اخبار وتقارير

الجمعة - 23 يناير 2026 - الساعة 09:35 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ تقرير/ محمد الزبيري



من ساحة العروض بالعاصمة عدن، وفي لحظة سياسية مفصلية من عمر القضية الجنوبية، خرج اليوم شعب الجنوب مجددًا ليكتب فصلاً جديدًا من فصول الحضور الشعبي الكاسح، مؤكدًا أن هذه القضية ليست محل مساومة ولا ورقة تفاوض عابرة، بل مشروع وطني تحرري متكامل تقوده إرادة شعبية واعية ومتماسكة.

مليونية الثبات والتصعيد لم تكن فعالية جماهيرية عابرة أو رد فعل آني على متغيرات سياسية طارئة، بل جاءت كترجمة حقيقية لحالة الوعي الجمعي الجنوبي، ورسالة واضحة لا لبس فيها بأن الجنوب ماضٍ في طريقه، متمسكًا بقيادته السياسية ممثلة بالرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، ومفوضًا المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الحامل السياسي الشرعي لقضية شعب الجنوب، والضامن الحقيقي لمشروع استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.

هذه المليونية الحاشدة، التي احتشدت فيها الجموع من مختلف محافظات الجنوب، جسدت وحدة الصف الجنوبي في أبهى صورها، وأسقطت عمليًا كل الرهانات على إنهاك الشارع الجنوبي أو تفكيك اصطفافه الوطني فقد تحولت ساحة العروض إلى منصة سياسية مفتوحة، عبّر من خلالها الشعب عن موقفه الصريح من مجمل التطورات، رافضًا أي حلول تنتقص من حقه في تقرير مصيره، أو تحاول الالتفاف على جوهر القضية الجنوبية، ومؤكدًا أن خيار الاستقلال واستعادة الدولة ليس شعارًا عاطفيًا، بل استحقاق تاريخي لا رجعة عنه.


*ساحة العروض… الجغرافيا التي تحولت إلى بيان سياسي مفتوح*

لم تكن ساحة العروض مجرد مساحة جغرافية احتضنت الجماهير، بل تحولت إلى وثيقة سياسية حية، ناطقة باسم شعب الجنوب بكل أطيافه ومكوناته. منذ الساعات الأولى لتوافد الحشود، بدا المشهد وكأنه استفتاء شعبي مفتوح، تُرفع فيه الرايات الجنوبية، وتتعالى الهتافات المؤكدة على الثبات خلف القيادة السياسية، وعلى رأسها الرئيس عيدروس الزُبيدي. هذا المشهد لم يكن وليد لحظة انفعالية، بل نتيجة مسار طويل من التراكم النضالي، وتجربة سياسية عميقة عاشها الجنوبيون منذ حرب 1994، مرورًا بمحطات القمع والتهميش، وصولًا إلى مرحلة استعادة الفعل السياسي والعسكري الجنوبي.

في ساحة العروض، تلاشت الفوارق المناطقية، وتوحد الخطاب الشعبي حول ثوابت واضحة: الجنوب أولًا، القيادة الجنوبية خط أحمر، والمجلس الانتقالي الجنوبي هو التعبير السياسي الأصدق عن تطلعات الشعب. هذا التلاحم الشعبي يعكس مستوى عاليًا من النضج السياسي، ويدحض كل المزاعم التي تحاول تصوير الشارع الجنوبي كشارع منقسم أو قابل للاختراق.

لقد أثبتت المليونية أن الجنوب يمتلك بوصلة وطنية واضحة، وأن أي محاولة لتجاوز إرادة شعبه محكوم عليها بالفشل.

*التفويض الشعبي للرئيس الزُبيدي… شرعية لا تهزها المؤامرات*

أحد أبرز الرسائل التي حملتها مليونية الثبات والتصعيد تمثلت في تجديد التفويض الشعبي للرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي. هذا التفويض لم يكن مجرد هتافات أو لافتات، بل تعبيرًا واعيًا عن قناعة راسخة بأن الزُبيدي يمثل في هذه المرحلة التاريخية القائد القادر على إدارة المعركة السياسية والدبلوماسية، وحماية مكتسبات الجنوب، وقيادة مشروع استعادة الدولة بثبات ومسؤولية.

لقد أدرك الشارع الجنوبي، من خلال التجربة، أن القيادة ليست شعارًا، بل موقفًا والتزامًا ومسؤولية.
استطاع الرئيس الزُبيدي، بما راكمه من حضور سياسي، وحنكة في إدارة الملفات المعقدة، ووضوح في الموقف من القضية الجنوبية، أن يحظى بثقة شعبه، ليس من فراغ، بل نتيجة مواقف عملية في الدفاع عن الجنوب، سياسيًا وعسكريًا. مليونية عدن جاءت لتقطع الطريق أمام كل محاولات التشكيك في هذه الشرعية، ولتبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الزُبيدي ليس مجرد رئيس لمجلس سياسي، بل قائد مفوض من شعبه.

