اخبار وتقارير

الخميس - 18 أغسطس 2022 - الساعة 10:23 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / رصد / د.الربيعي


نشر الدكتور فضل الربيعي رئيس مركز مدار للدراسات والبحوث  الخاص بالدراسات والتحليلات السياسية  ملخص دراسة تحليلية عن اسباب ومؤثرات فشل الوحدة بين الجنوب والشمال.


نص الدراسة التحليلية :

الوحدة التي اعلن عنها بين الدولتين اليمنيتين لم تستند على الاسس والمنطلقات العلمية ومن ثم لم تستطيع ان تكون وحدة قابلة للاستمرار، فمنذ توقيع القيادتين السياسيتين في البلدين في 30 من شهر نوفمبر 1989 على اتفاقية الوحدة وحتى قيام الحرب التي قضت على المشروع الوحدوي تماما في 1994م، تم اجتياح الجنوب بالقوة العسكرية، وجرت في الواقع أحداث دراماتيكية متسارعة ومتعجلة لم يفُهم معناها؟ واقل ما يمكن القول عنها بأنها ممارسات انتغامية عبثية غير مسؤلة حصيلة لمؤامرات داخلية وخارجية، اوقعت الجنوب ضحية ثلاث قوى هي : ( صراع الحرب البادرة / الفكر القومي، والفكر الإخواني / اطماع القوى التقليدية ) .
حيث ان الوحدة لم تستند على اُسس علمية ومعطيات واقعية، وهذا الواقع كان بالضرورة لابد ان يؤدي إلى الفشل المتوقع للوحدة.
إن الطريقة التي تم بموجبها اعلان الوحدة قد وضعتها في إشكال بنيوي كبير ، بدا هذه الإشكال منذ اعلانها ولازم المرحة الانتقالية التي واجهت تحديات وكوابح كبيرك أعاقت دمج مؤسسات، الدولتين، واستمر معها في تصاعد مضطرد زاد من عمق الاختلاف بين طرفي الوحدة بعد خديعة انتخابات 1993م و اعلان الحرب على الجنوب بعد مرور اقل من سته أشهر من الانتخابات.
إن هذا الإشكال الذي واجه مشروع الوحدة يعود إلى طبيعة التباين الواضح بين مقومات الوحدة في المجتمعين والدولتين، والدوافع التي قامت على أساسها فكرة الوحدة المرتبط بتباين مواقف القيادتين السياسيتين في البلدين. وهو الامر الذي سرع من تصاعد الخلافات الكبيرة بين قيادتين سياسيتين متباينتين في المنهج السياسي والاقتصادي والفكر، والتباين الثقافي بين الشعبين .الذي تم اخفاء عوامل التباين هذه عند اعداد ما سمي بوثقية الوحدة التي لم تتجاوز صفحة ونصف.
إن طبيعة التباين والاختلاف،كان لابد أن يكون محور وضع اسس الوحدة، فغياب ذلك أدى إلى أزمة الوحدة التي انتهت بالفشل.
فبسبب فشل الوحدة ظهرت قضية الجنوب ومع الاسف الشديد لم يتم التفهم لها ليس على صعيد الداخل اليمني فحسب بل حتى لدى
البعض من النخب السياسية والفكرية في الوطن العربي بعا مة ، وقلما نجد من بحث المشكلة من المنظور العلمي ، بل ظلت كل الكتابات تدور في اطار التناول السياسي السطحي المشحون بالعواطف وهاجس الوحدة والتوحد، التي غذاها الخطاب السياسي القومي والشوفيني، دون الامعان بمقومات الوحدة اليمنية وعلاقة تلك المقومات بما تحقق على أرض الواقع، وربطها بدوافع القوى السياسية في تلك الفترة..
ونظراً لاختلاف الرؤى وتباين التحليلات حول محددات وأهداف الوحدة اليمنية وقصورها، فأننا هنا سوف نتناول ذلك من منظور علمي يبحث في خلفيات العلاقة بين مقومات الوحدة اليمنية ودوافع قيامها ونتائجها والأهداف الحقيقية الكامنة وراء الفعل السياسي الظاهري للقيادتين السياسيتين في الدولتين وتفسر القرارات التي تم اتخاذها لإعلان قيام الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو عام 1990 من منظور ما جاءت به نظريات الوحدة، ونظرية التكامل، وما يرتبط بهما من مفاهيم وأطروحات نظرية لقيام اي وحدة وايجاد والتكامل بين الدول .
