كتابات وآراء


الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 09:04 م

كُتب بواسطة : بلعيد صالح محمد - ارشيف الكاتب




إن أخطر أشكال الانحياز للظلم تحويل الضحية إلى متهم، فعندما يُلام المظلوم لأنه عبّر عن ألمه و يُعفى الظالم من الاعتذار أو مراجعة تصرفاته عن دماء سفكها بغير سبب إلّا الطمع في نهب ثروات بلادها ، تتحول القضية من قضية إنصاف المظلوم، إلى إدارة مظلوميته بالصمت مراعاة لمشاعر الظالم وفي شريعتنا الإسلامية أقر الإسلام للمظلوم الحق في التصريح بمظلمته ورفع صوته ولو استدعى الأمر الجهر بالسوء وهذا خاص بالمظلوم فقط ، فقال الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء 148] ، فجعل للمظلوم استثناءً يبيح له أن يكشف ما وقع عليه من ظلم، وأن يطالب بحقه، وأن يروي روايته للأحداث دون نفاق أو خوف ؛ وهذا ما ورد أمس في مهرجان الهجر بيافع في كلمة المرجعية الجنوبية الشيخ عبدالرب النقيب، ولا قت تايبد السواد الأعظم من أحرار العالم ولكنها لم تسلم من همزات وغمزات أهل الباطل ؛ فمن حق المظلوم أن يطالب بالاعتراف بالخطأ قبل الحديث عن أي حوار أو مصالحة، بل أن الاعتذار واجب أخلاقي يفترض أن يبار به الظالم دون طلب من أحد فذلك يرد بعض من الاعتبار لمن أصابه الظلم وأي ظلم أثقل على قلب الإنسان السوي مما تعرضت له قواتنا الجنوبية وشعبنا الجنوبي مطلع العام 2026 م من قبل سلاح الجو السعودي وبمعاونة الطيران الباكستاني والعماني، بالإضافة إلى المليشيات الشمالية الغازية٠

وقد أدرك سلف الأمة والعظماء هذه الحقيقة، فلم يروا في الاعتراف بالخطأ أي انتقاص من مكانتهم، ويكفينا أن نتذكر ما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال ((أصابت امرأة وأخطأ عمر)) فازداد قدره ولم ينقص من هيبته شيء؛ فالكبار لا يخشون الاعتراف بأخطائهم، وإنما يخشونه أولئك الذين تضعف نفوسهم أمام الحقيقة٠
كما أن من حق المظلوم أن يذكّر الظالم بالوقائع التي يحاول تجاهلها، وأن يسأله كيف اشتد بأسك على من دافع عنك ذات يوم و أحسن إليك فضربته وهو آمناً في أرضه ، بينما تراخيت وتعاملت باللين مع من أساء إليك وضرب مصالحك في عقر دارك ؟ وكيف وجدت القسوة على الحليف الضعيف، بينما عجزت عن إظهارها أمام العدو القوي؟ فمثل هذه الأسئلة ليست إساءة أو سخرية لكنها محاولة لإيقاظ الضمير وكشف الخلل الأخلاقي الذي يجعل القوة حق والضعف تهمة؛ ولو تعامل العالم بتلك القاعدة لكان من حق أي قوي أن يمزق أشلاء آل سعود كما مزق إل سعود أجساد رجالنا في حضرموت ٠
كما أن من حق المظلوم أن يدعو على من ظلمه إذا ضاقت به السبل، فقد جُبلت النفوس على طلب الإنصاف حين تعجز عن انتزاعه ، وليس أشد على الظالم من أن يعلم أن بينه وبين دعوة المظلوم باباً إلى السماء لا تغلقه الأموال ولا النفط٠
لقد طلب الشيخ عبدالرب النقيب من محمد بن سلمان الاعتراف بالخطأ وهذا الاعتراف لا يُنقص من قدر الأفراد ولا من مكانة الأمم، بل يرفعها، أما المكابرة فلا تمحو الظلم، وإنما تؤجل مواجهته٠

ولقد علمنا التاريخ أن كثير من الطواغيت والجبابرة لم يسقطوا لأن خصومهم كانوا أقوى منهم، بل لأنهم أصروا على إنكار أخطائهم ورؤية أنفسهم أبرياء دائماً ، كما يفعل آل سعود الذّين يظنون أنهم يستحقون الشكر على كل جُرم فعلوه٠

أعود وأقول لمن حاول أن ينتقد كلمة الشيخ النقيب في مواقع التواصل، لقد نطق الشيخ عبدالرب النقيب بلسان كل جنوبي بل وكل مسلم وعربي حر، وليس من حق المتبنكسين أو متراخي الأحزمة _ كما وصفهم النقيب أمس_ أن يطالبوا المظلوم بالسكوت بحجة الحكمة أو المصلحة أو الحفاظ على العلاقات؛ فالعلاقات السيمة لا تكون عندما يصمت المظلوم، بل عندما يعترف الظالم بخطئه؛ أما مطالبة الجريح بإخفاء ألمه حتى لا ينزعج من جرحه، فليست حكمة ولا من الأخلاق، بل صورة أخرى من صور الظلم ؛ والعار ليس في الشكوى من الطعنة ، بل في الانزعاج من صوت المطعون ومطالبته بإنكار وجود الطعنة نفاقاً ومراعاة لمشاعر الظالم٠