4 مايو/ تقرير/ مريم بارحمة
يعود الجيش الجنوبي إلى واجهة المشهد السياسي والجماهيري مع حلول الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيسه، وسط تحضيرات واسعة لإحياء المناسبة في العاصمة عدن ومدينة المكلا، في فعالية تسعى القوى الجنوبية إلى جعلها محطة سياسية وشعبية لاستحضار تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية وتضحيات منتسبيها، والتأكيد على استمرار حضورها في الذاكرة الوطنية.
وتأتي الذكرى في الأول من سبتمبر، الذي ارتبط بتأسيس الجيش الجنوبي عام 1971، بينما تشهد الساحة الجنوبية نقاشًا متصاعدًا حول مستقبل القوات المسلحة الجنوبية، وهويتها، ودورها في حماية الأرض ومكافحة الإرهاب وتأمين السواحل والممرات البحرية.
وتحمل المناسبة هذا العام دلالات تتجاوز استعادة التاريخ؛ إذ تنظر إليها القوى الجنوبية باعتبارها مناسبة لتجديد التأكيد على أهمية الحفاظ على المؤسسة العسكرية وتماسكها، في وقت تستعد فيه عدن والمكلا لاحتشاد جماهيري واسع دعت إليه اللجنة العسكرية التحضيرية وقيادات سياسية وعسكرية جنوبية. وقد نشرت وسائل إعلام جنوبية خلال الأيام الأخيرة دعوات متكررة للمشاركة في فعاليات الذكرى، وربطت بينها وبين الدفاع عن هوية المؤسسة العسكرية الجنوبية.
_ 55 عاماً من الذاكرة العسكرية
لم يكن الأول من سبتمبر بالنسبة للجنوبيين تاريخًا عابرًا، بل تحول على مدى عقود إلى محطة تستعاد فيها مسيرة مؤسسة عسكرية ارتبطت بمراحل سياسية وعسكرية مهمة في تاريخ الجنوب والمنطقة.
إن الجيش الذي تأسس في سبعينيات القرن الماضي لم يكن قوة محلية معزولة عن محيطها العربي، بل انخرط في عدد من القضايا التي كانت تشغل المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وتستعيد الذاكرة الجنوبية في هذه المناسبة مواقف الجيش تجاه الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات، إلى جانب موقف الجنوب ضمن جبهة الصمود والتصدي التي ضمت دولًا وقوى عربية رافضة لمسار كامب ديفيد وسياسات التسوية التي اعتُبرت آنذاك خروجًا عن الموقف العربي الموحد.
ومن هنا، فإن الجيش الجنوبي حمل في عقيدته السياسية والعسكرية بعدًا عربيًا واضحًا، ولم يحصر دوره في حماية حدود الدولة، وإنما شارك، في ملفات وقضايا تجاوزت الجغرافيا الجنوبية.
_ باب المندب حين تحولت الجغرافيا إلى قوة
يبرز مضيق باب المندب كواحد من أهم العناوين التي تستعاد عند الحديث عن التاريخ العسكري الجنوبي.
ففي حرب أكتوبر 1973م، ارتبط اسم الجنوب بإغلاق باب المندب أمام الملاحة المرتبطة بإسرائيل، في خطوة يُنظر إليها في الذاكرة الجنوبية باعتبارها إحدى أبرز المشاركات العسكرية في المعركة العربية ضد إسرائيل.
ولا تنبع أهمية هذه الواقعة من بعدها العسكري فقط، بل من حقيقة أن الجنوب كان يدرك مبكرًا القيمة الاستراتيجية لموقعه الجغرافي.
فباب المندب لم يكن مجرد مضيق مائي، وإنما بوابة بحرية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتتحرك عبرها خطوط التجارة الدولية.
ولهذا فإن الدور البحري للجيش الجنوبي اليوم يتزامن مع عودة البحر الأحمر وخليج عدن إلى صدارة الاهتمام الدولي، في ظل التهديدات التي تتعرض لها الملاحة البحرية والهجمات الحوثية على السفن التجارية.
ومن هذه الزاوية، يطرح الجنوبيون إرث قواتهم البحرية باعتباره تجربة يمكن البناء عليها في أي ترتيبات مستقبلية للأمن البحري في المنطقة.
_ جيش عابر للحدود
لم يتوقف الحضور العسكري الجنوبي، عند فلسطين وحرب أكتوبر.
