إليها وَفَدْ وفيها ماتْ عالِم اللغة الفيروز آبادي، صاحب �القاموسالمُحيط�, وباسمها ارتبط اسم العلامة المُرتضى الزَبيدي صاحب �تاج العروس�. وفيمدارسها تخرّجت النساء العالمات، وفي عصرها كانت زَبيد من أهم مهاجر العلماء، ومنأبرز حواضر الانفتاح الإسلامي ليس على المذاهب الأربعة وحسب، وإنما على العلومالأخرى كالفلك والطب والزراعة والرياضيات, هذه المدينة الواقعة في سهل تهامةالساحلي، غرب اليمن، برزت باعتبارها من أهم مراكز الجذب الإسلامي في العالم، وخاصةمنذ القرن العاشر وحتى القرن الخامس عشر الميلادي.
المعارك الحربية الدائرة حالياَ في مناطق الساحل الغربي في اليمن باتتتقترب من هذه المدينة التاريخية التي أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلموالثقافة �يونيسكو� ضمن قائمة مُدن التراث الإنساني العالمي عام 1993 وهو ما يتطلبتحركاً وطنياً ودولياً مسؤولاً، بما يكفل وضع أطراف الصراع أمام مسؤولية حمايةزَبيد، التي تُعدّ أوّل مدينة إسلامية اُختطت في البلاد، وعاصمة ثلاث دول فيالتاريخ اليمني الوسيط، وفيها نشأت جامعة إسلامية �جامع الأشاعر� التي أمتدتأثيرها لأنحاء مختلفة في العالم الإسلامي، كما مثلت مدارسها منارات يقصدها الطلابوالعلماء من بلدان مختلفة، وهي المساجد والمدارس التي ما زال منها في المدينة 86مسجداً ومدرسة، بل إنها المدينة الأعلى تركيزاً بعدد المساجد في اليمن مقارنة معالسكان.
ليست زَبيد المدينة التاريخية اليمنية الوحيدة ضمن قائمة مُدن التراثالإنساني العالمي، إذ سبقتها مدينة شبام حضرموت، الواقعة شرقا (1982م) ومدينةصنعاء القديمة، شمالا (1986م)، فيما هناك عدد آخر من المُدن ما زالت مُرشحةللإدراج ضمن قائمة المؤسسة الدولية. ويُعدّ اليمن، من بلدان قليلة جداً على مستوىالعالم لديه هذا العدد من المُدن ضمن قائمة التراث الإنساني، وهو ما يؤكد الخصوصيةالتاريخية والثقافية لهذا البلد الفقير، الذي يغرق في حرب دمرت، منذ ثلاث سنوات،كثيراً من مقدراته، كما ألحقت أضراراً بالغة بعشرات المعالم والمُدن والمواقعالأثرية هناك. إلى ذلك ليست الحرب وحدها ما تتهدد مدينة زَبيد الواقعة على بُعد 90كلم تقريباً جنوب شرق مدينة الحُديدة المطلة على البحر الأحمر، فغارات مقاتلاتالتحالف خلال الأعوام الثلاثة الماضية كان لها تأثيرها الخطير في معالم المدينة.
يقول الخبير اليمني في التراث الثقافي العالمي نبيل منصر لـ�القدسالعربي�: �تعاني زبيد من وضع خاص، حيث أن كل بيوتها أصبحت مُهترئة نتيجة محدوديةجهود الحفاظ والحماية، بالإضافة إلى ما تعانيه المدينة من مخالفات وخاصة على مستوىالبناء في الساحات وتأثيره البالغ على النسيج الأصيل والصبغة التاريخيةالاستثنائية للمدينة. وبالتالي فهي مدينة مُهددة، وفي حال اقتربت المعارك العسكريةمنها فسيكون التأثير بالغ الخطورة على مدينة تاريخية هي في وضع خطير أصلاً، وسنخسربذلك تراثاً عالمياً نفيساً لن يعوّض�.
تهديدات
بسبب الحرب الراهنة، وبالإضافة إلى ما أرتكبه السكان المحليون منمخالفات بحق النمط التاريخي، أقرّت �يونيسكو� إضافة مدينتي �صنعاء القديمة� و�شبامحضرموت� إلى �قائمة التراث العالمي في خطر�، وكانت قد سبقتهما لتلك القائمة،للأسف، مدينة زَبيد عام 2000م، جراء استمرار مخالفات السكان من خلال البناء الحديثعلى حساب أصالة المدينة. ووفق �يونيسكو� فإن حوالي 40 في المئة من مبانيهاالتاريخية قد تعرضت للخطر حينها. مع استمرار الطفرة السكانية والفقر في المدينةوبقاء جهود الحفاظ دون مستوى المسؤولية. وتواصلت المخالفات، حتى اندلعت الحربالراهنة لتضيف تهديدات أخرى.
وعلى الرغم من وضع المدينة الحرج، بقيت حتى قبل الحرب، مقصداً للسياحالذين كانوا يأتونها للتعرف على حكايتها. كان الزائر يصل إليها من صنعاء، 233 كلم،مروراً بمدينة الحُديدة مركز محافظة الحُديدة التي تنتمي إليها المدينة والمديريةجغرافياً وإدارياً. ولا يفصل زَبيد عن البحر الأحمر سوى 25كلم.
عندما تصل المدينة ستجد أنه لم يتبق من سورها سوى جزء يسير، فيما ماتزال هناك أربع بوابات تبرز من أهم معالمها. وأنت تقترب لدخول المدينة من إحدى تلكالبوابات ستلفت انتباهك مبان حديثة اُستحدثت أمام البوابة من الخارج ومن الداخل،وهي من ضمن مخالفات السكان المحليين بحق النسيج المعماري والمديني التاريخيللمدينة، وهي التي تكاد تشمل ساحات كثيرة في المدينة.
�تمثل هذه الاستحداثات تهديداً خطيراً للمدينة، باعتبار ساحاتها وُجدتكمُتنفسات هوائية ضرورية تحتاجها المباني التاريخية، وهي ذات نمط بنائي ومعماري فيبيئة وطقس ساحلي خاص، ولهذا فإن تلك المباني المستحدثة في الساحات تؤثر تأثيراًكبيراً في صحة النسيج العمراني للمدينة، إذ تمنع الرياح المحمّلة بنسيم البحر منالدخول إلى المدينة، وتلطيف الأجواء الذي يؤثرعلى رطوبة وحرارة المباني، وبالتاليتُلحق ضرراً بالغاً في النسيج الأصيل للمدينة التاريخية� يقول الخبير المهندس نبيلمنصر.
المعمار
تتشكل المدينة من مجموعة من الأحياء تترابط بمجموعة من الشوارعوالممرات يتوسطها السوق القديم. خلال تنقلك بين أحيائها ستلاحظ في معمارها شواهدعلى مراحل من التحولات لم تنل من ذاك البريق والجمال الذي يُحييك، وخاصة في أروقةالجوامع وتحديدا في جامع الأشاعر والجامع الكبير القديم وفناءات ومرافق القلعة،التي تُعرف بقلعة الناصري. وأنت تتأمل في معالم المدينة يبرز المعمار عنواناًعريضاً لخصوصيتها، وهو امتداد للمعمار الشائع في ساحل تهامة، لكن كأني به يتكرسبوضوح في هذه المدينة، وهو نمط يستخدم، من مواد البناء، الحجر والطوب المحروقوالجير الأبيض �النورة� والأخير يمنح واجهات المباني لوناً زاهياً يزداد جمالاًبما ترتديه من زخارف تمتد من الواجهات الخارجية إلى الداخل في أشكال نباتية أوحيوانية أو خطية تنتشر بشكل ثري ومتنوع وجميل، ويبرز بشكل أكثر إدهاشاً في المساجدوبعض المباني الكبيرة. ويتميز تصميم البيت، هنا، بما يقترب من تصميم البيت الشاميفي انفتاحه على فناء داخلي. ومن أهم ما يوجد في الطابق الأرضي للبيت في زَبيد غرفةالمعيشة أو ما يعرف بـ�القيل� فيما تستقل الغُرف أو �الخلوات� في الطابقالعلوي.
زبيد هي اليوم مدينة محلية (ثانوية) لا تتجاوز مساحتها 900 هكتاراًتحكي معالمها ما مرت به من مراحل تحت حكم الدول التي تعاقبت عليها عاصمة ومركزحُكم وحاضرة علمية، حتى أنها كانت خلال فترات من تاريخها مركزاً هاماً من مراكزتعليم الإسلام السني على مستوى العالم.
مسجد الأشاعر
اختط زبيد مبعوث الخلافة العباسية مُحمَّد بن زياد عام (204هـ/819م)وفي العام التالي استقر فيها وأعلنها عاصمة لدولته، ويختلف المؤرخون في تحديد ماكانت عليه تبعيتها لمركز الخلافة العباسية. أُقيمت المدينة على نطاق شمل مجموعة منالقرى بين وادي زبيد ووادي رماع الزراعيين، وشملت بذلك مسجد الأشاعر، الذي أسسهالصحابي أبو موسى الأشعري، ويُعدّ واحداً من أقدم ثلاثة مساجد في اليمن.
ومرّت المدينة بعدد من المراحل، فخلال دولة بنيزياد(204-412هـ/819-1021م) كانت زبيد عاصمة الدولة، وشهدت إقامة التحصينات وقنواتالري، وأصبحت المدينة مركز حكم وسياسة. وعقب انهيار دولة بني زياد استمرت المدينةعاصمة لدولة النجاحيين (412-553هـ/1021-1158م) ومن ثم لدولة بني مهدي (553-569هـ/1159-1174م)وهي المرحلة التي تكرّست فيها مركزاً سياسياً واقتصادياً، حتى تأسست دولةالأيوبيين (569-626هـ/1173-1229م). فمنذئذ تحولت المدينة إلى عاصمة شتوية لكنهابدأت تتكرس أكثر مركزاً علمياً وثقافياً ودينياً بالإضافة إلى حاضرة سياسيةواقتصادية، وهو ما تجلى واضحاً وقوياً في عهد دولة بني رسول(626-858هـ/1229-1454م) والتي تمكن فيها الرسوليون من توحيد اليمن كله تحت حكمهم.وحسب مصادر فإن عهدهم ربما كان العصر الذهبي في تاريخ اليمن الوسيط، ويعدّها بعضالمؤرخين أفضل الدول اليمنيّة بعد مملكة حِمير في العهد القديم، وذلك من حيثاهتمامها بالمدارس والعلوم والفنون والعلماء والعمارة والزراعة وغيرها من عناصرالتطور. خلال حكمهم شهدت زَبيد، التي كانت أيضاً عاصمتهم الشتوية، ازدهاراً كبيراًفي المساجد والمدارس والطرق والزراعة والصناعة، وعلا شأن جامعتها �جامع الأشاعر�حتى امتد تأثيره لأنحاء العالم الإسلامي وشرق افريقيا والمحيط الهندي، بل يُقال إنعدد مساجد المدينة وصل في عهد الملك الأشرف الثاني الرسولي سنة 791هـ إلى 236مسجدا ومدرسة، وهو التطور الذي لم يخفت خلال دولة الطاهريين(855-923هـ/1451-1517م). ولم تشهد تراجعاً كبيراً حتى الحكم العثماني، حتى شملالمدينة في عهد الأئمة ما شمل البلاد من فقر وتخلف. وعلى الرغم من ذلك ما زالتزَبيد حتى اليوم مدينة علمية، ويُقيم فيها طلاب من بلدان مختلفة بوجود الحرب التيتشهدها البلاد.
مدينة علم
ويبقى السؤال: ما الذي تميزت به زَبيد عن بقية حواضر اليمن والعالمالإسلامي عبر تاريخها؟ ويبدو ان �ما تميزت به هذه المدينة أنها كانت شُعلة للعلموالحضارة في عصور انحطاط كانت تعيشه بقية الحواضر الإسلامية، وخاصة من القرنالسادس إلى العاشر الهجري، حيث كانت مهجراً إسلامياً هاماً من مهاجر العِلم، وكانعلماؤها يحظون بمنزلة لدى علماء الإسلام على اختلاف المذاهب في بقية البلدان�.يقول لـ�القدس العربي� أحد أعلام المدينة والمُحاضر في كلية التربية في زبيدالدكتور خالد يحيى الأهدل مُضيفاً:� لقد مثل عهد دولة بني رسول عهد انفتاح علميعلى المذاهب والعلوم الأخرى، وشهدت المدينة حينئذ افتتاح عدد كبير من المدارس، فيظل ما كان يوفره الرسوليون من أوقاف لكل جامع ومدرسة لضمان استمرارية التعليم، وهوما استفادت منه زبيد كثيراً، فبقيت شُعلة علم فيما بقية الحواضر كانت غير ذلكحينها، فجذبت إليها العلماء من الحواضر الأخرى. كما أن مدارسها كانت تتميز بأنهاتُدرّس المذاهب الأربعة بدون تعصب، منفتحة على الآخر وعلى العلوم الأخرى، فكانتتُدرَّس مع القرآن والتفسير واللغة والحديث، ألخ علوم الفلك والطب والزراعةوالرياضيات، ذلك الانفتاح ساعدها على أن تكون مهجراً للعلم وما زالت حتى الآن، وإنتراجعت�.
ويستطرد الأهدل:� لقد بقيت المدينة متميزة حتى في مجالات أخرىكالصناعة مثلاً، ففي صناعة الملابس المصبوغة كان في المدينة 80 معملاً ظلت قائمةحتى منتصف القرن العشرين، وهو النمو الذي واكب ازدهارها العلمي بالإضافة إلىازدهار زراعي�.
ويزخر تاريخ مدارس المدينة بعددٍ من العلماء الذين ذاع صيتهم في علوممختلفة، ومنهم العلامة أحمد بن موسى الجلاد صاحب أول كُتب علم الجبر. كما اشتهرتبعالمات ذاع صيتهن وعلا شأنهن، ومن أشهرهن أسماء بنت موسى الضجاعي في عهد دولة بنيرسول وأسماء بنت عبد الله الناشري، ومريم بنت العفيف، وغيرهن ممن وردت اسماؤهن فيكتب المؤرخين، ممن كان لهن فضل عِلم وبناء.
من أجل ذلك، ترتفع الأصوات مُحذرة من خطورة اقتراب المعارك الحربية منزَبيد، ففي حال تحولت هذه المدينة أو محيطها إلى مسرح عملياتي عسكري، فستحُّلكارثة بهذه المدينة التاريخية، وهو ما ينبغي أن يدركه المتحاربون، فيحمونهاباعتبارها تراثاً إنسانياً نفيساً لا يمكن تعويضه!