الأربعاء - 27 مايو 2026 - الساعة 11:41 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو / متابعات
الكاتب المصري/ عماد عبد الحافظ
اتخذت عدّة حكومات أوروبية خلال السنوات الأخيرة إجراءات عديدة تجاه جماعة الإخوان بهدف الحد من نشاطها والتقليل من تأثيرها داخل المجتمعات الغربية، ومن هذه الدول فرنسا وألمانيا وهولندا، والملاحظ فيما يصدر عن هذه الحكومات والمؤسسات المعنية بذلك هو أنّها تشير إلى ما يُطلق عليه "التسلل الخفي أو الناعم" الذي تمارسه جماعة الإخوان بهدف التغلغل في المجتمعات والسيطرة عليها على المدى الطويل وإحداث تأثير ثقافي واجتماعي بها.
هذا الأسلوب يمثل الاستراتيجية الأساسية التي تمارسها الجماعة، ليس فقط داخل المجتمعات الغربية ولكن داخل كل المجتمعات التي تتواجد فيها، وهو يمثل أحد مصادر قوتها وقدرتها على التأثير والاستمرار.
*أدوات استراتيجية التسلل الخفي
تتميز جماعة الإخوان عن غيرها من الجماعات والتيارات الإسلامية بالعديد من الأمور، منها الطريقة التي تعمل بها والمنهج الذي تتبعه من أجل تحقيق أهدافها، حيث تعتمد على منهج يجمع بين أساليب سياسية ودعوية وتربوية مختلفة، ويعتمد على التغيير المتدرج خلال مدة زمنية طويلة وليس التغيير الجذري المفاجئ.
ومنذ ظهور الجماعة في العام 1928م وهي تعمل على التغلغل الناعم داخل المجتمع من خلال أساليب عديدة ومتنوعة، وبعد خروج قيادات وأعضاء الجماعة من السجون في سبعينيات القرن العشرين وهي تعمل على تعميق وزيادة هذا التغلغل مستغلة سنوات سمحت لها الأنظمة الحاكمة بالعمل والانتشار في المجتمع، ويمكن الإشارة إلى عدد من هذه الأساليب التي تندرج تحت استراتيجية التسلل الخفي، وتعني هذه الاستراتيجية ممارسة الجماعة لعدد من الأساليب والممارسات التي تحقق لها انتشارًا كبيرًا داخل المجتمع في فئات وطبقات اجتماعية مختلفة، ويساعدها على امتلاك قاعدة شعبية داعمة لها ولو بشكل غير مباشر، تستطيع من خلالها أن تحقق مكتسبات تنظيمية وسياسية، ويضمن لها رسوخ أفكارها وقناعاتها داخل المجتمع بشكل كبير؛ وهو ما يساعدها على الاستمرار ومواجهة الأزمات التي تتعرض لها، ويُسهم في قدرتها على إعادة التموضع بعد كل أزمة.
ومن هذه الأساليب تغلغل الجماعة داخل العديد من مؤسسات الدولة سواء الرسمية أو غير الرسمية، حيث كانت الجماعة تسعى منذ السبعينيات إلى العمل من خلال النقابات المهنية واتحادات الطلاب بالجامعات ونوادي أعضاء هيئة التدريس والمدارس ومراكز الشباب والجمعيات الخيرية، وقد حقق لها هذا الأسلوب قدرًا كبيرًا من الانتشار وترسيخ الأفكار الخاصة بها داخل عقول الأفراد المنتمين إلى هذه المؤسسات، كما أنّ الجماعة كانت تسعى إلى استقطاب وتجنيد أفراد ينتمون إلى مؤسسات حكومية وأمنية وقضائية دون الكشف عن هوياتهم وتوظيفهم بطريقة تخدم الجماعة وأهدافها، وقد روى لي عضو سابق بالجماعة أنّه كان في فترة من حياته على وشك القبول للعمل بإحدى الجهات القضائية، فطلبت الجماعة منه حينها ألّا يشترك في أيّ عمل أو نشاط علني خاص بالجماعة حتى لا يُعرف انتماؤه، حرصًا منها على أن يكون أحد أعضائها عضوًا في هذه المؤسسة المهمة فيما بعد.