حيث تستعيد الذاكرة الجنوبية مشاركة قوات جنوبية في الدفاع عن ليبيا خلال عامي 1978م، و1982م، إضافة إلى مشاركة مقاتلين جنوبيين في لبنان عام 1982م خلال مواجهة الغزو الإسرائيلي.
وتعكس هذه المحطات، طبيعة الدور الذي حاول الجنوب أداءه في محيطه العربي خلال تلك المرحلة، حين كانت الجيوش العربية تتحرك ضمن حسابات الصراع العربي الإسرائيلي، وحين كانت القضية الفلسطينية تشكل أحد محددات السياسة الإقليمية.
ويؤكد الجنوبيون أن استعادة هذه الصفحات ليست بهدف تمجيد الماضي فقط، وإنما لتذكير الأجيال بأن المؤسسة العسكرية الجنوبية كانت، في مراحل معينة، جزءًا من المشهد العربي الأوسع.
_ الكويت موقف سياسي لا يزال حاضرًا
تحتل أزمة غزو الكويت عام 1990م موقعًا آخر في الذاكرة السياسية الجنوبية.
فقد خرجت مسيرات في العاصمة عدن رفضًا للغزو العراقي للكويت، في موقف اعتبره الجنوبيون تعبيرًا عن رفض احتلال دولة عربية من دولة عربية أخرى.
ويستخدم الخطاب الجنوبي هذه الواقعة للمقارنة بين موقف الشارع الجنوبي ومواقف القوى السياسية في صنعاء خلال تلك الأزمة.
ومع مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك الأحداث، ما زالت هذه المحطة تُستعاد بوصفها دليلًا على أن الجنوب، في رؤيته السياسية، لم ينظر إلى القضايا العربية من زاوية جغرافية ضيقة، بل تعامل معها باعتبارها جزءًا من منظومة أمن عربي أوسع.
1994م عام تفكيك المؤسسة
مثّلت حرب صيف 1994م نقطة تحول قاسية في تاريخ الجيش الجنوبي. فبعد الحرب، تعرضت المؤسسة العسكرية الجنوبية للتفكيك وإعادة الهيكلة، وأُحيل عدد كبير من منتسبيها إلى التقاعد القسري، في مرحلة تركت آثارًا عميقة على الضباط والجنود وعائلاتهم، ولا تزال تداعياتها حاضرة في الذاكرة الجنوبية.
ولم يكن الأمر متعلقًا بفقدان الوظيفة العسكرية فقط، بل بتفكيك منظومة كاملة من الخبرات والمؤسسات والوحدات العسكرية.
ومع ذلك، بقيت الخبرة العسكرية حاضرة لدى آلاف الضباط والجنود الذين وجدوا أنفسهم خارج مؤسساتهم، قبل أن تعود تلك الخبرات إلى الواجهة في مراحل لاحقة.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الذكرى الحالية: فالمؤسسة يمكن أن تُفكك، لكن الخبرة لا تختفي، والذاكرة العسكرية لا تموت بإغلاق الثكنات.
_ من حتم إلى المقاومة.. ولادة جديدة
دخل المشهد العسكري الجنوبي مرحلة جديدة مع تصاعد الحراك والمقاومة ثم الحرب التي اندلعت عام 2015م.
وفي الخطاب الجنوبي، يبرز اسم الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي في مسار إعادة تشكيل المقاومة الجنوبية، بدءًا من حركة حتم، وصولًا إلى بناء تشكيلات عسكرية وأمنية تطورت لاحقًا إلى القوات المسلحة الجنوبية بمكوناتها الحالية.
ويعد الرئيس الزُبيدي أحد أبرز القادة الذين أسهموا في الانتقال من مرحلة المقاومة المحلية إلى بناء تشكيلات أكثر تنظيمًا وتدريبًا، خصوصًا مع توسع المعارك ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.
ومع مرور السنوات، لم تعد هذه القوات مجرد مجموعات مقاومة، بل أصبحت طرفًا عسكريًا حاضرًا في المشهد الأمني والعسكري الجنوبي.
وتربط وسائل إعلام جنوبية حاليًا بين ذكرى الجيش وبين قيادة الرئيس الزُبيدي، وتطرح المليونية المرتقبة باعتبارها مناسبة لتجديد الالتفاف الشعبي حول القيادة الجنوبية والقوات المسلحة الجنوبية.
_ الإمارات شراكة عسكرية وأمنية
برزت دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة كأحد أهم الداعمين للقوات الجنوبية في السنوات الماضية، خصوصًا في التدريب والتجهيز والدعم اللوجستي والعسكري.
