السبت - 29 أغسطس 2026 - الساعة 07:00 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو / د أمين العلياني
لا تحتاج الإرادة الشعبية إلى كثير من الشرح حين تكون واضحة، لكن الذين يعجزون عن مواجهتها يلجؤون غالبًا إلى صناعة الضجيج حولها وحين يفشلون في هزيمة مشروع في الميدان، يحاولون محاصرته بالمكونات؛ يُكثرون الأسماء، ويُفرّخون المجالس التنسيقية، ويصنعون من الهوامش منصات، حتى يبدو الصوت الواحد، الذي خرج من عمق الشارع، مجرد صوتٍ آخر وسط سوقٍ مكتظّ بالادعاءات.
وهذا هو ما يجري من تآمر على الجنوب اليوم، فخلف عناوين الحوار وتوحيد الصف والتنسيق، تتشكل، في بلد الوصاية السعودية، هندسة سياسية موازية لا تستهدف إثراء التعددية بقدر ما تستهدف إغراق قضية شعب الجنوب في تعددية صورية، تُقدَّم للخارج بوصفها دليلًا على أن الجنوب منقسم، وأن إرادته الوطنية لا تملك ممثلًا سياسيًّا جامعًا. وهنا تتحول كثرة المكونات من ظاهرة سياسية إلى وظيفة سياسية تهدف إلى تشتيت التمثيل، وإرباك القرار، وتأجيل الاستحقاق.
والمشكلة ليست في التعددية؛ فالتعددية التي تنبت من المجتمع حقٌّ طبيعي، بل ضرورة لأي حياة سياسية سليمة، بل المشكلة تبدأ حين تُصنع التعددية في الغرف، وتُضخّ بالمال والنفوذ، وتظهر في كل مرة تقترب فيها قضية شعب الجنوب من لحظة الحسم. عندئذٍ لا يعود السؤال: كم مكوّنًا في الجنوب؟ بل: من الذي منحه الناس شرعيته، ومن الذي صُنع ليكون رقمًا إضافيًّا في معادلة التعطيل؟
إن أخطر ما في المكونات البديلة أو المجالس التنسيقية أنها لا تحتاج إلى قاعدة شعبية واسعة لكي تؤدي وظيفتها؛ يكفي أن تُرفع لافتاتها على طاولة الحوار، وأن تُمنح مساحة في الصورة، حتى تتحول إلى ذريعة جديدة لتأجيل الحل. فكل صوت هامشي يمكن تضخيمه، وكل خصوصية محلية يمكن تحويلها إلى انقسام، وكل خلاف طبيعي يمكن استثماره لإعادة الجنوب إلى مربع البداية.
وهكذا تُستدعى المناطقية لتفكيك الوطن، وتُستثمر الخصوصيات الجغرافية لإضعاف الكتلة الشعبية، وتُعاد تدوير مشاريع سياسية قديمة بوجوه جنوبية جديدة، حتى يبدو الإبقاء على صيغ الوحدة المتعثرة وكأنه خيار جنوبي، لا مشروعًا يُراد تمريره عبر تعدد الأصوات وتضارب المسميات.
إن قضية شعب الجنوب ليست في حاجة إلى وصاية تصنع لها ممثلين، ولا إلى مختبرات سياسية تنتج لها بدائل كلما اقتربت إرادتها من التعبير عن نفسها؛ فالشعوب لا تُقاس بعدد الكيانات التي تحمل أسماءها، وإنما بقدرتها على إنتاج إرادتها الحرة، وبمن يملك التفويض الحقيقي والتضحيات والامتداد في وجدان الناس.
وما يحدث اليوم يجب أن يُقرأ بوضوح: حين تعجز القوى عن كسر الإرادة الجنوبية، تحاول كسر صورتها؛ وحين لا تستطيع إنكار وجودها، تحاول تفكيك تمثيلها؛ وحين تفشل في إسكات صوتها، تصنع أصواتًا كثيرة كي يضيع صوتها بينها.
لكن التاريخ لا يحفظ أسماء الكيانات التي صُنعت لعرقلة الشعوب، بل يحفظ إرادة الشعوب التي عرفت ماذا تريد، ودفعت ثمن ما تريد، وما بين صناعة البدائل وحقيقة الإرادة، سيبقى الجنوب أمام امتحان واحد: أن يحمي وحدته الوطنية من التفكيك، وتعدديته من التوظيف، وقضيته من أن تتحول إلى طاولة مفتوحة للتأجيل؛ فالإرادة التي لا يستطيع خصومها هزيمتها، يحاولون إغراقها بالضجيج، لكن الضجيج، مهما علا، لا يصنع شعبًا ولا يغيّر وجهة وطن.