هذه النظريات التي اهتم بها العديد من الباحثين في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية ، بوصفها أفضل المناهج التي تؤدي بالدول إلى الوحدة والتكامل، ونبذ الصراعات السياسية والعسكرية ، خاصة بعد أن واجه العالم حربين كونيتين والعديد من الحروب والصراعات الإقليمية والأهلية ذات الأبعاد الدولية.
إذ ظهرت نظريات التكامل التي تشير إلى أن الوحدة بين الدول لا تتحقق إلاّ من خلال بوابة إيجاد أرضية للتكامل،
أو ما عرف بأدبيات التكامل السياسي.
وبهذا الصدد يرى دويتش أن القوة الطبيعية التي تؤدي إلى التكامل ومن ثم إلى الوحدة تكمن في التفاعل بين الأفراد في المجتمعات في مختلف الوحدات المكونة للتكامل. فالتكامل هو الحالة التي ” تمتلك فيها جماعة معينة تعيش في منطقة معينة شعوراً كافياً بالجماعية وتماثلاً في مؤسساتها الإجتماعية والاقتصادية وسلوكها الإجتماعي إلى درجة تتمكن فيها هذه الجماعة من التطور بشكل سلمي. و يرى أن أفضل وسيلة إلى التكامل هي بناء قاعدة شعبية متفاعلة ومتواصلة ومنسجمة، تحكمها قيم ومفاهيم وثقافة مشتركة، وتساوي بين الطرفين من الناحية الاقتصادية، بحيث يمنع هيمنة طرف على الآخر، وهذه لا يتحقق إلا من خلال تفعيل عملية التواصل الثقافي والمعرفي بين مختلف شرائح المجتمعات الأعضاء في الوحدة، ومن خلال عملية الحراك الاجتماعي المتمثل في حرية انتقال الأفراد والجماعات والثقافات والقيم والاتصالات باختلاف أشكالها عبر الحدود بين تلك المجتمعات. وهذا سوف يؤدي إلى تقوية أسس التواصل المجتمعي والنظام السياسي ويحقق التكامل وعندما يتحقق التكامل بين الدول بدوره سيخفف العبء على الوحدة بين الدول، مع الأسف هذا لم يكون قائم بين الدولتين في اليمن قبل اعلان الوحدة ولم يعمل به، تهيئة للوحدة.
حيث كان على المواطن في الدولتين في اليمن، يستطيع التحرك والسفر الى أي بلد في العالم لكنه لا يستطيع السفر إلى الدولة اليمنية الاخرى .
ولقد حدد دويتش ثلاثة مراحل للوصول إلى الوحدة:
يرى دويتش ان منطق تحقيق السلم (نبذ العنف ) هو الذي يضمن استبعاد الحرب بين العناصر المكونة للدولة الموحدة، وذلك يبدءا بتفعيل التواصل الشعبي والنخبوي وحرية الانتقال للأفراد بين المجتمعين عبر تشكل بعض مؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية المشتركة. ثم تأتي المرحلة الاندماجية وهي المرحلة الأخيرة من سلسلة التكامل بين الدول التي تستمر عدة سنوات، ففي هذه المرحلة تكون الدول المكونة للاتحاد قد بنت جميع مؤسساتها المشتركة ووضعت أنظمتها وقوانينها.
وتبين نظرية الوحدة أن مرحلة الاندماج بين الدول في مرحلة سيادة الدولة لا تتحقق إلا من خلال تفاعلات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية ومعرفية.
تضمن الاستحقاقات التاريخية والحضارية والديمغرافية للدول الاطراف في الوحدة . فانعدام التفاعل والتواصل بين المجتمعات يؤدي إلى عدم التجانس الثقافي والقيمي، حيث يربط بين الاتصال المجتمعي باعتباره الرابط الذي يُمكن التنظيمات الاجتماعية من التفكير والبحث وخلق مشاعر تعاونية ودية فيما بينها وبين تحقيق التكامل بين المجتمعات السياسية، والشعوب تحقق وحدتها كلما اتسعت الموضوعات التي تربط بينها ” ولذلك ترى هذه النظرية أن التواصل والاعتماد المتبادل المباشر في قطاع واسع من السلع والخدمات المختلفة بين الأفراد في المجتمع ين، ومعادلة اقتصاد الدولتين والعمله - كما حصل في الوحدة الالمانية- والعمل الذي يضمن استقرار مدخرات الناس وحصولهم على الخدمات يؤدي إلى التقارب بين هذه المجتمعات الأمر الذي يسهل عملية التكامل ومن ثم الوحدة.
