4 مايو / بقلم د. أمين العلياني
لم يكن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017م حدثًا عاديًّا نشأ في سياق سياسي مضطرب، ولم يكن مجرد إضافة مكوّن جديد إلى قائمة المكونات التي ازدحمت بها الساحة الجنوبية التي كانت منذ 2007م متناثرة ومتناحرة على التمثيل والزعامة، بل جاء بوصفه تعبيرًا سياسيًّا عن لحظة تاريخية كان فيها الشارع الجنوبي يبحث عن إطار يحمل قضيته من حالة الاحتجاج المتناثر إلى حالة الفعل السياسي المنظّم. ومنذ اللحظة الأولى، استطاع المجلس أن يجذب حول مشروعه قطاعات واسعة من المجتمع الجنوبي، من القوى السياسية والمدنية والاجتماعية الثقافية والأدبية، إلى الشباب والمرأة والنخب والفعاليات الشعبية الاتحادات العمالية، تحت عنوان جامع هو استعادة الدولة الجنوبية وتحقيق الإرادة السياسية التي ظلّت قضية الجنوب تعبّر عنها منذ سنوات طويلة. وفي هذا السياق برز الرمز عيدروس بن قاسم الزبيدي بوصفه قائدًا لم يكن حضوره وليد ترتيب سياسي شكلي، وإنما حصيلة مسار نضالي طويل، ارتبط في الوعي الجنوبي بصورة المقاتل الذي خرج من الجغرافيا المحتلة إلى فضاء النضال في نصرة قضية شعبه، ثم وجد نفسه أمام تفويض شعبي واسع يطالبه بتحويل الرمز النضالي إلى مشروع سياسي ومؤسسي قابل للاستمرار.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا ظهر المجلس الانتقالي؟ وإنما: لماذا أصبح المجلس نفسه، بعد ظهوره، هدفًا دائمًا لمحاولات الاحتواء والإضعاف وإعادة تشكيل المشهد من حوله من قبل رعاة الحرب في الإقليم؟ ولماذا تحوّل الخلاف مع قيادته، في بعض المسارات السياسية، إلى محاولة لإقصائها أو الاستمرار في محاولة تفريغ التفويض الشعبي الذي تستند إليه؟ إن الإجابة لا يمكن أن تُختزل في خلاف على أشخاص أو مواقع أو حصص في سلطة انتقالية، لأن جوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ فالمجلس الانتقالي، في صورته السياسية التي قدّم بها نفسه، مثّل مشروعًا سياسيًّا واضح المعالم لقضية شعب سياسية ظلّت تبحث عن حامل مؤسسي قادر على التفاوض باسمها، ولذلك فإن التعامل معه لم يكن في كثير من الأحيان تعاملًا مع مفوض سياسي تقليدي يمكن تغيير قيادته أو إعادة توزيع مواقعه، بل مع بنية سياسية تحمل وراءها قضية شعب، وذاكرة صراع، وتراكمًا من التضحيات، وقاعدة شعبية ترى في المشروع الذي يتبناه المجلس امتدادًا لنضال طويل من أجل تقرير مستقبل الجنوب.
لقد كان أخطر ما مثّله المجلس الانتقالي، بالنسبة إلى خصوم مشروعه، أنه لم يبقَ في مستوى الخطاب السياسي؛ فقد حاول الانتقال إلى بناء مؤسسات وهيئات تنظيمية تمتد من القاعدة إلى القمة، ومن المحافظات إلى المديريات والمراكز المحلية، بما جعل المشروع أكثر قدرة على إنتاج التمثيل السياسي المنظم. كما استطاع، في الميدان العسكري والأمني، أن يبني تشكيلات وقوات ارتبطت، في خطابها السياسي والعسكري، بفكرة حماية الجنوب ومواجهة القوى التي اعتبرها الجنوبيون تهديدًا لأمنهم ومستقبلهم. وهنا بدأت المعادلة تتغير؛ فقضية شعب الجنوب التي كان يمكن التعامل معها باعتبارها احتجاجًا شعبيًّا متفرقًا أصبحت تمتلك قيادة سياسية، وقاعدة جماهيرية، وأدوات تنظيمية وميدانية، وخطابًا سياسيًّا يرفض أن تتحول القضية الجنوبية إلى ورقة تفاوضية تُدار من خارج إرادة شعبها صاحبة الحق في تفويض من تشاء في التعبير عن تطلعاتها.