السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 07:24 م
في دهاليز السياسة، حيث تُنسج الخيوط على مهل، وحيث تُدق الأسافين في جسد القضايا العادلة بخنجر المساومات، يبرز مشهد جنوبي جديد لا يخلو من غرابة الموجع ومرارة المستفز؛ مشهد لم يعد يحتمل التأويل ولا التورية، بل صار مكشوفًا كجرح في خاصرة الحقيقة، عنوانه العريض: الإساءة إلى رمز التفويض الشعبي والمجلس الانتقالي الجنوبي صارت شرطًا من شروط الولاء، ومعيارًا من معايير الظفر بالوظيفة القيادية.
إنها السياسة الواقعية التي تنتهجها الرياض في الملف الجنوبي؛ سياسة لم تعد تختبئ خلف ستائر الدبلوماسية الناعمة، بل خرجت إلى العلن في أقسى تجلياتها، عابثةً بالشأن الجنوبي سياسيًّا وعسكريًّا، متلاعبةً بتفاصيله الدقيقة، ومحاولةً بكل ما أوتيت من نفوذ ومال أن تعيد تشكيل الواقع الجنوبي وفق مصالحها الضيقة، ولو كان الثمن اغتيال الحلم الجنوبي في مهده.
لم يعد خافيًا على متابع أن ثمة مسارًا سعوديًّا مرسومًا بدقة، يحاول احتواء الموقف الجنوبي، لا من باب الاعتراف بحقوقه في استعادة دولته، بل من باب تدجينه وترويضه ليكون ورقة تفاوضية في مساومات الحل السياسي مع قوى اليمن في الشمال. وفي هذا المسار، لم تكتفِ الرياض بتحريك أدواتها التقليدية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، إلى حد جعل الإساءة إلى الرئيس عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، معيارًا للولاء، وسبيلًا للارتقاء في سلّم المناصب.
ومن هنا، لم يعد الموضوع مجرد تصريحات طائشة هنا أو هناك، بل صار نهجًا ممنهجًا يُفرض على بعض المنخرطين في المسار السعودي فرضًا. فمن أراد وظيفة قيادية في أجهزة الدولة، فعليه أولًا أن يثبت عداءه للمشروع الجنوبي التحرري، وأن يُدنِّس لسانه بالإساءة إلى رمز التفويض الشعبي، وكأن الرياض تريد أن تقول للجنوبيين: إن أردتم الخدمات فاطرحوا كرامتكم عند أعتابنا، وإن أردتم المناصب فانزعوا من قلوبكم حب قادتكم.
المشهد لا يتوقف عند حدود الإساءة الشخصية أو السياسية، بل يتجاوزها إلى سياسة الاحتقان المدروس. فالرياض تدرك تمامًا أن وعود تحسين الخدمات وتخفيف معاناة المواطن الجنوبي هي الورقة الأكثر تأثيرًا في الشارع المنهك من ويلات الحرب والانهيار الاقتصادي؛ لكنها، وبدلًا من أن تجعل من هذه الوعود حقًّا يُصان وواجبًا يُؤدى، جعلتها رهينةً بمواقف سياسية محددة، وثمنًا يُدفع من رصيد الكرامة الوطنية.
هكذا، صار المواطن الجنوبي بين فكّي كماشة: من جهة، حلم استعادة دولته وهويته وسيادته، ومن جهة أخرى، واقع معيشي مرير يُدفع ثمنه من لحمه الحي. وبين هذا وذاك، تقف الرياض تلعب على الوترين: تُغذي الاحتقان تارة، وتُلوّح بالحلول تارة أخرى، شريطة أن يُسلّم الجنوبيون بأن حلم دولتهم ليس أكثر من حلم عابر يمكن التخلّي عنه في أي لحظة.
وفي خضم هذا المشهد المأساوي، يبرز صوت بعض المنخرطين المراهقين سياسيًّا، أولئك الذين ظنوا أن الطريق إلى الرياض يمر عبر الإساءة إلى الرئيس عيدروس الزُبيدي والمجلس الانتقالي. وبهذا، فإن الفئة التي أغرتها المناصب والوعود البراقة، تجدهم مسرعين في ركوب موجة مسار الرياض، مطلقين العنان لألسنتهم وأقلامهم، يهرفون بما لا يدركون، ويظنون أنهم بهذا يسجلون نقاط ولاء، ويُثبتون جدارتهم بالثقة.
لكن ما لا يدركه هؤلاء أنهم ليسوا سوى أدوات مؤقتة في لعبة أكبر منهم؛ لعبة لا تعترف بالولاءات الهشة، ولا تقيم وزنًا لمن لا أصل له في أرضه. وهم يظنون أنهم بهذا يبنون مستقبلهم على أنقاض قضية شعب الجنوب، لكن الحقيقة المرة أنهم يبنون سرابًا، وأن الرياح التي هبت من الشمال سرعان ما قد تقتلع خيامهم الواهنة.
إن استهداف الرئيس عيدروس الزُبيدي ليس استهدافًا لشخصه فحسب، بل هو استهداف لكل ما يمثله من رمزية نضالية، وتفويض شعبي، وإجماع جنوبي نادر. وبهذا أصبحت محاولاتهم مكشوفة لإسقاط الرمز من قلوب الناس، تمهيدًا لإسقاط قضية شعب الجنوب برمتها. فالرياض تدرك جيدًا أن قوة المجلس الانتقالي لا تكمن فقط في تنظيمه أو كوادره، بل في التفافه الشعبي حول قيادته، وفي قدرة هذه القيادة على التعبير عن تطلعات الجنوبيين في استعادة دولتهم كاملة السيادة.
ولذلك، فإن كل إساءة تُوجّه إلى الرئيس الزُبيدي، وكل محاولة للنيل من شعبيته، إنما هي طعنة في خاصرة الحلم الجنوبي، وسهم مسموم يُطلق على مستقبل الجنوب وأبنائه. ومن هنا، فإن من يشاركون في هذه الحملة المغرضة، سواء عن قصد أو عن جهل، إنما يضعون أنفسهم في خانة الخصومة مع شعب بأكمله؛ شعب قدّم التضحيات الجسام، وما زال يُعاني من الظلم والتهميش، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن حلمه في الحرية والاستقلال.
إن ما يجري في الجنوب اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل هو معركة وجود ومصير؛ معركة بين إرادة شعب توّاق إلى دولته، وقوى إقليمية تريد إعادة رسم خريطة المنطقة وفق مصالحها. وفي هذه المعركة، لا يمكن للجنوبيين أن يقفوا متفرجين، ولا يمكنهم أن يسكتوا على إهانة رموزهم وقياداتهم.
لقد بلغ العبث السياسي السعودي في الشأن الجنوبي مرحلة لا تُحتمل معها الصمت، وصارت الإساءة إلى رمز التفويض والمجلس الانتقالي معيارًا للولاء والمناصب، في استفزاز صارخ للإرادة الشعبية الجنوبية. آن الأوان للجنوبيين جميعًا، قيادةً وقاعدة، ونخبةً وجماهير، أن يرفعوا الصوت عاليًا، وأن يقولوا كلمتهم بوضوح: لا تفريط في قضية الشعب، ولا مساومة على الحلم، ولا قبول بإهانة الرموز، مهما كانت المغريات، ومهما بلغت الضغوط.
فالتاريخ لا يرحم من يفرّط في أحلام شعبه، والمستقبل لا يصنعه إلا من تمسكوا بحقهم، ودافعوا عن كرامتهم، ورفضوا أن يكونوا مجرد بيادق في لعبة الآخرين.