ومن الأساليب التي تمارسها الجماعة لتنفيذ استراتيجية التسلل الخفي كذلك ما تسميه بأسلوب "الربط العام"، ويعني أنّها تمارس العديد من الأنشطة في المجتمع بهدف التعرف على أكبر عدد من الأفراد ليس من أجل الاستقطاب والتجنيد فقط، ولكن من أجل نشر أفكارها على نطاق واسع، فيتحول هؤلاء الأفراد مع الوقت إلى داعمين للجماعة في مواقفها وممارساتها، كذلك من الأساليب ما كانت تقوم به الجماعة من توظيف لبعض الأفراد من غير المنتمين إليها ولكنّهم على صلة شخصية بأفرادها، بهدف نشر أفكار الجماعة، وكانت تفعل ذلك بشكل خاص مع خطباء المساجد والمدرسين، وهؤلاء لهم تواصل كبير ودائم مع الناس، ويستطيعون التأثير فيهم وترسيخ الأفكار والقناعات بشكل طبيعي وغير ملحوظ.
وقد كان البنا حريصًا على تنفيذ هذه الاستراتيجية منذ اليوم الأول، حيث كان يسعى إلى تمثيل العديد من فئات وطبقات المجتمع داخل الجماعة، وكان يسعى كذلك إلى وجود عناصر من الجماعة داخل الجيش والشرطة والقضاء، وهذا أسهم في قدرة الجماعة على التأثير خلال النصف الأول من القرن العشرين بدرجة كبيرة، وفيما بعد استمرت الجماعة على النهج نفسه، وقد كشفت ما عُرفت بـ "قضية سلسبيل" في العام 1992م عن خطة "التمكين" التي وضعتها الجماعة بهدف الوصول إلى الحكم والسيطرة على المجتمع، حيث تم العثور على أوراق الخطة في منزل خيرت الشاطر في العام 1991م، التي كشفت عن استراتيجية التسلل الخفي التي تستخدمها الجماعة من خلال التغلغل داخل قطاعات الطلاب والمهنيين ورجال الأعمال والفئات الشعبية والمؤسسات العسكرية والأمنية.
*أزمة التسلل الخفي
لا تأتي أزمة جماعة الإخوان من أنّها تمارس نشاطًا دعويًا أو سياسيًا في المجتمعات، ولكنّ الأزمة تأتي من كونها تملك مشروعًا ثوريًا، بمعنى أنّها تنطلق من رفض شبه تام للواقع وترى أنّه غير متوافق مع النموذج الإسلامي المتخيل لديها عن المجتمع؛ ومن ثم تسعى إلى هدم هذا الواقع واستبداله بواقع آخر ترى أنّه يمثل الحق المطلق، وهذا ما يؤدي إلى الرفض من جانب شريحة من المجتمعات العربية لوجود الجماعة فيها، ورفض للحكومات الأوروبية لها في الوقت الحالي لأنّها بدأت تنتبه إلى ما تحدثه الجماعة من تأثير على استقرارها وهويتها وقيمها، وهذا ما يلفت النظر إلى أزمة الإخوان البنيوية التي تمس فكرتها الأساسية ومشروعها الرئيس، فهي جماعة لا تمارس فقط نشاطًا دعويًا باعتبارها تفهم الإسلام على نحو ما لكن دون إلغاء الفهم الآخر، ولا تنافس على السلطة دون أن تسعى إلى إقصاء الآخر، ولا تقدّم نفسها كحركة معارضة دون أن ترى كل ما في الواقع باطل بطلانًا مطلقًا، ولكنّها ترى أنّها جاءت لتغير هذا الواقع بكل ما فيه، ولتبقى هي فقط ممثلة للحق المطلق وللدين الصحيح!