كتابات وآراء


الجمعة - 21 أغسطس 2026 - الساعة 09:14 م

كُتب بواسطة : حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب



في لحظة أدبية مكثفة بالجمال وشاحذة للفكر أهدتني مشكورة المؤلفة والأديبة الشابة سحر عبد اللاه صالح مجموعتها القصصية الموسومة بـ "عفن أسود"، وهي هدية قيمة أسرني سحرها الفني وانطبعت في وجداني منذ وهلتها الأولى، إذ أقبلت على تناولها والمطالعة في صفحاتها بنهم وافر وشغف متقد، فلم أملك لنفسي فكاكا من أسارها ولا لجلستي الطويلة معها نهاية حتى أتيت على آخر كلماتها، بعد أن وجدت نفسي منغمسا بكل جوارحي في أتون أحداثها المترابطة التي فاضت ببراعة إبداعها وجسدت رهافة إحساسها الإنساني الشفيف، وعكست حجم معاناتها الصادقة وهي تلتقط بدقة نافذة الظواهر الدخيلة التي طرأت على المجتمع الجنوبي بفعل آثام الاحتلال اليمني وسنوات الصراع المحتدم والنضال الطويل معه إذ تمثل هذه المجموعة القصصية القصيرة «عفن أسود» صرخة أدبية عالية النبرة في وجه الواقع البائس والتداعي الأخلاقي والاجتماعي والسياسي الذي ينهك الذات الإنسانية في الجنوب العربي وفي حاضرتها عدن بشكل خاص. حيث اطلت علينا الكاتبة من خلال إصدارها الصادر الاول عن اتحاد أدباء وكتاب الجنوب بعدن في مائة وعشرين صفحة، لتفتح سفرا من الألم الإنساني والوجع المسكوت عنه عبر ثمان وثلاثين قصة قصيرة تتضافر جميعها لتشكل لوحة بانورامية للواقعية الاجتماعية والنفسية النقدية المحملة بظلال الحرب الطوبلة وآثارها الغائرة على المجتمع. فينبع السحر الفني لهذه المجموعة من قدرة نصوصها على النفاذ المبكر إلى جوهر الصراع الإنساني فالعنوان «عفن أسود» ليس مجرد عتبة نصية عارضة أو تسمية لإحدى قصص المجموعة فحسب، بل هو استعارة مجازية بليغة تعبر عن التآكل التدريجي الذي اصاب البنية التحتية للقيم والأخلاق، والهشاشة النفسية التي تحيل أحلام البسطاء إلى رماد تحت وطأة الفقر والجهل والقرارات الأبوية القاسية والابتزاز، إلى جانب الفوضى الأمنية والانفلات الأخلاقي الذي أفرزته سنوات الحرب الدامية.
وعلى الصعيد الموضوعي والفكري والثقافي والسياسي، تتجلى المجموعة كوثيقة تشريحية ترصد أزمات العصر وما تمخض عنه واقع الحرب والفوضى من تحولات قاسية في الوجدان الجمعي. اذ تحضر قضايا المرأة والأطفال ومصادرة الحريات الفردية بقوة في النسيج القصصي، حيث تشير الكاتبة ببراعة إلى الظواهر المستحدثة التي بدأت تنتشر وتتوغل في الجنوب العربي بفعل تداعيات الصراع والمناخ الفوضوي؛ فتسلط الضوء على تفشي الفساد الإداري والمالي، وظاهرة الابتزاز الرقمي والمالي، وتجار الحروب، وانتشار الآفات الاجتماعية والانحلال الأخلاقي، فضلا عن التنمر وقمع طاقات الشباب، وتداعي مؤسسات الدولة وظهور القوانين العرفية البديلة. فنرى الكاتبة تسلط الضوء على السطوة الأبوية المستبدة وتصلب الرأي الذي يقمع مواهب الشباب والأبناء كما في قصة "كسر" وقصة "إجهاض"، حيث يتحول الآباء من ملاذ للسكينة إلى مقصلة تجهض الطموحات وتصادر الرغبة في الحياة تحت ضغط الحاجة والعادات المتيبسة. وفي سياق اجتماعي وسياسي أعمق، تفكك الكاتبة ثقافة الظلم والابتزاز وتزويج القاصرات عبر نصوص متسلسلة مثل "عفن أسود' و"زهرة ذابلة و"إعدام مستعجل" و"مجرد صور"، مبرزة كيف يذبح الضحية مرتين: مرة بأيدي العابثين وتجار الفوضى، ومرة أخرى بقسوة المجتمع وأعرفاه الجائرة. ولم تغفل المجموعة مأساة الأطفال وسرقة براءتهم تحت وطأة التهميش والتسرب المالي والتنمر في زمن الحروب، وهو ما تجلى بنصاعة في قصص مثل "اجتياح البراءة' و"الربيع قادم" و"انتصار سخرية"، لتطرح الكاتبة بجهد فكري جاد تساؤلات عميقة حول جدوى القيم الإنسانية حين تعجز عن حماية الطفل والمرأة وذوي الحاجة في مجتمع يعاني ويلات الأزمات والحروب.
أما من الناحية الفنية والبنائية، فقد أظهرت سحر عبد اللاه صالح تمكنا لافتا في إدارة فن القصة القصيرة المعمارية؛ إذ تعتمد أغلب نصوص المجموعة على حركة تصاعدية سريعة ومكثفة تصب بثقلها نحو ذروة الأحداث لتفاجئ القارئ بنهايات صادمة أو مفارقات مؤلمة تخلع الحجب عن المستور. فقد تجنبت الكاتبة الاستطراد المجاني أو الإطالة الترغوية، وركزت على تقنيات القص الحديثة مثل الاسترجاع الفني والمنولوج الداخلي وتيار الوعي، كما في "رسالة واردة" و"مرآة مزيفة"، مما منح الشخصيات غوصا نفسيا عميقا يفسر دوافعها وتخبطها تحت وطأة الصدمات والانكسارات السياسية والاجتماعية. وتتجلى البراعة الفنية أيضا في التوظيف الرمزي المكثف للمفردات والأشياء؛ فليس وجود السكين أو القنينة أو المشنقة والدخان في النصوص مجرد أدوات عادية، بل هي رموز تجسد معاني الانكسار والتشوه والانفلات ومنافذ الموت والتلاشي النفسي للذات المقهورة في أزمنة الحرب الصعبة.
ولغويا وبلاغيا وتعبيريا، نجد أن الكاتبة كسبت الرهان في اختيار لغة فصيحة سلسة، ميسرة وواضحة، تجنبت فيه التقعر المعجمي أو التهويل البلاغي المتكلف، فجاءت كلماتها قريبة جدا من نبض الشارع وهموم الشخصيات البسيطة التي تتخبط في دمار الحرب وآثارها. إلا أن هذا التبسيط لم يحرم النصوص من جماليتها التعبيرية والصور البلاغية الرفيعة؛ فالاستعارات والتشبيهات جاءت محملة بالشحنات العاطفية التي تنقل مرارة التجربة، كالتعبير عن انفجار البركان الداخلي للشخصية، أو وصف ظلام الليل وهو ينطبق قبل أوانه لتجسيد اليأس، أو انطفاء بريق العينين للتعبير عن موت الأمل. كما اتسم الإيقاع التعبيري بالاعتماد المكثف على الجمل الفعلية القصيرة المتلاحقة، وهو ما أضفى حركة زمنية متسارعة وشحنا دراميا يضع القارئ في قلب التجربة المأساوية للشخصية القصصية.
فالإيجابية الكبرى في مجموعة "عفن أسود" تكمن في شجاعتها الأخلاقية والفكريّة والسياسية في نكش المسكوت عنه، والاشتباك المباشر مع الظواهر السلبية الدخيلة على الجنوب العربي مع الفوضى والحرب وواقع الاحتلال دون مواربة، إلى جانب النجاح الفائق في تكثيف المادة القصصية والاحتفاظ بالبعد الإنساني والإصلاحي الذي لا يغلق الأبواب تماما أمام الأمل رغم قسوة اللوحة الموصوفة. إلا أنه ومن باب النقد البناء الناشد للكمال الأدبي، تجدر الإشارة إلى أن بعض النصوص كادت أن تقع في مصيدة المباشرة والوعظ التعليمي الشفاف في نهاياتها بدلا من ترك المسافة التأويلية مفتوحة لتأمل القارئ. كما يلاحظ القارئ وجود بعض الهنات والسهوات الإملائية والمطبعية التي استقرت في بعض الصفحات وكانت تتطلب تدقيقا لغويا أكثر صرامة قبل إخراج العمل للطباعة. أضف إلى ذلك أن غلبة النبرة السوداوية الفاجعة على معظم قصص المجموعة قد تشعر القارئ أحيانا بوطأة التكرار الشعوري، وكان بإمكان الكاتبة توظيف التنويع في الأسلوب بدمج السخرية السوداء أو الأمل المتدرج لمنح التجربة غنى دراميا أوسع. وختاما، تحل مجموعة "عفن أسود" كعلامة سردية متميزة في المشهد الأدبي الجنوبي، تجسد صوتا أدبيا أنثويا وإنسانيا يمتلك الأدوات الفنية والجرأة الفكرية للغوص في أعماق المأساة البشرية والاجتماعية في أزمنة الحرب والاحتلال، وتقديمها في قالب قصصي متماسك يجمع بين حرارة القضية وجماليات الفن السردي.