فهذا التكامل يؤدي تدريجياً إلى التمدد والانتشار التكاملي في قطاعات أخرى، وهو ما أطلق عليه العالم هاس huos مفهوم التمدد التكاملي الأمر الذي يؤدي إلى نقل تدريجي لبعض سيادة الدول الأعضاء إلى المؤسسات التكاملية المركزية أو فوقومية .
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أنه في بداية مرحلة التكوين التكاملي سوف تبرز مشكلة ازدواجية الولاءات، إلا أنه مع ترسيخ هوية دولة الوحدة سوف تتحول الولاءات إلى نوع من التوازن في الولاء بين الدولة القطرية والاتحادية وسوف تتطور وتنمو عملية بناء المؤسسات لتصبح نواة للحكومة الاتحادية حتى تصل، كما يقول أصحاب هذا الاتجاه، إلى نقطة الانطلاق أو الإقلاع عندها تكون النخب والشعوب في الدول الأعضاء مهيأة لقيام وحدة اندماجية بينها.
ويستبعدون نجاح أي وحدة في المجتمعات المتخلفة، التي تسودها الثقافة العصبوية والصراعات القبلية والأنقسام الاجتماعي والديتي .
ان تحقيق الوحدة بين الدول يرتكز على نقل بؤرة الإهتمام من القضايا السياسية الحادة إلى القوى الفاعلة في المجتمع. ويرى كذلك أن المجتمع يسير نحو التوحيد السياسي إذا توفرت فيه مقومات التكامل المجتمعي ، أي أن الروابط بين القوى الاجتماعية تعزز التكامل بين الوحدات السياسية. وتحدد نظرية الوحدة أربعة مراحل لعملية الوحدة بين الدول هي:
المرحلة الأولى : وهي المرحلة التي تسبق عملية الوحدة، وهي ما يسمى بالتوظيفية التكاملية حيث تبدأ القطاعات التي يجري في نطاقها التعامل المتبادل بين الدول وتتسع في إطار نظام الإعتماد المتبادل.
ومن هنا يبرز دور العوامل المشتركة التي قد تكون موجودة في مرحلة ما قبل الوحدة ، مثل التجانس الثقافي أو التواصل الإقليمي أو الإعتماد الإقتصادي المتبادل، لما لهذه العوامل من تأثير على عملية الوحدة.
أما المرحلة الثانية : فهي المرحلة التي تبرز فيها قوى التوحيد بما لها من طبيعة قسرية (الجيش والشرطة) أو نفعية ( الجوانب الإقتصادية والإمكانات الفنية والإدارية) أو مرتبطة بالهوية الإجتماعية (الشعارات والقيم السائدة في المجتمع).
أما المرحلة الثالثة، وهي مرحلة التوسع في التكامل فتظهر مع تزايد تدفق السلع والأفراد والاتصالات بين الوحدات السياسية المكونة للإتحاد، وعند سريان هذا التفاعل بين القطاعات المختلفة تتحقق المرحلة الرابعة وهي نضوج عملية التوحيد ووصولها إلى أهدافها المرسومة لها. وتبدو هذه المراحل الأربعة مترابطة ومتلازمة لتحقيق عملية التوحيد بين الدول.
كما يؤكد اصحاب هذه النظرية على بعض المتغيرات المهمة لتحقيق عملية الوحدة، وتشمل هذه المتغيرات، النخب الداخلية والخارجية ودورها في دفع عملية التوحيد ، ومدى تطابق أهداف ومصالح القوى الخارجية مع القوى الداخلية.
وتبرز هذه النظرية اهمية سيادة القيم المشتركة ودورها في عملية التكامل بين الدول، فالقيم المشتركة بين الأفراد تعكس بالضرورة عوامل التوافق والتشابه بينها، والتي بدورها تسهل عملية التفاعل بين الأفراد والجماعات، وصانعي القرار السياسي في تلك المجتمعات. فالنظام القيمي والسياسي المشترك لصانعي القرار السياسي في هذه الدول يساعد في دفع عملية التكامل السياسي على مختلف المستويات، ويؤكد هذا الاتجاه على وجود علاقة طرديه بين درجة التكامل ودرجة المشاركة القيمية للمجتمعات. وأي نموذج مخالف لذلك ما هو إلا تزييف للواقع وسيقود للفشل .
