كتابات وآراء


الإثنين - 08 يونيو 2026 - الساعة 07:44 م

كُتب بواسطة : د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب



في قلب العاصفة التي تعصف بجنوبنا العربي، حيث تتلاطم أمواجُ المصالح الضيقة بسفينة الحلم الذي طالما راود أبناء هذه الأرض، نقف اليوم أمام مفترق طرقٍ وجوديٍّ لا يقبل المساومة ولا يحتمل أنصاف الحلول. فالمشهد اليوم، كما يُعَدُّ له ويتراءى للمتابع، يتجاذبه قطبان: مشروعٌ وطنيٌّ صامد، يستمد جذوته من إرادة شعبٍ أبيٍّ، وآخرُ يُراد له أن يكون بديلًا يُنسج في غرفٍ مغلقة، ويُقدَّم على أنه المسار الجديد الذي يحتضن التنوع؛ لكنه في جوهره التفافٌ مقصود على الإرادة الواحدة التي تشكل صمام الأمان لقضية شعب الجنوب برمتها.

منذ اللحظة الأولى التي انبثق فيها المجلس الانتقالي الجنوبي، لم يكن مجرد كيان سياسي يُضاف إلى قائمة الكيانات، بل كان تجسيدًا عضويًّا لتطلعات شعبٍ خرج عن وعيه التاريخي، ورسم بدماء أبنائه وتضحيات أمهاته وآلام أطفاله طريقًا لا لبس فيه نحو استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة. وقد ارتكز هذا المشروع، منذ تأسيسه، على تفويضٍ شعبيٍّ كان ولا يزال ركيزته التي لا تهتز. وهذا التفويض الشعبي لم يكن تفويضًا نظريًّا تُحصده صناديقُ مستوردة، بل كان ميثاقًا حيًا نطق به الشارع الجنوبي في كل ساحة، وهتف به في كل وادٍ وجبل، من الضالع إلى أبين، ومن شبوة إلى حضرموت، ومن عدن الباسلة إلى المهرة الأبية. هذا التفويض هو الإرادة الشعبية الجنوبية، الكتلة الصلبة التي لا تلين، والبوصلة التي لا تخطئ طريقها نحو فجر التحرير.

ثم جاءت المكونات السياسية الجنوبية، مناضلةً كانت أو متحولة، لتنخرط في هذا المشروع التحرري، لا بصفتها كياناتٍ فوقية تمنح الشرعية من عليائها، بل بوصفها روافدَ تصب في نهر الإرادة الشعبية الجارف. ويصبح الاحتكام إلى ميثاق شرفٍ وطني هو الضابط الوحيد لإيقاع هذا التنوع السياسي؛ ميثاقٌ ينص في مادته الأولى والأخيرة على أن الهدف الأسمى هو استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة، دولة النظام والقانون، دولة المواطنة المتساوية التي تذوب فيها كل الانتماءات الحزبية والفئوية في بوتقة الهوية الجنوبية الواحدة. وفي هذا الإطار، تحول التنوع السياسي من مصدر تشظٍّ محتمل إلى قوة دفع هائلة، مصوبة جميعها نحو هدفٍ واحدٍ واضح، وصار المشروع محميًّا بإرادة الشعب، وهكذا استقامت المعادلة الصعبة: وحدة الهدف في إطار تنوع الوسائل.

إن هذا المشروع الوطني، في صمته العميق، ليس مشروعًا ثرثارًا يلهث خلف البيانات والتسريبات الإعلامية، بل هو مشروعٌ صامتٌ كصمت الجبال الشامخة، هادرٌ كهدير البحر العربي حين يثور. مشروعٌ يستمد صلابته من الميدان الجنوبي، من تضحيات الشهداء الذين رووا بدمائهم الزكية تراب كل شبر من أرض الجنوب، ومن أرض الجنوب من المهارة شرقًا إلى باب المندب غربًا التي صارت هي الخارطة والحدود والمرجع. وبهذا أصبحت شرعية الدم والتراب هي التي لا تدانيها شرعيةٌ أخرى، لا شرعية التوافقات السياسية المؤقتة، ولا شرعية اي رعاية إقليمية.

