4 مايو/ تقرير / رامي الردفاني
ليس الجنوب رقعة جغرافية تتنازعها الخرائط بقدر ما هو فكرة تشكّلت عبر مسار طويل من التجربة والمعاناة.. وهي فكرة نضجت تحت وطأة الصراع، ثم أعادت صياغة ذاتها بوعيٍ جمعي أدرك أن البقاء لا يكون بالثأر، ولا بالماضي، بل بالقدرة على تجاوزه دون إنكاره.
وفي ذكرى التصالح والتسامح الجنوبي ، لا يستعيد الجنوبيون حدثاً عابراً في الذاكرة، بل يستحضرون محطة مفصلية أعادت تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر، ووضعت أسساً أخلاقية وسياسية لمستقبل قوامه وحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية.
لقد كشفت التجربة الجنوبية، بوضوح لا لبس فيه، أن مصادر القوة الحقيقية لا تُختزل في السلاح ولا في التحالفات المؤقتة، بل في قدرة المجتمع على إدارة خلافاته، وتحويل جراحه إلى دروس، واستخلاص الحكمة من الألم . ومن هنا، خرج التصالح والتسامح من كونه مبادرة اجتماعية محدودة إلى خيار وطني استراتيجي، ومن ذكرى سنوية إلى ثقافة سياسية وسلوك عام يحكم العلاقة بين الجنوبيين أنفسهم.
كما يمثل الثالث عشر من يناير لحظة فاصلة في التاريخ الجنوبي الحديث. لم يكن مجرد لقاء رمزي لتصفية حسابات الماضي، بل كان فعل شجاعة جماعية، اعترف فيه الجنوبيون بأخطائهم، وقرروا أن الماضي بكل قسوته لن يكون مادة لإعادة إنتاج الانقسام. في ذلك اليوم، الذي احتضنته عدن، أعاد الجنوب صياغة صورته من ساحة صراع إلى فضاء وحدة، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن صراعات النخب إلى وعي المجتمع.
ذلك الحدث لم يكن مصالحة فوقية أو تسوية شكلية، بل تعبيراً صادقاً عن قدرة الجنوب على معالجة أزماته من الداخل، دون وصاية، ودون حلول مفروضة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تتشكل رواية وطنية جديدة تقول إن الاختلاف لا يعني الاحتراب، وإن إدارة الخلاف بالحكمة أعمق أثراً من أي نصر عسكري عابر.
في حسابات السياسة، لا تُقاس القوة فقط بعدد البنادق، بل بمدى تماسك الجبهة الداخلية وهنا، برز التصالح والتسامح الجنوبي كقوة ناعمة أربكت خصوم القضية الجنوبية أكثر مما فعلت المواجهات المباشرة.
فكل مشروع استهدف الجنوب راهن، منذ البداية، على تفجير الداخل، وإحياء المناطقية، واستدعاء صراعات الماضي كأقصر الطرق لإضعاف الموقف الجنوبي ، غير أن الوعي الجنوبي، المتصالح مع ذاته، أفشل تلك الرهانات، وحوّل التسامح إلى أداة وحدة، وإلى درع أخلاقي وسياسي في مواجهة محاولات التفكيك.
ولهذا، فإن أي مسعى لتقزيم قيمة التصالح، أو تهميش دوره، ليس سوى محاولة مكشوفة لضرب أحد أعمدة المشروع الوطني الجنوبي.
تاريخ الشعوب يعلّم أن الشرعية لا تُمنح من الخارج، بل تُبنى من الداخل. وفي السياق الجنوبي، لا يمكن فصل شرعية القيادة عن قدرتها على جمع الشمل وإدارة التنوع. من هنا، برز دور الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، الذي أدرك مبكراً أن المعركة الأساسية ليست عسكرية فقط، بل معركة وعي وثقة.
عمل الرئيس الزُبيدي، ومعه المجلس الانتقالي الجنوبي، على تحويل التصالح والتسامح من شعار إلى ممارسة سياسية، ومن خطاب موسمي إلى نهج مستمر. فالمجلس، بوصفه حاضنة سياسية جامعة، استمد قوته من التفاف شعبي حقيقي، لا من إملاءات أو تفاهمات عابرة.