أن الوحدة التي تتحقق بالتدرج ومن خلال أساليب التكامل والتنسيق والتعاون، بعيداً عن أساليب القوة ، مدعومة بالمشاركة الفعلية لمختلف القوى السياسية والاجتماعية والشعبية في إطار من التوازن وضمان الحقوق، تكون أقوى رسوخاً وأكثر ديمومة.
وبناءً على ما تقدم في ضؤ نظرية التكامل والوحدة، فإن الطريقة التي تم فيها اعلان الوحدة في اليمن كانت بعيده كل البعد عن تلك المحددات.
فالدولتين والشعبين في اليمن بعدان منظومتين فكرية وثقافية وحضارية تشكلت عبر تاريخ الإنسان على الأرض وأنتجت هويتين وطنيتين تحملان تراثاً حضارياً وثقافياً متمايزاً كل هوية عن الأخرى .
فالتمايز والاختلاف الثقافي بين الشمال والجنوب ملحوظ في الواقع الاجتماعي في العادات والتقاليد الاجتماعية ولكل منهما خلفياته ومنطقاته التاريخية والاجتماعية.
لقد ظلت البنية القبلية التقليدية في الشمال محافظة على آلياتها في حين تعرضت البنية القبلية في الجنوب إلى التفكك في مرحلة دولة الجنوب.
لم يراعي المشروع الوحدوي المعلن بين الدولتين في عام 1990م ، ذلك الاختلاف الواضح بين الشمال والجنوب، ولم يؤد الحراك السكاني الذي تم بعد الوحدة بين الشمال والجنوب إلى الاندماج والانصهار بين المواطنين في بوتقة الدولة الواحدة وخلق قيم الوحدة التي تعزز روح الانتماء الواحد للدولة الحديثة، بل على العكس من ذلك فان السياسات العامة والممارسات الخاطئة بعد حرب 1994م قد ساعدت على التباعد بين الشمال والجنوب أكثر مما كان عليه الوضع قبل إعلان الوحدة، وظل الجميع محافظين على هوياتهم رغم سيطرة الشمال على الجنوب والزج بسكان الشمال إلى الجنوب لتغيير الخارطة الديمغرافية فيه الأمر الذي زاد من عملية التباعد.
كانت تلك التصرفات والممارسات تعدف إلى إقصاء الجنوبيين من المشاركة الفعلية في السلطة والثروة، ليس ذلك فحسب بل تم الاستيلاء على ثرواتهم وأرضهم ، وحرمانهم منها و حولت الوحدة إلى احتلال.
إذ كشفت الحرب وما تلاها من إجراءات تعسفية وجرائم بحق الجنوبيين أن المشكلة هي بين ثقافتين للحكم والتي تعود إلى مفهومهما للوحدة والحكم، فالوحدة بنظر النخب السياسية الحاكمة في الجنوب هي وحدة شراكة وبناء دولة حديثة تستند إلى النظام والقانون هدفها ايدلوجي في الاساس ، بينما مفهوم الوحدة عند الشماليين هي وحدة ضم وإلحاق وهي ثروة وغنيمة تقوم على القوة والنفوذ وأعراف القبيلة هدفها الثروة واغتصاب الجنوب .
وممارسة نفوذهم العصبوي والتقليدي الذي احتكر السلطة ونتج عنه غياب للتوازن والاندماج الاجتماعي، فالتمايز الذي خلقه النظام أدى إلى إفقار قطاع واسع من أبناء الجنوب الأمر الذي أفضى إلى زيادة المعاناة والحرمان للجنوبيين واحساسهم بالضيم والقهر الاجتماعي، فبدأ الجنوب متناقضاً مع الشمال وبهذا الصدد يشير الكاتب الانجليزي بول دريش إلى أن التناقض بين الشمال والجنوب قد نتج عنهما نظامان مختلفان، نظام جمهوري في الشمال، ونظام جمهوري أخر في الجنوب، ولقد كان لهما نتائج مختلفة على البيئة الاجتماعية والسياسية حتى من حيث الطبيعة المتناقضة للدولتين اليمنيتين اللتان تولتا البناء الوطني في ستينيات القرن الماضي، وظهرت بصورة ملموسة في النظام السياسي في اليمن بعد إعلان الوحدة التي أعلنت الوحدة بين نظامين مختلفين تماماً، نظام في الجنوب قائم على أسس التوجه ألاشتراكي ” ايدلوجي” تشكل الملكية العامة لوسائل الإنتاج أساس الدولة وهي التي تحتكر النشاط الاقتصادي وتقدم جميع الخدمات الأساسية للمواطنين والنظام في الشمال قائم على أساس التوجه الراسمالي يعتمد المصلحة المادية و الانفتاح الاقتصادي يستند على الأعراف القبلية أكثر من القانون .
