كتابات وآراء


الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 11:24 م

كُتب بواسطة : علي سيقلي - ارشيف الكاتب



في كل مرحلة مضطربة، لا يتقدم المشهد الأقوياء ولا الأكثر وعياً، بل أولئك الذين يجيدون الوقوف في “المنطقة الرمادية”… حيث لا لون واضح، ولا موقف ثابت، فقط قابلية عالية للتلون حسب اتجاه الريح. هؤلاء هم الإنتهازيون؛ الكائنات التي لا تؤمن بشيء، لكنها تجيد الظهور وكأنها تؤمن بكل شيء.
الإنتهازي لا يبدأ يومه بسؤال: ما الصحيح؟
بل بسؤال أكثر عملية: أين المصلحة اليوم؟
فإن كانت مع السلطة، أصبح من سدنتها، يكتب لها ما لا تجرؤ هي على قوله.
وإن مالت الكفة لخصومها، تحوّل فجأة إلى ثائر قديم، يروي بطولات لم يعشها، ويُقسم أنه كان أول من حذر وآخر من صمت.
هو لا يكذب بالمعنى التقليدي، بل يعيد ترتيب الحقيقة بما يناسب موقعه الجديد.
ذاكرته مرنة… بشكل مريب.
ومبادئه قابلة للتحديث… دون إشعار مسبق.
تجده في الصفوف الأولى عند توزيع الغنائم، وفي الصفوف الخلفية عند استدعاء المواقف.
يتقن لغة الشعارات حين يكون الهتاف مربحاً، ويتقن الصمت حين يصبح الكلام مكلفاً.
يصفق بحماس… لا لأنه مقتنع، بل لأنه يعرف متى يجب أن يُسمع صوته.
الإنتهازي لا يصنع حدثاً، لكنه يتقن القفز فوقه.
لا يدافع عن قضية، لكنه يستثمر فيها.
وإذا خسر الجميع، تأكد أنه سيخرج من بين الركام بشيء ما… منصب صغير، علاقة نافعة، أو على الأقل “موقف” يعاد بيعه لاحقاً.
المفارقة أن الإنتهازي غالباً ما يتحدث بلغة الأخلاق، ويُكثر من مفردات “الوطن”، “المسؤولية”، و”المرحلة الحساسة”.
لكن هذه الكلمات عنده ليست قناعة، بل أدوات… تُستخدم عند الحاجة، وتُهمل عند انتهاء الغرض.
في المجتمعات التي تمر بأزمات، يزدهر هذا النوع من البشر.
ليس لأنه الأقوى، بل لأنه الأقل التزاماً.
فالالتزام عبء… بينما الانتهازية مهارة خفيفة، لا تتطلب سوى قلبٍ بارد، ووجهٍ قابل للتبديل.
والخطر الحقيقي لا يكمن في وجودهم، بل في اعتيادهم.
حين يصبح الإنتهازي “شخصاً طبيعياً”، لا يُستنكر فعله، ولا يُسأل عن ماضيه، ولا يُحاسب على تناقضاته… هنا فقط، تتحول الانتهازية من سلوك فردي إلى ثقافة عامة.
ثقافة تُكافئ من يبدل جلده، وتعاقب من يثبت على موقفه.
تُلمّع من ينجو، وتسخر ممن يدفع ثمن قناعاته.
وعندها، لا يعود السؤال: من هو الإنتهازي المتبنكس؟
بل:
من لم يصبح كذلك بعد؟
وفي الختام…
لا داعي لإرهاق أنفسنا بكثرة التحليلات، فالمعادلة أبسط مما نتصور:
من استلم ال “Pocket money" فقد استلم معه البوصلة.
ولهذا، نسمعهم يرددون—بخشوع وركوع يليق بحجم الإكرامية—أن الحل لا يمكن أن يكون إلا "هناك"، حيث تُفصَّل الأزمات على مقاس الحلول، وبنكس سد الحنك.