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم جانب مهم من أسباب استهداف المجلس الانتقالي الجنوبي، إذا افترضنا أن الاستهداف كان فعلًا سياسيًّا ممنهجًا كما يرى أنصاره. فالقوة الحقيقية لأي مشروع سياسي لا تكمن في عدد بياناته ولا في حجم حضوره الإعلامي، وإنما في قدرته على الجمع بين الشرعية الشعبية والقدرة التنظيمية والتمثيل السياسي والأداة الميدانية. وكلما اجتمعت هذه العناصر في قيادة واحدة، أصبح من الصعب إعادة صياغة المشهد السياسي من دون أخذها في الاعتبار. ولهذا فإن الخلاف حول المجلس لم يكن، في جوهره، خلافًا على اسم أو منصب؛ بل كان خلافًا حول سؤال أكبر: من يملك حق تمثيل الجنوب، ومن يحدد سقف مطالبه، ومن يقرر شكل التسوية التي سيُدعى إليها؟
وهنا تظهر الرياض في قلب المشهد بوصفها لاعبًا إقليميًّا يمتلك أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية واسعة التأثير في اليمن والجنوب العربي. ومن منظور مؤيدي المجلس الانتقالي، فإن المشكلة لم تكن في وجود علاقة مع المملكة العربية السعودية بحد ذاتها، ولا في الحاجة إلى علاقات إقليمية متوازنة، وإنما في رفض أن تتحول هذه العلاقة إلى وصاية سياسية تنتقص من استقلال القرار الجنوبي. فالمشروع الذي نشأ على أساس تفويض شعبي لا يستطيع، من وجهة نظر أصحابه، أن يقبل بأن يصبح تفويضه قابلًا للإلغاء بقرار خارجي، أو أن يُعاد تعريف تمثيله وفق مقتضيات تفاوضية لا تنبع من القاعدة الشعبية التي منحته ذلك التفويض.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إذا كان المجلس الانتقالي قد اكتسب قوته من التفويض الشعبي، فلماذا يصبح الحل المقترح هو إقصاء القيادة التي ارتبط بها هذا التفويض بدلًا من الاحتكام إلى الشعب الذي منح التفويض؟ وإذا كانت هناك اعتراضات على أداء المجلس أو على سياساته أو على تركيبته، فإن الطريق السياسي الطبيعي في المجتمعات الديمقراطية هو توسيع المشاركة، وإجراء الانتخابات، وإعادة بناء المؤسسات، وفتح المجال أمام المنافسة السياسية، لا إلغاء الممثل السياسي عبر ترتيبات فوقية. أما حين يصبح الخارج هو من يحدد من يمثل الداخل، فإن قضية شعب الجنوب تنتقل من خلاف سياسي مشروع إلى سؤال يتعلق باستقلال الإرادة الوطنية ذاتها.
ولعل أخطر ما يكشفه هذا المشهد أن الوصاية السياسية لا تبدأ دائمًا بإعلان الوصاية؛ فهي تبدأ غالبًا من التحكم في الموارد، ثم تتوسع إلى إدارة الخيارات، ثم تنتقل إلى إعادة تشكيل النخب، ثم تنتهي إلى محاولة صناعة تمثيل بديل يستطيع الخارج التعامل معه بسهولة أكبر. وعندما يصبح المواطن الجنوبي محتاجًا إلى الراتب، أو الكهرباء، أو الخدمات، أو الغذاء، أو فرص العمل، ثم تُربط هذه الاحتياجات بمواقف سياسية، فإن الاقتصاد يتحول من أداة للتنمية إلى وسيلة للضغط السياسي. وعندها لا يعود السؤال: ماذا يريد الشعب؟ بل يصبح السؤال: ماذا يستطيع الشعب أن يحتمل؟
إن استخدام الاحتياجات المعيشية وسيلةً للضغط على مجتمع يحمل قضية سياسية ليس مجرد خطأ في إدارة الأزمات، بل هو من أخطر أشكال تحويل الإنسان إلى أداة تفاوض. فالشعوب لا تتخلى بالضرورة عن قضاياها عندما تضيق بها الحياة؛ بل قد تتحول المعاناة نفسها إلى ذاكرة سياسية عميقة تجعلها أكثر حساسية تجاه كل محاولة لشراء إرادتها. ولذلك فإن الضغط على الناس في معاشهم لا يضمن تغيير قناعاتهم، وقد يؤدي، على العكس، إلى ترسيخ الاعتقاد بأن المشكلة ليست في قضية الشعب التي يؤمن بها، وإنما في القوى التي تحاول إخضاع إرادته بسببها.