وعليه كان مفهوم الوحدة مختلفاً لدى النخب السياسية الحاكمة في الشمال والجنوب وهذا الاختلاف يعود إلى طبيعة التنشئة السياسية والثقافية لكل منهما ، فالوحدة في مفهوم النخب الشمالية هي وحدة تستند على االحرب والقتل كما تجسد في الحرب والجرائم المتكبة ما بعد الحرب طوال الفترة الماضية ، لا على منطق السلم والتكامل بين شعبين ودولتين ذات سيادة .
كما ان الوحدة عند إعلانها اعتمد الطابع الحزبي السياسي نيابةً عن الشعب ، و تم التوقيع عليها من قبل الحزبيين السياسيين ( الاشتراكي في الجنوب والمؤتمر في الشمال ) دون مشاركة القوى السياسية الأخرى أو الاستفتاء الشعبي عليها، وهذا الطابع شاهد على المفاهيم الخاطئة لدى النخب السياسية حول قيام الوحدة ومنطلقاتها حتى اليوم ، ودليل على عدم شرعية الوحدة وبطلان إعلانها. فضلا عن المفهوم الزائف للوحدة الذي تحمله النخب الحاكمة في الشمال، عودة الفرع إلى الأصل هو منطق الإمام نفسه لم يتغيّر، وهذا ما كشفته الأيام الأولى للوحدة عندما ظهرت الخلافات بين الطرفين، والتي بينت أن نظام صنعاء إنما كان يضمر إلحاق الجنوب بسلطته والاستحواذ عليه، وهذا ما أكده الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب السابق ورئيس حزب الإصلاح في مذكراته .
اذ عمل الطرف الشمالي على عرقلة تنفيذ اتفاقيات الوحدة في المرحلة الانتقالية. وظلّت معظم مؤسسات الدولتين تخضع لقياداتها السابقة لاسيما المؤسسات العسكرية والأمنية .
وفي أول انتخابات بعد الوحدة سنة 1993م، برز التحالف بين حزبي الاصلاح والموتمر الذي قام على أسس الانتماء العصبوي ااجهوي (الى الشمال)، فقد مثّل هذا التحالف مؤشر إقصاء الجنوب من المعادلة السياسية وضمه للشمال الذي اعلن الحرب على الجنوب بعد الانتخابات بأقل من سنه وانتهت الحرب بانتصار الطرف الشمالي بعد مرور 72 يوماً، كان الجنوب مسرحاً لها دمرت فيها الخدمات التحتية وراح ضحيتها الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين وشردت عشرات الآلاف من أبناء الجنوب إلى الخارج، وتم اجتياح جيش الجمهورية العربية اليمنية ” للجنوب ” وتم تعديل دستور الوحدة وإلغاء اتفاقيات الوحدة، إذ كانت الحرب من الناحية العملية قد أنهت مشروع الوحدة بين دولة الشمال ودولة الجنوب نهائياً .
وتكشف ان الشمال كان ينوي الانقضاض على الوحدة واحتفاظه بالمرجعية العسكرية لشن الحرب على الطرف الآخر ، وهذا ما حدث بالفعل كما أسلفنا وذلك يدل على أن الحرب كان مخطط لها في قرار تفكير القائمين بها، وأصدر مجلس الأمن قرارين 924 و931 في العام 1994م ، دعا فيهما لوقف إطلاق النار وعودة الطرفين إلى طاولة التفاوض، وبينما أبدي نظام الجنوب تفهماً لهذه القرارات بدا نظام صنعاء رافضاً لها، وتم اجتياح الجنوب وقتل وجرح فيها عشرات الآلاف من أبناء الجنوب.