وجاء هذا الدعم في سياق الحرب ضد الحوثيين ومكافحة التنظيمات الإرهابية، وشكل عاملًا مهمًا في تطوير قدرات عدد من التشكيلات الجنوبية.
وتنظر القوى الجنوبية إلى الدور الإماراتي باعتباره شراكة ساعدت في إعادة بناء منظومة عسكرية وأمنية بعد سنوات من التفكيك، بينما تضعه في سياق أوسع يتعلق بأمن المنطقة ومكافحة الإرهاب وحماية السواحل.
ومن الناحية السياسية، أصبحت هذه الشراكة واحدة من الملفات التي تحضر بقوة عند الحديث عن مسار إعادة بناء القوات الجنوبية، وعن التحولات التي شهدها المشهد العسكري في الجنوب منذ عام 2015م.
_ معركة الإرهاب الاختبار الأصعب
خاضت القوات الجنوبية خلال السنوات الماضية مواجهات واسعة ضد تنظيمات إرهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة، إلى جانب المعارك مع الحوثيين.
وشهدت محافظات الجنوب عمليات عسكرية وأمنية هدفت إلى ملاحقة عناصر التنظيمات المتطرفة وتفكيك شبكاتها وملاحقة معاقلها.
وأصبح ملف مكافحة الإرهاب أحد أهم العناوين التي تقدم من خلالها القوات الجنوبية نفسها كشريك أمني للقوى الإقليمية والدولية.
ولا تنفصل أهمية هذا الملف عن الموقع الجغرافي للجنوب؛ فوجوده على بحر العرب وخليج عدن وقربه من باب المندب يجعل الاستقرار الأمني في محافظاته الساحلية مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الملاحة الدولية.
_ الجنوب بوابة الأمن البحري
يعيد الواقع الإقليمي اليوم طرح السؤال القديم نفسه: من يحمي سواحل الجنوب والمياه المحيطة بها؟
فأمن باب المندب وخليج عدن لم يعد شأنًا محليًا، خصوصًا مع تصاعد المخاطر البحرية في البحر الأحمر.
ومن هنا، ترى القوى الجنوبية أن امتلاك قوات بحرية وأمنية قادرة على حماية الساحل ومكافحة الإرهاب والقرصنة يمثل مصلحة جنوبية وإقليمية ودولية في الوقت نفسه.
وذلك بسبب الإرث البحري للجنوب، وإلى تجربة القوات البحرية السابقة، التي تُقدَّم باعتبارها نموذجًا لقدرة الجنوب على حماية ممراته المائية.
لكن استعادة هذا الدور لا تتوقف على امتلاك السلاح؛ بل تتطلب بناء مؤسسات بحرية متخصصة، وتطوير قدرات المراقبة والاستطلاع، ورفع مستوى التدريب، والتنسيق مع دول المنطقة والمجتمع الدولي، والالتزام بقواعد القانون الدولي للبحار.
_ المليونية أكثر من احتفال
تستعد العاصمة عدن ومدينة المكلا لاستقبال فعاليات جماهيرية بمناسبة الذكرى الـ55، في ظل دعوات واسعة من قوى وقيادات جنوبية للمشاركة في المليونية.
وتشير التغطيات الجنوبية إلى أن الفعالية لا تُقدَّم بوصفها احتفالًا عسكريًا فقط، وإنما باعتبارها رسالة سياسية حول مستقبل القوات المسلحة الجنوبية وهويتها ودورها. وصدرت دعوات من منسقيات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في جامعات الجنوب للمشاركة في الفعاليات، في مؤشر على محاولة توسيع المشاركة لتشمل قطاعات شبابية وأكاديمية وطلابية.
وتعمل اللجنة العسكرية التحضيرية، إلى جانب الهيئة العسكرية وجمعية المتقاعدين العسكريين والأمنيين والمدنيين، على التحضير للمناسبة، التي يُراد لها أن تجمع العسكريين السابقين والحاليين إلى جانب مختلف شرائح المجتمع.
وتوضح القوى الداعية للفعالية إن الحشد سيكون رسالة تؤكد تمسك أبناء الجنوب بتاريخ مؤسستهم العسكرية، بينما يحمل بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي أيضًا دلالة سياسية مرتبطة بمستقبل قضية الجنوب.
_ حضرموت الاختبار الجماهيري والسياسي
تحضر حضرموت بقوة في مشهد الذكرى، مع التحضير لفعالية مدينة المكلا إلى جانب فعالية العاصمة عدن.