وكلما ازداد تماسك الداخل الجنوبي، تعززت قدرة الجنوب على فرض قضيته في أي استحقاق سياسي أو تفاوضي.
كما أثبتت التجربة أن الانقسام هو الهدية الأثمن التي يمكن أن تُقدّم للخصوم. ولذلك، بات الوعي الجنوبي اليوم أكثر نضجاً وحساسية تجاه أي خطاب يعيد إنتاج الكراهية أو يستدعي صراعات الماضي. وحدة الصف لم تعد شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل ممارسة يومية، وتجربة عملية أكدت أن الجنوب يصبح عصياً على الكسر حين يتصالح مع ذاته.
فالجبهة الداخلية المتماسكة هي التي تُفشل مشاريع الهيمنة، وتُسقط أدوات الضغط، وتمنح القضية الجنوبية وزناً سياسياً حقيقياً. ومن هنا، لم يكن التصالح والتسامح استجابة ظرفية، بل خياراً استراتيجياً طويل المدى، يحمي الحاضر ويؤسس لمستقبل خالٍ من الاقتتال الداخلي.
لم يكن السلم الاجتماعي في الجنوب نتيجة صدفة، بل ثمرة قرار وطني واعٍ جنّب المجتمع الانزلاق إلى الفوضى، وحمى نسيجه من التفكك. فحين يغيب التسامح، تنهار الدول، وحين يُستبدل الحوار بالإقصاء، تتحول الخلافات إلى حروب مفتوحة.
وقد أدرك الجنوبيون أن السلم الاجتماعي ليس ترفاً سياسياً، بل الأرضية التي تُبنى عليها الدولة المستقرة. لذلك، أصبح التصالح والتسامح قاعدة أخلاقية للمشروع الوطني، وبذرة للاستقرار السياسي والاجتماعي.
في ظل الضغوط السياسية، ومحاولات فرض مسارات لا تحظى بإجماع جنوبي، تتجدد أهمية التصالح والتسامح بوصفه صمام أمان. فكل مسار يُبنى على الإكراه أو الاحتجاز أو الضغط، يفتقر إلى الشرعية الأخلاقية، ويؤسس لأزمات مؤجلة.
ويبرز في هذا السياق ملف احتجاز وفد المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض، كقضية سياسية وأخلاقية، تؤكد أن إدارة الحوار من موقع القوة لا تصنع سلاماً، بل تعمّق فقدان الثقة .. وقد عبّر الموقف الجنوبي بوضوح عن رفض أي تفاوض تحت الإكراه، مؤكداً أن الحوار الحقيقي لا يكون إلا بإرادة حرة.
في ذكرى التصالح والتسامح، يبعث الجنوب برسالتين واضحتين إلى الداخل: لا عودة إلى صراعات الماضي، ولا تساهل مع خطاب المناطقية، ووحدة الصف خط أحمر. وإلى الخارج: الجنوب شعب تصالح مع ماضيه، وتوحّد في حاضره، ويتجه بثبات نحو مستقبله، وأي محاولة لكسر هذه الوحدة مصيرها الفشل.
ولقد أثبت الجنوب العربي أن السلام الداخلي أقوى من السلاح، وأن وحدة الإرادة أقسى على الخصوم من أي ضغط، وأن المشاريع التي لا تقوم على قيم أخلاقية راسخة محكوم عليها بالزوال.
كما ان قضية شعب الجنوب ليست مشروع نزاع دائم، بل مشروع دولة. والدول لا تُبنى بالكراهية ولا بالانتقام، بل بالتسامح، ووحدة الصف، واحترام التعدد.
لقد كان التصالح والتسامح انتصاراً من نوع خاص؛ انتصار الوعي على الجراح، والمستقبل على الماضي.
كما ان اليوم، ومع تعقّد المشهد، تزداد الحاجة إلى حماية هذه القيمة، وترسيخها في الخطاب والممارسة. فالجنوب الذي تصالح مع ذاته، لا يمكن كسره، ولا إخضاعه، ولا سرقة قضيته.