيجي الاعتقاد بأن الجنوب يمكن التعامل معه بوصفه مساحةً جغرافيةً فقط، أو أن القوى التي تشكلت فيه خلال سنوات الحرب يمكن إزاحتها بقرارٍ سياسي من خارج حدوده. ومنوها فليعلم كل من بأذنه صمم أن اليمن قد تغيّر، وتغيّر الجنوب العربي، وتغيّرت موازين القوة؛ لكن بعض غرف السياسة ما زالت تتعامل مع اليمن والجنوب العربي وكأنه لم يتغير منذ عام 2015م، وهنا تكمن الكارثة.
فبدل أن يجري بناء تحالفٍ متينٍ بين القوى التي تقاتل الحوثي فعلًا، بدأت صراعات نفوذ الشرعية اليمنية الشمالية داخل محافظات الجنوب المحررة لكي تستهلك طاقة الجنوب العربي المناهض للحوثيين، وجعلت كل قوى الشمال اليمني معركتها جنوبًا على حساب تحرير الشمال، بينما كان الحوثي يزداد تنظيمًا وقدرةً على استثمار كل خلافٍ بين خصومه.
وما قيمة أن تعلن التحرير إذا كان المواطن في مدينة عدن المحررة لا يشعر أن وراءه قوات تحميه، ومؤسسةً تنتمي له لتصونه، وقوةً تردع من يهدده؟ لأن التحرير ليس لحظةً عسكرية؛ فالتحرير مسؤوليةٌ سياسية وأمنية واقتصادية تمتد إلى اليوم التالي للمعركة. وهذه هي النقطة التي أخفقت فيها منظومة الحرب في اليمن والجنوب مرارًا.
فقد جرى التركيز على إسقاط الخصم عسكريًّا، بينما لم يُبنَ بالقدر نفسه مشروعٌ متماسكٌ لإدارة محافظات الجنوب المحررة، وتوحيد مؤسساتها وفق مصالح أهل الجنوب، ليكونوا حماة قرارها، وتحصينها من الصراع الداخلي وحماية استحقاقاتها من أي التفاف يكنه خصومهم اليمنيين داخل ملعب الشرعية.
ومن هنا فإن السؤال عن قدرة السعودية على حماية محافظات الجنوب العربي المحررة ليس سؤالًا عن قوة الجيش السعودي، ولا عن عدد الطائرات، ولا عن حجم الترسانة العسكرية؛ فهذه مسائل لا تحتاج إلى برهان، بل السؤال هو: هل تمتلك الرياض استراتيجيةً سياسيةً وأمنيةً قابلةً للحياة؟ وهل تستطيع أن تحمي الجنوب العربي وهي تستبعد أو تضعف قواته وتفكك نسيج مجتمعه وتشجع عملية التمرد داخل محافظاته التي تمسك بجزءٍ أساسيٍّ من أرضه وأمنه؟
وهل يمكن أن تتخلى عن نزعة الهيمنة على حضرموت دون تفاهمٍ حقيقيٍّ مع القوى الجنوبية الفاعلة والتي كانت صانعة التحرير على مليشيات الحوثي في عدن ولحج وأبين وشبوة والضالع وباب المندب؟ وهل يمكن حماية حضرموت والمهرة وشبوة وأبين ولحج وعدن والضالع وسائر المناطق الجنوبية المحررة بإدارةٍ مركزيةٍ لا تنطلق من تعقيدات الواقع المحلي؟ وهل يمكن مواجهة الحوثي في الوقت الذي تستمر فيه معركةٌ موازيةٌ ضد قوى الجنوب الفاعلة والمؤثرة ومحاولة اقصاءها والاستمرار في شيطنتها؟ وهذه ليست أسئلةً استفزازية، بل هي أسئلة الأمن نفسه. وإذا كانت الرياض تريد مواجهة الحوثي، فإن أول قاعدة في مواجهة الحوثي هي ألا تمنحه خصمًا إضافيًّا داخل معسكر خصومه في الجنوب العربي.
