4 مايو/ تحليل/ حافظ الشجيفي
السياسة في منطق الحقائق الكبرى ليست إلا تجليات لهذه الروح الجماعية التي تسكن الشعوب، فإذا ما توهم واهم أن بمقدوره صياغة أقدار الشعوب بمشرط الجراح أو بسطوة القوة، فقد غفل عن أن إرادة الشعوب هي من جنس القضاء والقدر الذي لا يرده راد، ولا يحجبه حاجب، وما حال المملكة العربية السعودية في اندفاعها الأخير تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي وقادته وقواته المسلحة إلا كمن يحاول أن يحبس ضوء الفجر في زجاجة، أو كمن يظن أن كسر الغصن كفيل بقتل الجذع المتجذر في أعماق الثرى، فما أقدمت عليه من محاولات التحجيم والضرب والتضييق بغية كسر إرادة الشعب الجنوبي وتحطيم معنوياته، لم يكن في حقيقته إلا وقودا جديدا يغذي تلك النار المتقدة في صدور الرجال، فالحق الذي يستند إلى عقيدة الأرض لا يزيده الضغط إلا صلابة، ولا يزيده الاستهداف إلا تمسكا بالغاية القصوى التي هي الاستقلال واستعادة الدولة بكل ما تحمله الكلمة من كرامة وسيادة.
والمنطق السياسي حين ينفصل عن الواقعية النفسية للجماهير يقع في مغالطة كبرى، وهي أن القوة المادية تستطيع تطويع الوجدان، غير أن الذي ستكتشفه السعودية، إن لم تكن قد وعته في غمرات حساباتها حتى الآن، هو أن الأهداف التي سعت إليها قد ارتدت عليها بنتائج عكسية مذهلة، فبدلا من أن يتراجع الشعب الجنوبي عن سقف مطالبه، وجد نفسه يلتف حول ثوابته بإصرار بلغ حد الاستماتة، وأصبح يدرك بيقين لا يخالطه شك أن قضيته في مرمى القصف الخارجي، وأن إرادته هي المستهدفة قبل الأشخاص والمناصب، وهذا الإدراك هو الذي يحول السياسة من مجرد تفاهمات فوق الطاولات إلى ملحمة شعبية كبرى لا تقبل المساومة، فما كان من خيارات ومشاريع سياسية قابلة للنقاش أو القبول النسبي قبل هذه الإجراءات القسرية، قد سقط اليوم من حسابات الإنسان الجنوبي، إذ إن منطق القوة إذا دخل في مواجهة مع منطق الحق، أغلق أبواب الممكن ليفسح المجال فقط أمام المستحيل الذي يفرضه الشعب بدمه وعرقه.
أما ما تردد عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي، الحامل السياسي الذي فوضه الشعب، سواء جاء ذلك بضغوط من الرياض أو بغيرها من الأسباب السياسية، فإنه في ميزان الحقائق لا يعدو أن يكون عرضا زائلا في جوهر ثابت، فالمجلس لم يكن في وعي الجنوبي هو الغاية بحد ذاته، بل كان الوسيلة والرمز، وإن كان غيابه أو ضربه قد يربك المشهد لوهلة، أو يؤثر في المزاج العام للشعب امتعاضا واستنكارا من المملكة، إلا أن هذا الأثر لا ينبع من الأسى على كيان تنظيمي، بل من الشعور بأن الإرادة الوطنية هي التي يراد تدجينها، وهنا تكمن العظمة في روح هذا الشعب، الذي لم يراهن يوما في تحقيق أهدافه إلا على إرادته الذاتية وتضحيات أبنائه، فالمجلس مفوض ولكنه ليس الأصل، والأصل هو الشعب الذي لا يغيب ولا يحل ولا ينكسر، وهو الذي يثبت يوما بعد يوم أن محاولات الغاء الوجود السياسي الجنوبي لن تزيد المؤمنين بهذا الحق إلا يقينا بأن طريق الاستقلال هو الملاذ الوحيد والنهائي.
والتاريخ يعلمنا أن القوة التي تكسر الأجنحة لا تستطيع أن تمنع الطيور من الحنين إلى أعالي القمم، بل إنها تمنحها بصيرة أعمق بقيمة الطيران، وهكذا هو الشعب الجنوبي الذي يرى في كل محاولة لتحجيمه دعوة صريحة لمزيد من المواجهة والتمسك، فالشعوب الحية لا تموت بموت قادتها أو بحل مجالسها، بل تنبعث من رمادها أقوى مما كانت، ولعل الدروس التي لم تقرأ جيدا في كتب السياسة التقليدية هي أن الاستهداف المباشر للوجدان الشعبي لا يولد إلا الانفجار نحو الحرية، وأن المراهنة على كسر الإرادة بالمنع أو القوة هي مراهنة خاسرة أمام شعب قرر أن يكتب تاريخه بمداد من النور والنار، لتظل الدولة الجنوبية المنشودة هي الحقيقة التي تتكسر على صخرتها كل المشاريع الهشة، وهي الموعد الذي لا يخلفه القدر مهما طال زمن الضغوط أو تبدلت الوجوه والأسماء.