ولا تنبع أهمية حضرموت من حجمها الجغرافي والثروات التي تحتضنها فقط، وإنما من موقعها الاستراتيجي على بحر العرب، وهو ما يمنحها أهمية كبيرة في أي تصور لمستقبل الأمن البحري والعسكري في الجنوب.
كما أن الحشد في المكلا يحمل رسالة سياسية تتعلق بمدى حضور قضية الجنوب في المحافظة، في ظل تعدد القوى والتيارات السياسية فيها.
ولهذا، فإن فعالية المكلا ستكون، إلى جانب بعدها الاحتفالي، موضع متابعة سياسية، خصوصًا أنها تأتي في مرحلة تتداخل فيها الملفات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية في حضرموت.
خط أحمر .. لماذا تتمسك القوى الجنوبية بالمؤسسة؟
تكرر الخطاب الجنوبي خلال الأيام الأخيرة في التأكيد على أن القوات المسلحة الجنوبية تمثل خطًا أحمر، وأن أي محاولة لتفكيكها أو إضعافها ستواجه برفض شعبي.
ويرتبط هذا الموقف مباشرة بذاكرة ما بعد حرب 1994م، حين جرى تفكيك المؤسسة العسكرية الجنوبية وإقصاء أعداد كبيرة من منتسبيها.
ومن وجهة نظر القوى الجنوبية وشعب الجنوب، فإن إعادة إنتاج تجربة التفكيك تعني إعادة إنتاج أحد أبرز أسباب الاضطراب السياسي والعسكري الذي عاشه الجنوب خلال العقود الماضية.
لكن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الحفاظ على المؤسسة فقط، وإنما في تحويلها إلى مؤسسة أكثر مهنية وتنظيمًا، تتحدد مهامها وصلاحياتها بوضوح، وتخضع للقانون، وتحمي المدنيين، وتستفيد من الخبرات العسكرية المتراكمة.
_ الجيش بين الماضي والمستقبل
تطرح الذكرى الـ55 سؤالًا أساسيًا: هل تستطيع القوات المسلحة الجنوبية الحالية أن تتحول من إرث مقاومة إلى مؤسسة عسكرية حديثة؟ الإجابة تتطلب أكثر من استعراض التاريخ.
فالمؤسسة العسكرية الحديثة تحتاج إلى تعليم وتدريب، وهيكل تنظيمي، وأنظمة قيادة وسيطرة، وتخصصات عسكرية، ومؤسسات لوجستية، وقدرات بحرية متطورة، إلى جانب منظومة قانونية واضحة.
كما تحتاج إلى الاستفادة من الضباط الجنوبيين الذين خدموا في المؤسسة السابقة، ونقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة.
وهنا تبرز أهمية المتقاعدين العسكريين؛ فهم لا يمثلون ذاكرة بشرية للمؤسسة فقط، بل يمثلون خزانًا من الخبرة يمكن الاستفادة منه في التدريب والتوثيق والتأهيل.
_ الشهداء عنوان الوفاء
لا يمكن فصل الذكرى عن شهداء الجيش الجنوبي.
فخلف كل مرحلة عسكرية أسماء لجنود وضباط سقطوا في ميادين القتال، سواء في مراحل الجيش السابق أو في معارك المقاومة والقوات الجنوبية الحديثة.
وتستحضر الفعاليات الجنوبية شهداء مختلف المراحل، بما في ذلك ضحايا العمليات العسكرية التي شهدها الجنوب خلال السنوات الأخيرة.
وتبقى قضية الشهداء أكبر من أي توظيف سياسي؛ إذ تحتاج إلى التوثيق وحفظ الأسماء والوقائع، وتكريم أسر الشهداء، وضمان ألا تتحول تضحياتهم إلى مجرد شعارات في المناسبات.
_ الذاكرة في مواجهة النسيان
تؤكد التجربة الجنوبية إن المعركة على التاريخ لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. فغياب الوثائق والسجلات والشهادات يترك المجال مفتوحًا أمام روايات متناقضة حول تاريخ الجيش وأدواره.
ولهذا، فإن الذكرى الـ55 يجب أن تتحول إلى مشروع توثيق شامل، يجمع شهادات الضباط والجنود، ويؤرشف صورهم ووثائقهم، ويوثق المعارك والعمليات والتحولات التي مرت بها المؤسسة العسكرية.
