الخميس - 09 أبريل 2026 - الساعة 09:02 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
يقف الجنوب اليوم امام مفترق طرق تاريخي تتقاذفه امواج المؤامرات الدولية والاقليمية التي تجاوزت في خطورتها كل التوقعات والتحليلات السطحية التي يحاول البعض الترويج لها لذر الرماد في العيون، فما جرى في مطلع شهر يناير المنصرم من تدخل عسكري سعودي مباشر وقصف جوي طال القوات المسلحة الجنوبية فور انتهائها من تطهير ارض حضرموت والمهرة من بقايا الوجود اليمني، لم يكن مجرد رد فعل انفعالي او دفاعا عن مصالح نفطية ضيقة كما يزعم المرجفون، بل كان خطوة استراتيجية مدروسة بعناية فائقة تهدف الى كسر ارادة شعب صمم على نيل حريته واستعادة دولته المسلحة بالحق والتاريخ.
فالرواية التي يتم تداولها بكثافة في الاوساط الشعبية حول انابيب نفط سرية تمدها الرياض من حقول حضرموت الى اراضيها وان كشف هذه الانانبيب والسرقات هو ما اشعل فتيل الغضب السعودي ضد القوات الجنوبية، ليست الا اشاعة مغرضة تم تسريبها بذكاء لتضليل الرأي العام وتبسيط الصراع وحصره في زاوية اقتصادية وجنائية محضة، بينما الحقيقة الصادمة التي يجب ان يدركها الجميع هي ان التدخل العسكري السعودي كان سياسيا بامتياز ويهدف الى حماية مخطط دولي كبيرا تشرف على تنفيذه قوى عظمى وجدت في السعودية الاداة الطيعة الضاربة لمنع استقلال الجنوب، لان خروج الجنوب عن بيت الطاعة اليمني في هذه اللحظة الحرجة يعني بالضرورة انهيار مشروع الاقاليم الستة الذي يمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية الدولية الرامية لتفتيك اليمن شمالا وجنوبا الى كيانات هشة وضعيفة تحت مسمى الفيدرالية.
فالقوى الدولية والاقليمية تدرك جيدا ان استقلال الجنوب كدولة ذات سيادة سيجهض مشروع تقسيم اليمن الى اربعة اقاليم في الشمال واقليمين في الجنوب، وهي الخطة التي يراد منها ابقاء الجميع في حالة صراع دائم واستنزاف مستمر، ولذلك حين اقترب المقاتل الجنوبي من حسم المعركة في حضرموت والمهرة واوشك على اعلان استقلاله الكامل، صدرت الاوامر والضوء الاخضر الدولي للطائرات الحربية السعودية لتقوم بمهامها القذرة في تقليم مخالب الجنوب واضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الحامل الوطني لهذه القضية والمدافع الصلب عن تطلعات الشعب، بهدف اعادة الاحتلال اليمني الى هذه المناطق والى عموم مناطق الجنوب الاخرى بقوة السلاح لفرض واقع جديد يشعر فيه المواطن الجنوبي بالانكسار والهزيمة، مما يمهد الطريق لقبوله بحلول منتقصة وتسويات هزيلة لم يكن ليرضى بها وهو في اوج قوته وانتصاره.
وما نشهده اليوم من دعوات مفاجئة لحوار جنوبي جنوبي تطلقها الرياض ليس نابعا من حرص على وحدة الصف او الرغبة في حقن الدماء، بل هو فخ سياسي جديد نصب بعناية لاستثمار حالة الضعف التي فرضتها الالة العسكرية والضغوط الاقتصادية والاستفزازات السياسية الممنهجة ضد الشعب الجنوبي، حيث تسعى السعودية من خلال هذا الحوار الذي اعدت نتائجه مسبقا في الغرف الدولية الى شرعنة الواقع الاحتلالي الجديد وايصال رسالة للشعب الجنوبي مفادها ان الاستقلال صار ضربا من الخيال وان الفيدرالية هي السقف الوحيد المسموح به، مستخدمة في ذلك كل وسائل الاستفزاز والترهيب لضرب الارادة الوطنية والشعبية واجبار القيادة الجنوبية على التنازل عن الثوابت مقابل وعود وهمية بالاستقرار والرخاء.
فالمسألة ابعد بكثير من صراع على ابار نفط او ممرات حدودية، فهي معركة وجود ومصير يخوضها الجنوب ضد منظومة دولية ترى في نهوضه واستقلاله تهديدا لمصالحها وتخريبا لمخططاتها الرامية الى اعادة تدوير الوجوه والادوات القديمة تحت مسميات اتحادية زائفة، ومن هنا فان كل تلك التسريبات حول السرقات النفطية ما هي الا غطاء وتغطية على المؤامرة الكبرى التي تشترك فيها اطراف محلية واقليمية ودولية للنيل من كبرياء الجنوب ووحدته، مما يتطلب يقظة عالية وقراءة دقيقة للمشهد بعيدا عن العواطف، فالتاريخ لا يرحم الضعفاء والارادة الصلبة هي الوحيدة القادرة على تحطيم قيود المؤامرة مهما بلغت قوتها او تعددت ادواتها واقنعتها.