كتابات وآراء


الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 09:53 م

كُتب بواسطة : علي سيقلي - ارشيف الكاتب



في عدن، المدينة التي لا تُجيد الهمس حين يتعلق الأمر بالكرامة، خرج الناس اليوم كما لو أنهم يستعيدون صوتهم من بين الركام، لا ليجددوا تفويضًا فحسب، بل ليعيدوا رسم حدود المعنى بين الإرادة والوصاية.
لم تكن “مليونية تجديد التفويض” مجرد حشد عابر، ولا فعالية تُضاف إلى أرشيف المناسبات، بل كانت، بكل وضوح، رسالة سياسية مكثفة، مكتوبة بلغة الشارع الجنوبي، وممهورة بتوقيع الناس البسطاء الذين سئموا أن تُقرأ قضيتهم من خارج سياقها.
في الساحات، حيث اختلط الغضب بالأمل، ارتفعت شعارات لا تحتاج إلى تأويل: لا جنوب على مقاس أحد، ولا وصاية مهما كان عنوانها، ولا شراكة تُفرض بالقوة أو تُدار من خلف الحدود.
كان الحضور لافتًا ليس بعدده فقط، بل بوضوح خطابه. فالجنوبيون، وهم يجددون تفويضهم للرئيس عيدروس الزبيدي، لم يكونوا يمنحون صكًا مفتوحًا، بقدر ما كانوا يحددون سقفًا سياسيًا جديدًا: دعم القيادة، نعم… لكن دون التنازل عن القرار السيادي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا فهمت السعودية من هذا المشهد؟
هل قرأت الرسالة كما كُتبت؟ أم أنها، كعادتها، ستبحث عن نسخة مترجمة بلغة أخرى تناسب حساباتها؟
فالمليونية، في جوهرها، لم تكن ضد أحد بقدر ما كانت ضد فكرة “إعادة تشكيل الجنوب” وفق مقاسات خارجية. كانت تقول ببساطة: الجنوب ليس مشروعًا قيد التعديل، ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
الرسالة الأخرى، الأكثر حساسية، كانت تتعلق بملف الوجود السعودي. فالهتافات التي طالبت باحترام إرادة الجنوبيين، لم تكن وليدة لحظة انفعال، بل نتاج تراكم طويل من الشكوك، ومن شعور متزايد بأن “الدور المؤقت” بدأ يتحول إلى واقع دائم.
وهنا، تصبح الكرة في ملعب الرياض: إما أن تُثبت حسن نيتها بالفعل لا بالبيانات، عبر إعادة الأمور إلى نصابها واحترام خصوصية الجنوب وإرادة أهله، أو أن تستمر في سياسة “الإنصات الانتقائي”، وهي سياسة لم تعد تقنع أحدًا.
عدن اليوم لم تكن مجرد مدينة مزدحمة، بل كانت نصًا سياسيًا مفتوحًا، قرأه الجميع، كلٌ بطريقته.
لكن الفرق أن من كتب هذا النص، هذه المرة، لم يكونوا الساسة ولا المحللون، بل الناس.
الناس الذين قالوا، ببساطة شديدة: نحن هنا… وهذا جنوبنا، ولن يكون على مقاس أكبر كبير.

إنتهى