4 مايو/ تقرير / رامي الردفاني
يشهد الجنوب العربي مرحلة دقيقة تتكثف فيها التحديات وتتسارع معها وتيرة الأحداث، في ظل استمرار ممارسات التضييق واستهداف الفعاليات الشعبية السلمية، وآخرها ما تعرض له متظاهرون سلميون في محيط قصر معاشيق بالعاصمة عدن. هذه التطورات لم تعد تُقرأ كوقائع عابرة، بل كجزء من مشهد سياسي وأمني متشابك، تتراكم فيه عوامل الاحتقان وتتعمق فيه فجوة الثقة بين الشارع والقوى التي تراهن على فرض الأمر الواقع بالقوة.
لقد أثبتت التجارب التاريخية، في أكثر من محطة، أن سياسات القمع لا تُنتج استقرارًا حقيقيًا، ولا تنجح في إخماد مطالب الشعوب المشروعة، بل غالبًا ما تتحول إلى وقود يغذي موجات غضب أشد وأوسع. وفي الجنوب، يبدو هذا الإدراك حاضرًا بقوة في الوعي الجمعي؛ فكل محاولة لإسكات صوت الشارع تقابلها موجة إصرار جديدة على التمسك بالحق في التعبير، وتصعيد أدوات النضال السلمي دفاعًا عن الكرامة والهوية والمستقبل.
إن الجنوبيين الذين قدموا قوافل من الشهداء على مدى سنوات طويلة، لم يعودوا ينظرون إلى التضحيات باعتبارها كلفة عابرة، بل رصيدا وطنيًا يعزز وحدة الصف ويرسخ القناعة بعدالة القضية. ولذلك فإن محاولات الترهيب أو إنهاك الشارع لن تثمر تراجعًا، بقدر ما ستدفع نحو مزيد من التلاحم الداخلي وترتيب الصفوف في مواجهة كل ما يُنظر إليه كقوى معادية أو مشاريع تنتقص من تطلعات شعب الجنوب.
وفي هذا السياق، يبرز الالتفاف الشعبي حول قيادة الجنوب، ممثلة بالرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، بوصفه تعبيرا عن إرادة سياسية واضحة تسعى إلى حماية المكتسبات وتعزيز حضور الجنوب في المعادلة الإقليمية والدولية. كما تؤكد القوات المسلحة الجنوبية حضورها كركيزة أساسية لحماية الاستقرار وصون المكتسبات، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
كما ان الغضب الشعبي اليوم لم يعد مقتصرا على فئة أو شريحة محددة، بل تمدد ليشمل مختلف المحافظات والقطاعات الاجتماعية، في مؤشر واضح على أن سقف الصبر الشعبي يقترب من حدوده القصوى.
الرسالة التي يبعثها الشارع الجنوبي جلية: الاستفزاز المستمر وتجاهل المطالب العادلة قد يفتحان الباب أمام موجة احتجاجات أوسع وأكثر تنظيمًا وتأثيرًا، وهو ما من شأنه إعادة صياغة المشهد برمته.
في موازاة ذلك، يظل ملف الدماء والضحايا حاضرًا بقوة في الوجدان الجمعي. فالمطالبة بالمحاسبة لم تعد مجرد خطاب سياسي، بل التزامًا أخلاقيا ووطميًا تجاه أسر الشهداء وكل من تضرر من سياسات العنف
كما أن. العدالة بالنسبة للجنوبيين ليست بندًا قابلًا للتأجيل أو المقايضة، بل شرطًا جوهريًا لأي استقرار مستدام وأي تسوية سياسية جادة.
كما إن الدعوة إلى كشف الحقيقة وملاحقة المتورطين في إراقة الدماء تمثل حجر الأساس في المرحلة المقبلة، ليس بدافع الانتقام، بل ترسيخًا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب وضمانًا لعدم تكرار الانتهاكات. وأي مقاربة تتجاهل هذا المطلب المحوري ستواجه برفض شعبي واسع، لأنها تتناقض مع تطلعات مجتمع أنهكته الصراعات لكنه لم يفقد بوصلته الأخلاقية والوطنية.
الجنوب اليوم يقف أمام لحظة مفصلية: إما فتح مسار جاد للمساءلة والإنصاف والاستجابة الصادقة لمطالب الشارع، أو الاستمرار في النهج الأمني بما يحمله من مخاطر انفجار شعبي قد تتجاوز تداعياته الحسابات الضيقة للقوى التي تعتقد أن الزمن كفيل بإخماد جذوة المطالب.
وفي جميع الأحوال، تبدو الحقيقة راسخة؛ فالإرادة الشعبية إذا ما تراكمت مظالمها تتحول إلى قوة تغيير لا يمكن تطويقها . واليوم الجنوب العربي بقضيته العادلة وقيادته السياسية وقواته المسلحة، يمضي بثبات نحو ترسيخ معادلة جديدة عنوانها: لا تراجع عن الحقوق، ولا استقرار بلا عدالة، ولا مستقبل يُبنى إلا بإرادة شعبه الحرة