*المجلس الانتقالي الجنوبي… الحامل السياسي لإرادة شعب*

في قلب المشهد، برز المجلس الانتقالي الجنوبي كحامل سياسي جامع، يستند إلى قاعدة شعبية صلبة، وشرعية نضالية لا يمكن تجاوزها. لقد أكدت المليونية أن المجلس الانتقالي لم يعد مجرد كيان سياسي ناشئ، بل أصبح حقيقة سياسية راسخة، فرضها الشارع الجنوبي بإرادته الحرة. هذا الحضور الشعبي الواسع يعكس إدراك الجنوبيين لأهمية وجود كيان سياسي منظم، قادر على تمثيلهم في المحافل الإقليمية والدولية، والدفاع عن قضيتهم بلغة السياسة، دون التفريط بالثوابت الوطنية.
الرسالة كانت واضحة: أي ترتيبات سياسية مستقبلية لا تعترف بالمجلس الانتقالي الجنوبي، ولا تنطلق من إرادة شعب الجنوب، هي ترتيبات مرفوضة سلفًا، ومصيرها الفشل.

لقد أثبت المجلس، بدعمه الشعبي، أنه الرقم الأصعب في المعادلة، وأن محاولات تهميشه أو الالتفاف عليه لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.

*رفض الحلول الملتوية… الجنوب يحدد سقف التسوية*

حملت مليونية الثبات والتصعيد موقفًا حاسمًا من كل المبادرات والحلول التي تحاول القفز على جوهر القضية الجنوبية. فقد عبّر المشاركون بوضوح عن رفضهم لأي حلول جزئية أو ترقيعية، لا تلبي تطلعاتهم في الحرية والاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية.

هذا الرفض لا ينبع من نزعة تعطيلية، بل من وعي عميق بتجارب الماضي، حيث أثبتت التسويات غير العادلة فشلها الذريع، وأعادت إنتاج الأزمات بأشكال أكثر تعقيدًا.

إن سقف التسوية بالنسبة لشعب الجنوب بات واضحًا: الاعتراف بحقه في تقرير مصيره، وتمكينه من استعادة دولته على حدود ما قبل عام 1990. وأي مسار سياسي لا ينطلق من هذا الأساس، لن يجد له موطئ قدم في الشارع الجنوبي في رسالة واضحة تعكس انتقال الجنوب من مرحلة الدفاع إلى مرحلة فرض الشروط السياسية.

*القوات الجنوبية المسلحة… درع المشروع الوطني الجنوبي*

لم تغب القوات الجنوبية المسلحة عن مشهد المليونية، بل كانت حاضرة في الهتافات واللافتات، باعتبارها صمام أمان الجنوب، والذراع الحامية لمشروعه الوطني.

أكد المشاركون دعمهم الكامل لهذه القوات، التي قدمت تضحيات جسيمة في مواجهة الإرهاب، وحماية الأرض والإنسان، وترسيخ الأمن والاستقرار في محافظات الجنوب.
هذا الدعم الشعبي يعكس وعيًا بأهمية وجود قوة عسكرية جنوبية منظمة، تنطلق من عقيدة وطنية، وتخضع لقيادة سياسية جنوبية.
كما يمثل رسالة ردع لكل من يفكر في استهداف هذه القوات أو تقويض دورها، بأن الشعب يقف خلفها، ويعتبر المساس بها مساسًا بإرادته وكرامته.

*الجنوب في الخارج… تظاهرات تؤكد عالمية القضية*

بالتوازي مع مشهد عدن، شهدت العديد من مدن العالم تظاهرات ووقفات تضامنية للجاليات الجنوبية، عبّرت عن دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي والرئيس الزُبيدي، ووقوفها إلى جانب القوات الجنوبية المسلحة.
هذه التحركات أكدت أن القضية الجنوبية لم تعد محصورة في الجغرافيا المحلية، بل أصبحت قضية حاضرة في الفضاء الدولي، يحملها أبناء الجنوب أينما وجدوا.
لقد لعبت هذه التظاهرات دورًا مهمًا في نقل صوت الجنوب إلى الخارج، وكسر الصورة النمطية التي حاول البعض ترسيخها، وإبراز عدالة القضية الجنوبية، وحق شعبها في الحرية والاستقلال.
كما عكست مستوى التنظيم والوعي لدى الجاليات الجنوبية، وقدرتها على التفاعل مع المستجدات السياسية بفعالية ومسؤولية.

*رسائل إلى الداخل والخارج… الجنوب لا يُدار بالوصاية*

في محصلتها النهائية، بعثت مليونية الثبات والتصعيد برسائل متعددة الاتجاهات. إلى الداخل الجنوبي، أكدت أهمية وحدة الصف، والالتفاف حول القيادة السياسية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا.
وإلى الخارج، وجهت رسالة حازمة بأن الجنوب لن يقبل أن يُدار بالوصاية، أو أن تُفرض عليه حلول لا تعبر عن إرادته.

لقد أثبت شعب الجنوب، مرة أخرى، أنه صاحب القرار، وأن صوته هو الفيصل في تحديد مستقبله. مليونية عدن لم تكن نهاية المطاف، بل محطة من محطات النضال المستمر، ورسالة ثبات تقول بوضوح: الجنوب ماضٍ في طريقه، مهما تعاظمت التحديات، ومهما تعددت محاولات الالتفاف، فالإرادة الشعبية التي خرجت بالملايين، قادرة على صناعة المستقبل، وفرض معادلتها الوطنية حتى استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.