اخبار وتقارير

الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - الساعة 12:16 ص بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ خاص


كتب/ عبدالكريم أحمد سعيد

تكشف التطورات الأخيرة في حضرموت عن إشكالية تستحق التوقف عندها في قراءة المشهد السياسي الجنوبي، تتمثل في مدى قدرة القوى الجنوبية على الانتقال من الارتباط المكثف بمسار إقليمي محدد إلى بناء استراتيجية سياسية أكثر اتساعاً ومرونة، تستوعب التحولات في موازين القوى وتتعامل مع الاحتمالات المختلفة. فالتغيرات التي تشهدها المنطقة تفرض إعادة النظر في أدوات إدارة العلاقات الخارجية، بعيداً عن ردود الفعل الآنية، وبما يضمن حماية قضية شعب الجنوب وصون مكتسباته السياسية والوطنية.
ولا يمكن تقييم العلاقات الإقليمية بمعزل عن الأدوار التي أدتها بعض القوى في دعم الجنوب خلال مراحل مفصلية، وما نتج عن ذلك من شراكات سياسية وعسكرية وأمنية. غير أن تقدير هذه الأدوار والاعتراف بأهميتها لا يعنيان أن مستقبل القضية الجنوبية ينبغي أن يظل مرتبطاً بحضورها فقط. فالعلاقات بين الدول تحكمها المصالح والحسابات الاستراتيجية وتبدلات الأولويات، وقد تتغير أشكال الشراكة ومستويات الانخراط وفقاً للظروف المستجدة. ولهذا فإن التعامل الناضج مع هذه الحقيقة يقتضي التمييز بين أهمية الشراكات الإقليمية وبين قدرة المشروع الوطني الجنوبي على الاستمرار والتحرك في مختلف الظروف. فقضية شعب الجنوب، بما تمتلكه من جذور وطنية وشعبية، وحضور سياسي، وقوى منظمة، وكيان سياسي ممثلاً بالمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، لا ينبغي أن تجعل قدرتها على المبادرة رهينة لقرار أي طرف خارجي، مهما كانت مكانته أو أهمية دوره. إن قوة الموقف الجنوبي تقاس بقدرته على إدارة علاقاته وتوسيع خياراته، لا بمجرد انتظار تغير الظروف الإقليمية لصالحه.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة منهجية لأدوات التحرك الدبلوماسي، تقوم على تنويع الشراكات والانفتاح المدروس على القوى الإقليمية والدولية ذات التأثير، واستكشاف المصالح المشتركة في مجالات الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب وحماية الممرات البحرية والتجارة الدولية. فالجنوب، بحكم موقعه الجغرافي المطل على خليج عدن وباب المندب وبحر العرب، يمتلك مقومات استراتيجية تتيح له أن يكون طرفاً فاعلاً في النقاشات المتعلقة بأمن المنطقة واستقرارها. غير أن تحويل هذه المقومات إلى رصيد سياسي يتطلب رؤية واضحة، وخطاباً دبلوماسياً منضبطاً، ومؤسسات قادرة على التواصل وصياغة المبادرات ومتابعتها بصورة مستمرة.
ولا يعني تنويع العلاقات التخلي عن الشراكات القائمة أو التقليل من شأنها. المقصود هو بناء شبكة علاقات متوازنة تستند على المصالح المتبادلة والاحترام السياسي، وتمنح القرار الجنوبي مساحة أوسع للحركة والمناورة. فالدبلوماسية الفاعلة لا تقوم على توزيع الولاءات، وإنما على تحديد المصالح الوطنية، وفهم حسابات الأطراف الأخرى، واختيار مسارات التعاون التي تحقق الأهداف المشتركة دون المساس باستقلالية القرار السياسي.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المجلس الانتقالي الجنوبي وحلفائه في ترجمة الحضور السياسي والشعبي إلى تحرك مؤسسي منظم، يعزز وحدة الصف الجنوبي، ويوسع قنوات الاتصال الدبلوماسي، ويطور أدوات التواصل مع مراكز صنع القرار الإقليمي والدولي. كما تبرز أهمية دور السياسيين والإعلاميين والباحثين الجنوبيين في الانتقال من الخطاب الذي يكتفي بتفسير المتغيرات والتعبير عن القلق إزاءها إلى خطاب يقدم تصورات عملية ومبادرات قابلة للنقاش. فالتأثير السياسي لا يتحقق بمجرد امتلاك قضية عادلة أو موقع جغرافي مهم، بل يحتاج إلى القدرة على عرض هذه القضية بلغة المصالح المشتركة، وإقناع الأطراف المعنية بأن التعامل معها يمثل عنصراً من عناصر الاستقرار الإقليمي، وليس شأناً محلياً معزولاً عن محيطه.
إن المرونة السياسية ليست تنازلاً عن الثوابت، بل هي القدرة على حماية تلك الثوابت باستخدام أدوات متعددة، وتعديل الوسائل كلما تغيرت الظروف، دون التفريط في الأهداف الوطنية. كما أن الواقعية الدبلوماسية لا تعني التسليم بموازين القوى القائمة، وإنما فهمها والعمل على التأثير فيها تدريجياً من خلال المبادرات والتحالفات والاتصالات المستمرة. ولذلك فإن المرحلة تستدعي استثمار المتغيرات لبناء حضور جنوبي أوسع وأكثر استقلالية في القرار.
وفي المحصلة، ينبغي أن يستند مستقبل قضية شعب الجنوب إلى قوة مشروعها الوطني، وتماسك جبهتها السياسية، وفاعلية ممثلها السياسي، وقدرتها على إقامة علاقات متعددة تحفظ المصالح المشتركة وتخدم تطلعات شعبها. فالشراكات الإقليمية تظل ذات أهمية متى توافرت شروط استمرارها وتطورها، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن بناء الخيارات الأخرى. فالدول تتحرك وفقاً لمصالحها وأولوياتها المتغيرة، والقوى السياسية التي تنجح في حماية قضاياها هي التي تحسن قراءة هذه المتغيرات وتستعد لسيناريوهاتها المختلفة. ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس إدارة الانتظار، بل امتلاك المبادرة، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن محدودية الخيارات إلى رحابة الحركة الدبلوماسية، بما يعزز مكانة الجنوب ويصون حق شعبه في تقرير مستقبله السياسي.