اخبار وتقارير

الأربعاء - 17 يونيو 2026 - الساعة 11:37 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ تقرير/ مريم بارحمة


تشهد الساحة السياسية الجنوبية مرحلة بالغة الحساسية والتعقيد، في ظل تصاعد حدة المواجهة السياسية والإعلامية بين المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والأطراف التي تعمل على استهداف مشروعه الوطني وقضية شعب الجنوب. وفي هذا السياق، أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بياناً سياسياً مهماً تناول فيه الحملة المنظمة التي تقودها أذرع دبلوماسية وإعلامية وسياسية مرتبطة بالسلطات السعودية بهدف النيل من المجلس الانتقالي وقيادته ورمزية المشروع الوطني الجنوبي الذي يتبناه.

ويأتي هذا البيان في توقيت يراه مراقبون بالغ الدلالة، إذ يتزامن مع تحولات سياسية متسارعة تشهدها المنطقة، ومع تزايد النقاشات المتعلقة بمستقبل الجنوب وموقعه في أي تسوية سياسية قادمة، فضلاً عن تنامي الحراك الدولي والإقليمي المرتبط بملف الحرب والسلام في اليمن.

ويرى محللون سياسيون أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد خلاف سياسي عابر أو تباين في المواقف، بل يمثل امتداداً لصراع أعمق يتعلق بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله السياسي واستعادة دولته وهويته الوطنية، وهي القضية التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى محور رئيسي في المشهد السياسي الجنوبي.



ـ المجلس الانتقالي وموقعه في المعادلة الجنوبية

منذ تأسيسه عام 2017م، تمكن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي من ترسيخ حضوره السياسي والشعبي باعتباره أحد أبرز الفاعلين في الجنوب، حيث أصبح الممثل السياسي الأبرز لقضية شعب الجنوب، مستنداً إلى قاعدة شعبية واسعة وحضور فاعل في مختلف محافظات الجنوب، إضافة إلى مشاركته في العديد من المحطات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

ويؤكد المجلس بصورة مستمرة أن شرعيته تنبع من التفويض الشعبي الذي حصل عليه عبر الحشود الجماهيرية والفعاليات السياسية المتعاقبة، ومن دوره في تبني مطالب الجنوبيين والدفاع عنها في المحافل السياسية المختلفة. ولذلك يؤكد ناشطون أن أي محاولة لاستهداف المجلس الانتقالي أو إضعافه تُعد استهدافاً مباشراً لقضية الجنوب نفسها، وليس لمكون سياسي فحسب.

وفي هذا الإطار، يرى محللون سياسيون أن الحملة الأخيرة تستهدف بالدرجة الأولى تقويض المكانة السياسية للمجلس الانتقالي وإضعاف حضوره الشعبي، تمهيداً لإعادة رسم المشهد السياسي في الجنوب بطريقة تتجاوز الإرادة الشعبية الجنوبية وتعيد إنتاج معادلات سبق أن رفضها الشارع الجنوبي على مدى عقود.



ـ توقيت الحملة ودلالاته السياسية

يركز بيان المجلس الانتقالي على مسألة التوقيت، معتبراً أن الحملة الحالية جاءت في لحظة سياسية حساسة تتداخل فيها ملفات الحرب والسلام والتسويات السياسية والمصالح الإقليمية. ومن هذا المنطلق، يؤكد مراقبون أن الهدف الحقيقي من التصعيد الإعلامي والسياسي ضد المجلس الانتقالي هو صرف الأنظار عن الإخفاقات القائمة في إدارة الأوضاع الاقتصادية والخدمية والمعيشية في الجنوب، وتحويل النقاش العام نحو معارك سياسية وإعلامية جانبية.

كما يربط المجلس بين هذه الحملة ومحاولات تمرير ترتيبات سياسية جديدة لا تراعي تطلعات الجنوبيين، الأمر الذي يفسر، بحسب المحللين السياسيين، حجم التركيز على استهداف المجلس ورموزه السياسية خلال الفترة الأخيرة.

ويرى عدد من المتابعين للشأن الجنوبي أن البيان يعكس شعوراً متزايداً داخل أوساط المجلس الانتقالي بوجود محاولات لإعادة تشكيل موازين القوى في الجنوب بما يخدم مشاريع سياسية لا تنسجم مع الرؤية التي يتبناها المجلس بشأن مستقبل قضية الجنوب، ولا تمثل تطلعات شعب الجنوب.



ـ استحضار الذاكرة التاريخية الجنوبية

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في البيان استحضاره للتجربة التاريخية التي سبقت حرب عام 1994م، حيث يشير المجلس إلى تشابه الأساليب والخطابات المستخدمة حالياً مع تلك التي سبقت الحرب وما ترتب عليها من نتائج سياسية وعسكرية ما تزال حاضرة في الوعي الجمعي الجنوبي.

ولا يهدف هذا الاستحضار إلى إعادة إنتاج الماضي بقدر ما يسعى إلى التحذير من تكرار الأخطاء ذاتها. فقضية الجنوب اليوم أصبحت أكثر حضوراً وتنظيماً وتأثيراً مما كانت عليه في مراحل سابقة، كما أن الوعي الشعبي الجنوبي بات أكثر قدرة على قراءة التطورات السياسية واستيعاب أبعادها المختلفة.

