كتابات وآراء


الجمعة - 19 يونيو 2026 - الساعة 10:46 م

كُتب بواسطة : علي سيقلي - ارشيف الكاتب




لم تعد "ثورة الفرشان" مجرد احتجاج عابر على انقطاع الكهرباء أو تدهور الخدمات في عدن، بل تحولت إلى مشهد سياسي ثقيل الدلالة، يطرح أسئلة أكبر من ساعات الإطفاء وأعمق من أزمة الوقود.
حين خرج المواطنون إلى الشوارع حاملين فرشهم وأغطيتهم هرباً من حر المنازل التي تحولت إلى أفران، لم يكونوا يحتجون على مؤسسة كهرباء أو وزارة عاجزة فحسب، بل كانوا يوجهون رسالة إلى كل القوى التي قدمت نفسها طوال السنوات الماضية باعتبارها راعية للمشهد في المناطق المحررة. وقد برزت السعودية في مقدمة هذه القوى بحكم نفوذها السياسي والعسكري ودورها المباشر في إدارة الملف اليمني.
المفارقة أن عدن، التي قيل إنها نموذج للاستقرار بعد الحرب، أصبحت اليوم عنواناً لمعاناة يومية تتكرر بصورة تكاد تكون مهينة لكرامة الإنسان. فالمواطن الذي صبر سنوات على الحرب، لم يكن يتوقع أن يجد نفسه بعد كل تلك التضحيات يفترش الأرصفة بحثاً عن نسمة هواء.
هنا تكمن خطورة "ثورة الفرشان". فهي لا تستهدف حكومة بعينها بقدر ما تضع المنظومة السياسية بأكملها أمام مرآة الواقع. والواقع يقول إن الوعود الكبيرة لم تتحول إلى خدمات، وأن المليارات التي أُعلن عنها لدعم الاقتصاد والكهرباء لم تنجح في بناء نموذج مختلف يشعر به الناس في حياتهم اليومية.
بالنسبة للسعودية، فإن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد احتجاجات خدمية. فالمملكة التي استثمرت الكثير من نفوذها ومواردها في الملف اليمني تجد نفسها أمام سؤال محرج ومهين: كيف يمكن الدفاع عن نجاح أي مشروع سياسي بينما المواطن في العاصمة ينام في الشارع هرباً من الحر؟
ليست المشكلة في أن الناس غاضبون، فالغضب طبيعي عندما تتراكم الأزمات. المشكلة أن هذا الغضب بدأ يتحول إلى قناعة عامة بأن الفشل لم يعد استثناءً بل أصبح قاعدة. وعندما يصل الشارع إلى هذه المرحلة، فإن أي قوة داعمة للسلطة القائمة ستجد نفسها تلقائياً في دائرة الاتهام الشعبي، سواء كانت مسؤولة مباشرة أم لا.
لهذا تبدو "ثورة الفرشان" لعنة سياسية أكثر منها أزمة خدمية. فهي تكشف الهوة بين الخطاب والواقع، وبين الوعود والنتائج، وبين النفوذ الهائل الذي تمارسه اللجنة الخاصة وبين العجز عن توفير أبسط مقومات الحياة للناس.
وقد يكون أخطر ما في هذه الثورة أنها بلا قيادة، وبلا شعارات أيديولوجية، وبلا أجندة حزبية. إنها صرخة مواطن أنهكه الانتظار. والاحتجاجات التي يولدها الجوع والحر والظلام تكون عادة أكثر صدقاً وأشد تأثيراً من تلك التي تصنعها الأحزاب والمنصات الإعلامية.
في النهاية، لا تشكل "ثورة الفرشان" تهديداً للسعودية بقدر ما تمثل جرس إنذار لها. فاستمرار الأوضاع على هذا النحو لا يضر بالحكومة وحدها، بل يستهلك رصيد كل من ارتبط اسمه بالمشهد القائم. وحين يصبح المواطن عاجزاً عن العثور على كهرباء أو ماء أو حياة كريمة، فإن الأسئلة التي يطرحها الشارع تكون أقسى من أي خطاب سياسي، وأبلغ من أي بيان رسمي.
لقد خرج الناس بفرشهم بحثاً عن الهواء، لكنهم في الحقيقة أخرجوا إلى العلن أزمة أعمق بكثير: أزمة ثقة تتسع يوماً بعد آخر، وقد لا تستطيع أي قوة إقليمية أو محلية احتواء نتائجها إذا استمرت الأسباب التي أشعلتها.
عنوان بديل أكثر قوة:
ثورة الفرشان.. حين تحاصر الكهرباء نفوذ السعودية في عدن
ثورة الفرشان.. احتجاج على الظلام أم محاكمة لسنوات الوصاية؟
الفرشان في الشوارع.. والأسئلة المحرجة تلاحق الجميع
عدن تفترش الأرصفة.. وثورة الفرشان تطرق أبواب الرياض
ثورة الفرشان.. غضب الخدمات يتحول إلى أزمة سياسية مفتوحة.