الأحد - 29 مارس 2026 - الساعة 09:06 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
كانت القراءات والتقديرات التي سقتها في أحاديث ومقالات سابقة تشير بوضوح لا يقبل اللبس إلى أن الصدام حول الهوية والسيادة في الجنوب لم يكن يوما مجرد نزاع على مقار إدارية أو مكاتب مغلقة بل هو في جوهره صراع إرادات يتجاوز الجدران ليمس عصب القضية الجنوبية وروحها التي تأبى الترويض واليوم حين يطلق المجلس الانتقالي الجنوبي دعوته لجماهير الشعب للاحتشاد السلمي يوم الأربعاء القادم أمام مقر المجلس العمومي بالتواهي فإنه لا يوجه دعوة للتظاهر فحسب وإنما يضع الجميع أمام مرآة الحقيقة التي حاولت سلطات الأمر الواقع تهشيمها حين أقدمت بفعل أرعن على إغلاق ذلك المقر بصورة تعسفية لا تعكس قوة بقدر ما تفصح عن ذعر عميق من الفكرة التي يمثلها هذا الكيان والحامل الوطني الذي يلتف حوله الناس.
فالنظر بتمعن في تضاعيف الأحداث وتلاحقها يقطع الشك باليقين بأن استهداف المقر لم يكن مقصودا لذاته فالمباني تفتح وتغلق بقرارات ورقية لكن الهدف الاستراتيجي الكامن خلف هذا التغول يتمثل في ضرب إرادة الشعب الجنوبي في مقتلها ومحاولة عزل الممثل السياسي عن قاعدته الشعبية ليتسنى تمرير مخططات الوصاية وإعادة رسم الخريطة وفق أهواء لا تضع لتطلعات هذا الشعب وزنا والمؤكد هنا أننا أمام اختبار حقيقي وصلب لمدى استعداد هذا الشعب للدفاع عن قضيته والتمسك بخياراته المصيرية إذ أن الاستجابة لهذه الدعوة والتدفق نحو الساحات هو الرد العملي والصارم الذي يسقط كل الرهانات الواهمة على عامل الوقت أو سياسة القمع الممنهج.
وهنا نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي بالغ التعقيد تتداخل فيه الخيوط الإقليمية مع الأدوات المحلية فالرسالة التي سيخطها الجنوبيون بأقدامهم وحناجرهم يوم الأربعاء موجهة بالأساس إلى تلك القوى الإقليمية التي تقف بظلها وخططها خلف هذه الإجراءات الخرقاء ظنا منها أن مصادرة الحقوق أو إغلاق الأبواب يمكن أن ينهي قضية ضاربة بجذورها في أعماق الأرض والتاريخ والحقيقة التي تتجلى مع كل محاولة قمع هي أن هذا الشعب يزداد صلابة وعنادا كلما اشتدت عليه المحن وتتحول محاولات المصادرة إلى وقود يشعل رغبة الاستماتة في سبيل الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية بعيدا عن أنصاف الحلول أو المشاريع المعلبة التي تحاول الالتفاف على الواقع.
وفي هذا السياق تتجلى بوضوح أبعاد الرفض الشعبي لتلك الدعوات المشبوهة لما سمي بالحوار الجنوبي التي تبنتها السعودية في وقت سابق فذلك المسار لم يكن في نظر الشارع الجنوبي إلا محاولة للالتفاف على التطلعات الحقيقية وتذويب القضية في قوالب تخدم أجندات لا تتسق مع سقف الطموح الجنوبي العالي والواضح والمظاهرة المرتقبة هي في جوهرها إعلان بطلان لكل تلك المناورات وتأكيد على أن الشرعية الوحيدة هي التي تمنحها الساحات ويصيغها الصمود الشعبي الأسطوري أمام آلة التغييب والتهميش التي لم تترك وسيلة إلا واستخدمتها لنزع فتيل الغضب الشعبي دون جدوى.
وعندما تصل الأمور إلى خطوط التماس مع الهوية الوطنية والأهداف الكبرى فإن هذا الشعب يثبت دوما أنه لا يتردد ولا يعرف لغة التراجع فالمسألة ليست مجرد احتجاج عادي بل هي ملحمة بقاء يدرك فيها الجنوبيون أن المؤامرات التي تحاك ضدهم تتناسب طرديا مع عظمة الهدف الذي ينشدونه ومن هنا تأتي القدرة الفائقة على المواجهة بشتى الوسائل السلمية التي تعري القمع أو غير السلمية إذا ما فرضت الضرورة ذلك لحماية الإرادة الوطنية من التبديد والمؤكد أن يوم الأربعاء لن يكون مجرد تاريخ في التقويم بل سيكون فصلا جديدا من فصول كتابة المصير حيث يتحدث الشعب ويصمت الآخرون تاركا للميدان كلمة الفصل التي لا تستطيع أي سلطة أمر واقع أن تمحوها أو تتجاوزها مهما بلغت سطوتها أو حظيت بدعم عابر للحدود.