أما الرئيس عيدروس الزبيدي، فإن محاولة اختزال حضوره في شخصه تُغفل جانبًا أساسيًّا من المعادلة. فالقيادات السياسية لا تصبح رموزًا بمجرد شغل المناصب، وإنما تتحول إلى رموز عندما تتقاطع سيرتها مع لحظة تاريخية تجد فيها الجماهير انعكاسًا لآمالها ومخاوفها وتضحياتها. ومن هنا فإن استهداف القيادة لا يعني بالضرورة إسقاط المشروع الذي تمثله؛ فقد تستطيع إقصاء شخص من موقع، لكنك لا تستطيع بسهولة إقصاء الفكرة التي صنعت ذلك الموقع، ولا محو الذاكرة التي جعلت الناس يمنحون ذلك الشخص ثقتهم.
والأخطر من ذلك أن محاولة صناعة قيادة جنوبية بديلة من خارج الإرادة الشعبية قد تنتج الشكل لكنها تعجز عن إنتاج الشرعية. فالشرعية السياسية ليست بطاقة تعريف تمنحها العواصم، ولا مقعدًا في اجتماع، ولا صورةً في مؤتمر؛ الشرعية، في جوهرها، علاقة ثقة بين المجتمع ومن يتحدث باسمه. وكل قيادة لا تستند إلى هذه العلاقة ستظل بحاجة إلى قوة خارجية تحمي موقعها، وكلما احتاجت القيادة إلى الخارج لكي تبقى، ازدادت المسافة بينها وبين الداخل الذي يفترض أن تمثله.
لهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: لماذا استُهدف المجلس الانتقالي الجنوبي؟ بل: لماذا يُخشى من مشروع يمتلك قاعدة شعبية إذا كان بالإمكان مواجهته بالديمقراطية والانتخابات والاستفتاء والاحتكام إلى إرادة الناس؟ ولماذا يُنظر إلى التفويض الشعبي باعتباره مشكلة ينبغي الالتفاف عليها بدل أن يكون قاعدةً لأي حل سياسي مستدام؟ إن أي تسوية تتجاهل هذه الحقيقة ستظل تسوية مؤقتة مهما بلغت قوة الأطراف التي تفرضها، لأن القضايا الوطنية لا تموت عندما تُغلق أبواب القاعات السياسية، ولا تختفي عندما تُقصى القيادات، ولا تُمحى عندما تُصنع مكونات جديدة.
لقد أثبت التاريخ السياسي أن المشاريع التي تستند إلى مجتمع واسع لا يمكن إسقاطها بمجرد إعادة ترتيب النخب، وأن محاولة تفكيك القيادة لا تعني بالضرورة تفكيك القاعدة الاجتماعية التي منحتها التفويض. وإذا كان ثمة اختلاف حقيقي حول مستقبل الجنوب، فإن الطريق الأكثر نزاهة ليس هندسة الممثلين من الخارج، وإنما فتح الطريق أمام الجنوبيين أنفسهم ليحددوا، بحرية ومسؤولية، من يمثلهم وما الذي يريدونه وما شكل الدولة التي ينشدونها.
وفي النهاية، قد تستطيع القوة أن تفرض الصمت، وقد تستطيع السياسة أن تؤجل الاستحقاق، وقد تستطيع الموارد أن تضيّق الخناق على الناس، لكن لا تستطيع أيٌّ منها أن تمنح الوصاية شرعيةً ليست لها. فالقضية الجنوبية، كما يراها أنصارها، ليست قضية قيادة يمكن إقصاؤها، ولا مجلسًا يمكن حله بقرار، ولا مشروعًا يمكن استبداله بمكوّن يُصنع في غرف التفاوض؛ إنها قضية مرتبطة بوعي جمعي تشكل عبر عقود من الصراع والتضحيات. ولذلك فإن إقصاء القيادة المفوَّضة، إن تم خارج الإرادة الشعبية، قد يغيّر شكل المشهد، لكنه لن يغيّر جوهر السؤال: من يملك حق تقرير مستقبل الجنوب؛ القوى التي تمتلك النفوذ، أم الشعب الذي يملك الأرض والتاريخ والإرادة؟
والجواب الذي لا تستطيع كل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي تجاوزه هو أن أي مشروع سياسي لا يستمد شرعيته من شعبه سيظل قابلًا للهندسة من الخارج، أما المشروع الذي يستند إلى إرادة شعبية حقيقية، فإن تغييب قيادته لا يلغي قضيته، وإقصاء ممثليه لا يلغي حق أصحابه في أن يكونوا أصحاب القرار الأول في مستقبل وطنهم.