فالتاريخ العسكري لا يُكتب بالبيانات وحدها، وإنما بالوثائق والشهادات والوقائع.
_ رسالة إلى الداخل والخارج
تريد القوى الجنوبية أن تقول من خلال مليونية العاصمة عدن ومدينة المكلا إن القوات المسلحة الجنوبية أصبحت جزءًا أساسيًا من المعادلة السياسية والأمنية في الجنوب.
وتسعى إلى إرسال رسالة إلى الإقليم والمجتمع الدولي بأن الجنوب يمتلك قوات أثبتت قدرتها على مواجهة الإرهاب والحوثيين، وأن موقع الجنوب يجعله طرفًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات تتعلق بأمن باب المندب وخليج عدن.
وفي المقابل، فإن اختبار هذه الرسالة سيكون في قدرة القوات على تطوير مؤسساتها، وترسيخ مهنيتها، وتعزيز الانضباط، وحماية المجتمع، والعمل وفق قواعد واضحة للمسؤولية والمساءلة.
_ 55 عامًا والملف لم يُغلق
بعد خمسة عقود ونصف، لا تزال قصة الجيش الجنوبي مفتوحة.
حيث بدأت من مؤسسة عسكرية تأسست عام 1971م، ثم خاضت تجارب عربية وإقليمية، وارتبط اسمها بباب المندب وفلسطين ولبنان وليبيا والكويت، قبل أن تتعرض للتفكيك عقب حرب 1994م.
ثم عاد الجنوب إلى بناء تشكيلاته العسكرية في سنوات الحرب الأخيرة، بدءًا من المقاومة وتشكيلاتها المختلفة، وصولًا إلى القوات المسلحة الجنوبية الحالية.
وهكذا، فإن الأول من سبتمبر لا يستعيد الماضي فقط، بل يضع الحاضر أمام اختبار المستقبل.
فالجنوب الذي يستحضر اليوم تاريخه العسكري أمام حشود العاصمة عدن ومدينة المكلا، يواجه في الوقت ذاته سؤالًا أكثر صعوبة: كيف يحافظ على إرث الجيش، ويمنع تكرار تجربة تفكيكه، ويبني مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على حماية الأرض والسواحل والمجتمع؟
وتبقى الإجابة مرتبطة بقدرة القيادة والقوات والمجتمع على الانتقال من مرحلة استحضار البطولات إلى مرحلة بناء المؤسسات، ومن الاحتفاء بالذاكرة إلى توثيقها، ومن الدفاع عن وجود المؤسسة إلى تطويرها.
_ مليونية الجيش استفتاء على الذاكرة والهوية
مع اقتراب الأول من سبتمبر، تتجه الأنظار إلى العاصمة عدن ومدينة المكلا، حيث يُنتظر أن تشهد المدينتان حضورًا جماهيريًا واسعًا لإحياء الذكرى الخامسة والخمسين.
وتراهن القوى الداعية للمليونية وشعب الجنوب على أن تكون الحشود رسالة سياسية وشعبية تؤكد تمسك قطاعات واسعة من الجنوبيين بتاريخ الجيش وهويته، وتجدد دعمها للقوات المسلحة الجنوبية وقيادتها.
وبذلك تتحول المناسبة من مجرد ذكرى عسكرية إلى محطة سياسية تعكس طبيعة الصراع حول هوية المؤسسة العسكرية ومستقبلها.
فالجيش الجنوبي، في الوعي الجنوبي، ليس مجرد ثكنات أو وحدات عسكرية؛ إنه جزء من ذاكرة دولة وتجربة سياسية وهوية وطنية.
وبين جيش تأسس قبل 55 عامًا، ومؤسسة أعيد بناؤها في سنوات الحرب، يقف الجنوب أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: الحفاظ على المؤسسة، تطويرها، وتثبيت دورها في حماية الأرض والمجتمع والأمن البحري، مع تحويل إرثها التاريخي إلى بناء مؤسسي يليق بالمستقبل.
ومن العاصمة عدن، حيث بدأت حكاية المؤسسة العسكرية الجنوبية، إلى مدينة المكلا، بوابة الجنوب على بحر العرب، تبدو الذكرى الـ55 رسالة تتجاوز الماضي: التاريخ الذي صنعه الجنود لا يريد الجنوبيون أن يبقى مجرد ذكرى، بل يريدون أن يتحول إلى أساس لمؤسسة عسكرية حديثة، قوية، منضبطة، وقادرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.
#موعدنا_مليونيه_جيش_الجنوب