وإذا كانت تريد حماية محافظات الجنوب العربي المحررة، فإن أول خطوة ليست إقصاء القوى المحلية، وإنما بناء شراكةٍ حقيقيةٍ معها. وإذا كانت تريد تسويةً سياسيةً ناجحة، فعليها أن تدرك أن التسوية التي تُقصي طرفًا يملك قوةً على الأرض لن تكون تسويةً، وإنما هدنةً مؤقتةً بين أسباب الانفجار.
أما الأخطر من ذلك كله، فهو أن تتحول محافظات الجنوب العربي المحررة إلى شهيةٍ مفتوحةٍ في طبخة التسوية؛ تُعاد فيها هندسة النفوذ، وتُوزع المناصب، وتُرسم الخرائط السياسية بعيدًا عن إرادة أصحاب الأرض، ثم يُطلب من الجنوب العربي وقواته وقياداته أن يدفع ثمن الصفقة من دمه ومستقبله.
وهنا يجب أن يكون الكلام صريحًا:
الجنوب ليس غنيمةً سياسية، وليس مكافأةً تُمنح لهذا الطرف أو ذاك، وليس ورقةً قابلةً للمساومة إلى ما لا نهاية. ومن يعتقد أن بإمكانه إقصاء قوى الجنوب العربي التي يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وبقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي ثم مطالبتها بحماية مشروعٍ سياسي لا يمثلها، إنما يكرر الخطأ نفسه الذي سمح للحوثي بأن يصبح لاعبًا مركزيًّا في اليمن وعلى حساب أرض الجنوب العربي.
إن إضعاف الحلفاء الجنوبيين في الجنوب العربي ليس انتصارًا، بل هو انتحارٌ استراتيجي، كما أن إخراج الداعم الإقليمي الإماراتي الذي شارك في عمليات التحرير من المشهد، من دون بناء بديلٍ أمني وسياسي قادرٍ على سد الفراغ، ليس إعادة ترتيبٍ للتحالفات فحسب؛ بل مخاطرةٌ قد يدفع ثمنها الجميع.
لقد أثبتت التجربة أن القوة الخارجية مهما بلغت لا تستطيع أن تحكم الجغرافيا إلى الأبد، وأن الطائرات لا تستطيع أن تحل محل القوات المحلية، وأن الخرائط السياسية التي تُرسم بعيدًا عن الواقع سرعان ما تصطدم بالواقع.
ولذلك فإن السعودية أمام اختبارٍ تاريخي، وليس أمام معركةٍ عسكريةٍ عابرة. وهي إما أن تعيد تعريف علاقتها بمحافظات الجنوب العربي المحررة على أساس الشراكة لا الوصاية، والتكامل لا الإقصاء، والواقعية لا الأمنيات، وإما أن تستمر في إدارة الأزمة بالأساليب القديمة، فتظل الحرب تدور في الحلقة نفسها: الحوثي يضرب، التحالف يرد، الشرعية تتنازع، القوى المحلية تتصارع، والجنوب العربي يدفع الثمن. وهنا لا بد من التوقف عند سؤالٍ أشدَّ مرارة:
إذا كانت الرياض لم تستطع إعادة الشرعية إلى صنعاء خلال أكثر من عقد، فهل تستطيع أن تضمن بقاء المحافظات الجنوبية المحررة آمنةً وهي تعيد إنتاج الأدوات السياسية والعسكرية الشمالية اليمنية التي أثبتت التجربة قصورها؟
إن الإجابة لن تكون في الخطابات، ولا في المؤتمرات، ولا في البيانات، ولا في المزيد من الوعود، بل الإجابة ستكون في الميدان وهي التي ستكتبها الصواريخ حين تسقط، وستكتبها الطائرات حين تقلع، وسيكتبها المواطن في الجنوب حين يسأل: من يحميني؟ ومن يجعل استحقاقاتي واضحة قبل أي مغامرة بي في معركة خارج حدودي؟ وستكتبها المدن حين تعرف هل هي محررةٌ حقًّا أم أنها تنتظر جولةً جديدةً من الحرب.
