كتابات وآراء


الأحد - 29 مارس 2026 - الساعة 11:05 م

كُتب بواسطة : بلعيد صالح محمد - ارشيف الكاتب





ثمة لحظات في تاريخ الشعوب، يصبح فيها الصمت أبلغ من العتاب، والتجاوز أعمق من المواجهة، لأن بعض المواقف، حين تنحدر، لا تحتاج إلى خصمٍ يكشفها، بل يكفيها أن تُترك لمرآة الوعي الشعبي لتُدين نفسها٠

في الأحداث الأخيرة التي شهدتها الجنوب خلال شهر يناير الماضي وما تلى ذلك اختار البعض من بني جلدتنا موقعه بإرادته، أو بانكساره، أو بحساباته الضيقة، ووضع نفسه في المكان الذي يراه جديراً به، وهذا شأنه؛ لكن المشكلة لا تكمن في السقوط ذاته، بل في محاولة تزيينه، وتحويله إلى فضيلة، وفي إعادة تعريف الكرامة على أنها شطط، والعزة على أنها تهور، بينما يُقدَّم الانبطاح كحكمة، والخيانة كواقعية؛ هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الرأي، بل انقلاب على المعنى و على اللغة نفسها؛ حين يصبح الدفاع عن الكرامة مبالغة، والتشبث بالحق مغامرة غير محسوبة، بينما يُسوَّق التفريط والخنوع للمحتل باعتباره قراءة ناضجة للواقع أو التزام بالقانون؛ فإننا لا نكون أمام خطابٍ سياسي، بل أمام حالة تزييف أخلاقي كامل، ومع ذلك، لا ينبغي أن نُهدر وقتنا في مطاردة هذا العبث؛ فالشعوب، حين تنضج، لا تُكثر من الرد، بل تُحسن الفرز، وتعرف من وقف معها، ومن وقف عليها، من صمد، ومن خنع وانحنى، من أخطأ فاعتذر، ومن أخطأ ثم حاول أن يجعل من خطئه وساماً يعلّقه على صدره، ويطلب من الناس التصفيق له على سقوطه٠

إلى أولئك الذين اتخذوا مواقف مخيبة لتطلعات شعب الجنوب، سواء بدافع الإكراه أو القناعة، ثمة حقيقة لا يمكن تجاوزها وعليكم أن تعلموها إذا كنتم لا تعلمون وهي أن الناس ترى وتفهم وتُميّز، وتحتفظ في سجل لا تُمحى صفحاته بكل صغيرة وكبيرة؛ فمن وقف مع الشعب، يسكن في وجدانه كقيمة، لا كشخص، ومن وقف مع الاحتلال ضد شعبه سيُختزل مع الأيام إلى درسٍ يُتداول، و اسم لايُحترم.
والتاريخ، في جوهره هو محكمة مؤجلة لا تُصدر أحكامها في اللحظة، بل بعد أن ينكسر المحتل ويرحل ويهدأ كل شيء، ويبقى الفعل عارياً من كل تبرير٠

أما الخطاب الذي يُثير الشفقة والسخرية اليوم لا يُنقذ موقف أولئك، بل يُسقط ما تبقى من رصيدهم في أعين شعب الجنوب الذي ربما لا يزال، يبحث لهم عن عذر ومبرر
وإذا كان هذا الشعب قد اختار أحياناً أن يتجاهل، فليس ذلك عجزاً عن الرد، بل وعياً بأن بعض المواقف لا تستحق حتى أن تُلام، لأنها سقطت خارج دائرة القيمة أصلاً،
إن تجاهل الشعب للرد ليس غفلة، بل شكل راقٍ من أشكال الإدانة، لأن ما يُهمل، يُمحى معنوياً قبل أن يُمحى زمنيًا٠

لكن الأخطر من الخطأ، ليس الخطأ نفسه بل التمادي في تزيينه وتحويله إلى وسام شرف مزيف، فيقدَّم السقوط كإنجاز، والخذلان كحنكة، فذلك فجور في الوعي وإهانة لعقول الناس ، فمحاولة تلميع الخطأ لا تُصلحه، بل تكشف ضحالة عقل من يصرّ عليه، ومحاولة رفعه إلى مرتبة البطولة،فأي منطق هذا الذي يحاول إقناعنا بأن سفك دماء شبابنا من أفراد قواتنا الجنوبية عمل من أعمال الخير ؟
وأي وعيٍ هذا الذي يرى في أذى الوطن مصلحة، وفي جراحه ضرورة؟
كجنوبيين ندرك الوقائع القاسية التي فُرضت علينا؛ نعم، لكن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بقساوة اللحظة الحالية، بل بقدرتنا على رؤية ما بعدها، فما نؤمن به يقيناً، أن ليل الظلم سيزول، والمحتل سيرحل وتبقى الأرض لأهلها، وستظل هناك قاعدة بسيطة، لكنها حاسمة وهي (من يدافع عن الخطأ، لا يخرج منه بل يغرق فيه) فهي يعي بعض أبناء جلدتنا ذلك؟