غير أنه في خضم هذا الوضوح، يبرز المسار الجديد الذي تحتضنه الرياض، وكأنه محاولة لإعادة اختراع العجلة، أو لنقل، إعادة رسم خارطة الطريق بحبرٍ قد يمحو معالم الطريق نفسها. ويُطرح هذا المسار على أنه يمثل التنوع الجنوبي من خلال آليات تمثيل جديدة، تفتت المجلس الانتقالي المكونات والقوى المنضوية فيه على مقاسٍ سياسيٍّ يُراد منه إنتاج شرعية جديدة موازية. وهنا تكمن الخطورة الوجودية: إن محاولة تجاوز الإرادة الشعبية الجنوبية، التي هي صمام أمان الاحتكام، هي محاولة للقفز على مائدة المفاوضات من النافذة، تاركين الباب الذي دخل منه الشعب موصدًا، ويصبح تجاوز هذه الإرادة الموحدة، بحجة تنظيم التعددية والتنوع، لا يفضي إلى وحدة في إطار التنوع، بل يُطلق العنان للتنوع الأيديولوجي والانتماءات السياسية كي ترتد على ذاتها، فتصبح أكثر تشظيًّا، وأكثر شهيةً مرضية للتجزئة والاقتتال على فتات التمثيل والحصص.

وهنا تحدث المأساة بعينها: إذ يتحول التنوع من أداة إثراء وقوة دافعة إلى مطيةٍ لتجزئة الهدف الوطني ذاته. فالهدف الذي ناضل من أجله الشعب الجنوبي بكل وضوح، وهو التحرر واستعادة الدولة كاملة السيادة، يصبح فجأة هدفًا غير مصمم، بل أهدافًا متعددة بتعدد الأطراف والمصالح الضيقة. يدخل الجنوب، الذي طالما تماسك بوعيه الشعبي الجمعي واستمد صلابته من وحدة إرادته التي لا تقبل القسمة، في نفقٍ مظلم من التيه. وهذا التيه يصبح هو مسار التنازع حول تعددية الهدف، حيث تتحول الانتماءات الحزبية والشخصية والإقليمية الصغيرة إلى غاياتٍ في حد ذاتها، وتذوب الغاية الوطنية العظمى في خضم صراع المصالح.

إن الخطر الداهم يكمن في أن هذا المسار الجديد، بمنطق تجاوز الإرادة الشعبية، يجعل المشروع الجنوبي التحرري يسير نحو التفكك لا التماسك. وهذه المحاولات التفكيكية صارت مقصودة، لتستهدف نزع الصلابة عن المشروع، عبر مصادرته من قاعدته الشعبية، وتحويله إلى مجموعة من النخب السياسية المنفصلة عن الواقع، والمتنازعة على تمثيل شعبٍ لم يعد يُسأل عن رأيه. ويصبح بناء أي كيان سياسي بلا قاعدة تستمد قوتها من صلابة الإرادة الشعبية والأرض الجنوبية هو بناءٌ على الرمال المتحركة، سرعان ما ينهار عند أول امتحان حقيقي، تاركًا الشعب فريسة لليأس والانقسام والضياع.

ومن هنا فالتاريخ، لا يرحم من يلتفتون إلى الخلف، ولا من يبددون إرث التضحيات على مذاهب التوافقات الهشة. وإن شعب الجنوب، الذي صنع ملحمته بإرادة واحدة، وصاغ مشروعه بدماء واحدة، لن يسمح لأحدٍ، أيًا كان، أن يحرفه عن مساره، أو أن يُلبس التنوع التائه لبوس الشرعية الجديدة. إن البوصلة ما زالت تشير إلى الهدف ذاته، والطريق ما زال ممهدًا بتلك الإرادة الصلبة التي هي أقسى من الصخر، وأمضى من السيف. وكل محاولة للالتفاف عليها ليست سوى حفرٍ في الماء، وسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. ومن هنا نحذر حملة المشروع الوطني، أن تضيع البوصلة في زحمة الأصوات التي تدعو إلى التنوع بهدف التشظي مذكرين أن الإرادة الشعبية هي الميدان، وهي الأرض، وهي القدر الذي لا مفر منه وأن يحذروا تلك الأصوات من أن لا يكونوا سببًا في إدخال المشروع الجنوبي التحرري في دوامة التيه والتشظي.