لقد آن الأوان لأن تتوقف السياسة السعودية عن النظر إلى الجنوب بوصفه ورقةً في الملف اليمني، وأن تبدأ النظر إليه بوصفه جزءًا أساسيًّا من معادلة الأمن الإقليمي؛ فالجنوب الذي قاتل الحوثي لا يمكن أن يُكافأ بالإقصاء، والقوة التي حررت الأرض لا يمكن أن تُعامل كخطرٍ يجب تحجيمه، والشريك الذي حمل العبء العسكري لا يجوز أن يتحول بعد انتهاء المعركة إلى متهمٍ على طاولة التسوية.
ومن أراد أن يحمي الجنوب العربي، فعليه أن يحترم إرادة الجنوب وتطلعات شعبه وتفويض من يشاء من قيادته، ومن أراد أن يحمي محافظات الجنوب العربي المحررة، فعليه أن يحمي تماسك القوى التي حررتها. ومن أراد أن يهزم الحوثي، فعليه أن ينتصر لقضية شعب الجنوب قبل الخوض في المعركة اليمن الكبرى.
فالحوثي لا يحتاج دائمًا إلى أن ينتصر عسكريًّا؛ يكفيه أن يرى خصومه يهزمون أنفسهم سياسيًّا.
وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بلا مواربة:
لم تعد المعركة في اليمن والجنوب العربي معركة صاروخٍ مقابل صاروخ، ولا طائرةٍ مقابل طائرة؛ إنها معركة استراتيجيةٍ مقابل استراتيجية، وإرادةٍ مقابل إرادة، ومشروعٍ مقابل مشروع.
والسؤال الذي سيحكم المرحلة القادمة ليس: من يملك الطائرة الأقوى؟
بل: من يملك الرؤية الأقدر على حماية الأرض بعد انتهاء الطائرات من التحليق؟
فإذا أرادت السعودية أن تثبت أن عاصفة الحزم لم تكن مجرد عاصفةٍ عسكريةٍ انتهت إلى حربٍ مفتوحة، فعليها أن تقدم اليوم ما هو أكبر من القوة: مشروعًا سياسيًّا جديدًا، وشراكةً حقيقيةً مع قوى الجنوب العربي المؤمنة بجغرافيتها وهويتها الجنوبية وليس مع القوى الباحثة عن سلطة وهي منخرطة في أحزاب المحتل اليمني؛ لتشكل منظومةً أمنيةً متماسكةً، ورؤيةً واضحةً لمستقبل احافظات الجنوب العربي المحررة.
أما الاستمرار في السياسات ذاتها، ثم انتظار نتائج مختلفة، فليس استراتيجيةً، بل هو مجرد إصرارٍ على الخطأ. وفي السياسة، قد تستطيع الدولة أن تخسر معركةً وتبقى قوية، وقد تخسر جولةً وتستعيد زمام المبادرة؛ لكن الدولة التي تخسر الرؤية تصبح أسيرةً للأحداث، مهما كانت قوتها العسكرية. وهذا تحديدًا هو السؤال الذي تضعه الجنوب العربي اليوم أمام الرياض: فهل ستعيد السعودية صياغة معادلتها قبل أن يعيد الحوثي صياغة خريطة محافظات الجنوب العربي المحررة؟ لأن المعركة بعد هذه الأعوام من الحرب لم تعد على أبواب صنعاء وحدها، بل صارت المعركة الآن على معنى التحرير نفسه، وعلى من يملك الأرض، وعلى من يملك القرار، وعلى من يملك حق رسم المستقبل.
وإذا لم تُجب الرياض عن هذه الأسئلة بوضوح، فإن التاريخ قد لا يتذكر عاصفة الحزم بوصفها العملية التي أعادت الشرعية إلى صنعاء، بل بوصفها العاصفة التي بدأت بهدفٍ واضح، ثم تاهت في رمال السياسة، حتى انتهت المنطقة كلها إلى السؤال الأكثر قسوةً: مَن الذي كان يحمي مَن؟ ومن الذي قاتل مَن؟ ومن الذي خرج من الحرب منتصرًا، ومن خرج منها يحمل راية النصر بينما يبحث عن أرضٍ آمنةٍ يقف عليها؟ وتلك هي المعضلة، وتلك هي الحقيقة التي لم تعد تحتمل التأجيل.