ومن هنا، يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي العربي إلى التأكيد على أن أي محاولات لتجاوز الإرادة الجنوبية أو فرض ترتيبات سياسية لا تحظى بقبول شعبي ستواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع.



ـ رفض الاتهامات والدعوة إلى الأدلة

يتضمن البيان رفضاً واضحاً للاتهامات الموجهة إلى المجلس الانتقالي، حيث يؤكد أن تلك الاتهامات لم تستند إلى وثائق أو أدلة رسمية مقدمة عبر القنوات والمؤسسات الدولية المعتمدة.

ويؤكد محللون سياسيون أن اللجوء إلى الاتهامات الإعلامية دون تقديم أدلة موثقة يندرج ضمن إطار الحملات السياسية الهادفة إلى تشويه صورة المجلس الانتقالي وقيادته أمام الرأي العام المحلي والدولي.

ويشدد المجلس الانتقالي على ضرورة أن تتحمل جميع الأطراف مسؤولياتها السياسية والقانونية بعيداً عن سياسة تحميل الآخرين نتائج قرارات أو سياسات لم يكونوا طرفاً فيها.

كما يؤكد المجلس أن معالجة الأزمات السياسية المعقدة تتطلب قدراً كبيراً من الشفافية والموضوعية، وأن اختزال المشهد في روايات أحادية لن يسهم في بناء حلول حقيقية أو مستدامة.



ـ الجنوب بين ضبط النفس ومخاطر الانفجار

من الرسائل المهمة التي حملها البيان تأكيد المجلس الانتقالي أن حالة الهدوء النسبي السائدة في الجنوب لا ينبغي تفسيرها على أنها تعبير عن الرضا الشعبي تجاه الواقع القائم.

فالمجلس يرى أن هذا الهدوء يعود بدرجة كبيرة إلى سياسة ضبط النفس التي انتهجها خلال المرحلة الماضية، حرصاً على تجنب الانزلاق نحو مواجهات قد تؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.

ويؤكد المجلس إن الحفاظ على الاستقرار ظل يمثل أولوية بالنسبة له رغم حجم الاستفزازات والضغوط السياسية التي تعرض لها. ويحذر في الوقت ذاته من أن استمرار سياسات الإقصاء أو التضييق أو تجاهل مطالب شعب الجنوب قد يؤدي إلى تعقيد المشهد بصورة أكبر.

ومن هذا المنطلق، يدعو المجلس مختلف الأطراف الإقليمية والدولية إلى التعامل مع قضية الجنوب باعتبارها قضية سياسية قائمة بذاتها، لا مجرد ملف فرعي ضمن الأزمة اليمنية الأوسع.



ـ السلام المستدام والشراكة الحقيقية

يرى المجلس الانتقالي أن تحقيق السلام الدائم في المنطقة لا يمكن أن يتم عبر سياسات التخوين أو الإقصاء أو فرض الإرادات، وإنما من خلال بناء شراكات سياسية حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقائق الموجودة على الأرض.

ويشدد البيان على أن أي عملية سياسية ناجحة يجب أن تستند إلى الحوار والتوافق وإشراك جميع الأطراف الفاعلة، وفي مقدمتها القوى التي تمتلك حضوراً شعبياً وسياسياً واضحاً في الجنوب.

كما يؤكد المجلس أن استمرار تجاهل تطلعات الجنوبيين أو محاولة الالتفاف عليها لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.



ـ المجتمع الدولي أمام اختبار جديد

يوجه البيان رسائل مباشرة إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، داعياً إلى إعادة تقييم المقاربات الحالية تجاه الجنوب والتعامل مع التطورات الجارية بقدر أكبر من الموضوعية والتوازن.

ويؤكد المجلس أن بناء سلام حقيقي يتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة التحديات القائمة، وعدم الاكتفاء بقراءات سطحية أو تقديرات قد لا تعكس الواقع بصورة كاملة. كما يشدد على أهمية احترام الإرادة الشعبية الجنوبية عند صياغة أي حلول أو مبادرات مستقبلية.

وفي هذا السياق، يجدد المجلس دعوته للإفراج عن وفده المحتجز في الرياض، فهذه الخطوة تمثل اختباراً مهماً لجدية الأطراف المعنية في دعم مسارات الحوار والتفاهم السياسي.



ـ التسوية السياسية ومستقبل التمثيل الجنوبي

ويكشف البيان الأخير للمجلس الانتقالي الجنوبي عن مرحلة جديدة من التجاذب السياسي حول مستقبل الجنوب وموقعه في المعادلات الإقليمية والدولية. وفي الوقت الذي يؤكد فيه المجلس تمسكه بخيار الحوار والسلام، فإنه يبعث برسائل واضحة مفادها أن قضية شعب الجنوب لا يمكن تجاوزها أو تهميش ممثليها السياسيين.

ويؤكد مراقبون أن الجنوب اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي، تتداخل فيه التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية مع تطلعات شعبية واسعة نحو مستقبل مختلف. وفي هذا السياق، يواصل المجلس الانتقالي التأكيد على أنه سيظل متمسكاً بالدفاع عن قضية الجنوب وتمثيل تطلعات شعبه، معتبراً أن أي تسوية سياسية لا تستند إلى الإرادة الجنوبية الحقيقية لن تكون قادرة على تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة.