4 مايو / تقرير: مريم بارحمة
شهدت محافظة أرخبيل سقطرى، يوم السبت 7 فبراير 2026، حشدًا جماهيريًا واسعًا وغير مسبوق، دعت إليه القيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بالمحافظة، في مشهد وطني كثيف الدلالات السياسية والشعبية، عكس بوضوح عمق الالتفاف الشعبي حول المشروع الوطني الجنوبي، وجدّد العهد والوفاء للمجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته السياسية، بوصفه الحامل السياسي لقضية شعب الجنوب والمعبّر عن تطلعاته المشروعة في استعادة دولته المستقلة كاملة السيادة.
هذا الحشد لم يكن فعالية اعتيادية أو استعراضًا جماهيريًا عابرًا، بل شكّل محطة سياسية مفصلية في مسار النضال الجنوبي، ورسالة مباشرة لكل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، مفادها أن قضية الجنوب ما زالت حيّة في وجدان شعبها، وأن سقطرى، رغم بعدها الجغرافي، حاضرة بقوة في قلب المعركة الوطنية، وراسخة في موقفها وهويتها الجنوبية.
-سقطرى تتحول إلى ساحة موقف سياسي
منذ ساعات الصباح الأولى، بدأت جموع المواطنين بالتوافد من مختلف مناطق الأرخبيل إلى مدينة حديبو، في مشهد جسّد وحدة الصف السقطري وتماسك نسيجه الاجتماعي، ووضوح البوصلة السياسية لدى أبنائه. رجالًا ونساءً، شيوخًا وشبابًا، احتشدوا وهم يرفعون أعلام الجنوب، ويرددون هتافات تؤكد الصمود والثبات، والتمسك بالهوية الجنوبية، والدعم الكامل للمجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته السياسية.
الهتافات التي صدحت بها الساحات لم تكن شعارات عاطفية فحسب، بل حملت مضامين سياسية واضحة، تعكس وعيًا جمعيًا بطبيعة المرحلة وحجم التحديات، وتؤكد موقفًا ثابتًا في الدفاع عن القضية الجنوبية وحق شعب الجنوب في استعادة دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود ما قبل 22 مايو 1990م.
-التوقيت ودلالاته السياسية
يأتي هذا الحشد الجماهيري في توقيت بالغ الحساسية، حيث يمر الجنوب العربي بمرحلة سياسية معقدة، تتكاثر فيها التحديات، وتتعاظم محاولات الالتفاف على جوهر قضية شعب الجنوب، سواء عبر مشاريع سياسية مفروضة، أو عبر إرباك المشهد الداخلي، أو من خلال استهداف الهوية الجنوبية ومقوماتها السياسية والاجتماعية.
في هذا السياق، شكّل حشد سقطرى ردًا شعبيًا عمليًا على تلك المحاولات، ورسالة واضحة بأن إرادة الشعوب لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، وأن أي حلول أو تسويات لا تنطلق من إرادة شعب الجنوب وتضحياته محكوم عليها بالفشل.
-الإرادة الشعبية
في كلمته خلال الفعالية، أكد رئيس الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة سقطرى، الأستاذ سعيد عمر بن قبلان، أن هذا الحشد الجماهيري ليس مجرد تظاهرة، بل رسالة سياسية واضحة تعبّر عن إرادة شعبية صلبة لا تقبل المساومة أو الالتفاف.
وأوضح بن قبلان أن الجماهير المحتشدة خرجت وفاءً لتضحيات الشهداء، واستجابة لنداء الأرض والهوية، وتأكيدًا على حق أصيل لشعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته، مشددًا على أن الجنوب حي بإرادة شعبه، وأن سقطرى حاضرة بموقفها الوطني، ولن تغادر موقعها في معركة الكرامة والهوية مهما بلغت التحديات.
وأكد رئيس تنفيذية انتقالي سقطرى على الالتفاف الكامل حول المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الحامل السياسي لقضية شعب الجنوب، والوقوف صفًا واحدًا خلف الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، الذي يقود مسيرة الجنوب بثبات ومسؤولية وطنية عالية، رغم تعقيدات المشهد وضغوط المرحلة.
-موقف وطني
في ختام الحشد الجماهيري، صدر بيان سياسي شامل، عكس بوضوح المزاج الشعبي السقطري، وحدد ثوابت الموقف الوطني في هذه المرحلة المفصلية. البيان أكد أن الاحتشاد جاء في لحظة وطنية تتجدد فيها روح النضال الجنوبي، ووفاءً لتضحيات الشهداء والجرحى، واستجابة لنداء الأرض والهوية.
البيان شدد على أن معركة الجنوب ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمسيرة نضالية طويلة خاضها شعب الجنوب دفاعًا عن كرامته وهويته وحقه في تقرير مصيره، وأن العودة إلى الساحات اليوم تأتي بوعي سياسي أكبر، وصلابة أشد، رغم حجم التحديات وتعدد المؤامرات.
-ثوابت لا تقبل التأويل
تضمّن البيان عشر رسائل رئيسية شكّلت في مجملها خارطة موقف سياسي واضحة:
أولًا: التأكيد على التمسك الكامل بالهوية الجنوبية، ورفض أي محاولات للمساس بانتماء أرخبيل سقطرى أو سلخه عن محيطه الجنوبي.
ثانيًا: تجديد التفويض الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه الممثل السياسي لإرادة شعب الجنوب، ورفض أي قرارات أو ترتيبات تنتقص من شرعيته أو تستهدف وجوده.
ثالثًا: تجديد التفويض للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي لقيادة المرحلة السياسية والنضالية، وتمثيل الجنوب في كافة المحافل الإقليمية والدولية حتى تحقيق الاستقلال الكامل.
رابعًا: رفض كل أشكال الوصاية أو الهيمنة أو المشاريع المفروضة من خارج الإرادة الشعبية الجنوبية، والتأكيد على أن تقرير المصير حق أصيل لا يقبل المساومة.
خامسًا: إدانة أي ممارسات أو سياسات تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار في الأرخبيل، أو المساس بنسيجه الاجتماعي، وتحميل الجهات المسؤولة كامل التبعات.
سادسًا: التأكيد على دعم القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية، والوقوف إلى جانبها في حماية الأمن والاستقرار، ومواجهة أي تهديدات تستهدف الجنوب وقضيته العادلة.
سابعًا: التشديد على أن النضال الجنوبي نضال سلمي مشروع، يستند إلى الإرادة الشعبية، ولن تثنيه الضغوط أو المؤامرات عن تحقيق أهدافه.
ثامنًا: التأكيد على أن الجنوب ماضٍ بثبات في مسيرته التحررية، وأن أي حلول تنتقص من حقه في تقرير مصيره لن يُكتب لها النجاح.
تاسعًا: توجيه رسالة واضحة إلى المجتمع الإقليمي والدولي بضرورة احترام إرادة شعب الجنوب، والتعامل مع قضيته بوصفها قضية شعب يسعى لاستعادة دولته وفقًا للمواثيق الدولية.
عاشرًا: التأكيد على أن سقطرى كانت وستظل جنوبية الهوى والهوية، وحاضرة بموقفها وصوتها في معركة استعادة الدولة والكرامة الوطنية.
-الحضور النسوي.. وعي مجتمعي متكامل
من أبرز مشاهد الفعالية، المشاركة الواسعة للمرأة السقطرية، التي حضرت بقوة في ساحة الفعالية، ورددت الشعارات الوطنية، مؤكدة أن قضية شعب الجنوب ليست حكرًا على فئة أو نخبة، بل هي قضية مجتمع بأكمله. هذا الحضور النسوي حمل دلالات عميقة على مستوى الوعي المجتمعي، وعلى الدور المحوري للمرأة الجنوبية في مسار النضال الوطني.
-سقطرى جنوبية الهوى والهوية
سياسيًا، لا يمكن قراءة هذا الحشد بمعزل عن السياق الجنوبي العام. فسقطرى، بما تمثله من موقع استراتيجي وأهمية جغرافية، كانت ولا تزال هدفًا لمشاريع متعددة تسعى لعزلها عن محيطها الطبيعي. غير أن هذا الحشد الجماهيري الواسع أسقط تلك المشاريع عمليًا، وأعاد التأكيد على أن سقطرى جزء لا يتجزأ من الجنوب وهويته الوطنية.
-النضج السياسي للشارع الجنوبي
يعكس حشد سقطرى حالة من النضج السياسي لدى الشارع الجنوبي، وقدرته على التعبير عن مواقفه بوضوح وسلمية، ويؤكد في الوقت ذاته أن المجلس الانتقالي الجنوبي ما زال يتمتع بحاضنة شعبية واسعة، تشكل مصدر قوته وشرعيته الأساسية.
كما أن التفويض الشعبي العلني للرئيس القائد عيدروس الزُبيدي يمنحه زخمًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا في إدارة المرحلة المقبلة، والتعامل مع الاستحقاقات السياسية القادمة، داخليًا وخارجيًا.
-رسالة من سقطرى إلى العالم
في المحصلة النهائية، لم يكن حشد سقطرى مجرد فعالية جماهيرية، بل إعلان موقف سياسي واضح، وتجديد عهد ووفاء، ورسالة قوية بأن الجنوب ماضٍ في مسيرته التحررية، وأن إرادة شعبه لا يمكن كسرها أو تجاوزها.
من مدينة حديبو، خرج صوت الجنوب عاليًا: الهوية الجنوبية خط أحمر، والإرادة الشعبية هي الفيصل، واستعادة الدولة هدف وطني لا تراجع عنه، مهما تعاظمت التحديات أو تنوعت المؤامرات.