4مايو/تقرير خاص_مريم بارحمة
يشتدّ الحديثُ عن الفساد كلما تراجعت النماذج النزيهة، فتبرز في المقابل شخصياتٌ استثنائية لا تكتفي بالتنظير للإصلاح، بل تُجسّده واقعًا ملموسًا، وتفرض حضورها بصمتٍ يصنع الفارق، وتترك أثرها في وجدان الناس قبل سجلات المؤسسات. ومن بين هذه النماذج، تبرز الدكتورة نوال جواد سالم محمد، المدير العام السابق لمكتب التربية والتعليم في العاصمة عدن، كواحدة من أبرز القيادات التربوية التي استطاعت أن تحوّل المسؤولية إلى رسالة، والعمل الإداري إلى فعل إنساني عميق.
لم تكن تجربة الدكتورة نوال مجرد فترة زمنية عابرة في سجل العمل التربوي، بل كانت مرحلة مفصلية أعادت فيها ترتيب الأولويات، ووضعت الإنسان – معلمًا كان أو طالبًا – في صدارة الاهتمام. وفي ظل ظروف استثنائية معقدة يعيشها الوطن، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، استطاعت أن تصنع فارقًا حقيقيًا، وأن تكتب سيرة ناصعة من النزاهة والإخلاص.
-البداية.. مسؤولية بحجم التحدي
حين تولّت الدكتورة نوال جواد منصب مدير عام مكتب التربية والتعليم في عدن، كانت المؤسسة تعاني من تراكمات طويلة من الاختلالات، بعضها إداري، وبعضها مالي، وأخرى مرتبطة بضعف الرقابة وتداخل الصلاحيات. لم تكن المهمة سهلة، ولم يكن الطريق مفروشًا بالنجاح، لكن ما ميّزها منذ اللحظة الأولى هو وضوح الرؤية، وصلابة الإرادة.
دخلت إلى الميدان وهي تدرك أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالقرارات، بل يبدأ بإعادة بناء الثقة. ثقة المعلم في مؤسسته، وثقة الطالب في مدرسته، وثقة المجتمع في أن التعليم يمكن أن يكون منصفًا وعادلًا.
-النزاهة من شعار إلى ممارسة يومية
في زمنٍ اعتاد فيه البعض على التعامل مع الفساد كأمر واقع، جاءت الدكتورة نوال جواد لتكسر هذه القاعدة. لم ترفع شعار النزاهة فقط، بل جعلت منه سلوكًا يوميًا، ومنهج عمل لا يقبل التنازل.
عملت على محاربة كافة أشكال الفساد داخل مكتب التربية والتعليم عدن، وبكل إدارات التربية والتعليم بمديريات في العاصمة عدن، بدءًا من الممارسات الإدارية غير المنضبطة، وصولًا إلى التجاوزات المالية التي أثقلت كاهل العملية التعليمية. وضعت حدًا للرسوم غير القانونية التي كانت تُفرض على الطلاب وأولياء الأمور، وهو القرار الذي لم يكن إداريًا فحسب، بل كان قرارًا إنسانيًا أعاد الاعتبار لحق التعليم المجاني.
لقد شكّل هذا التوجه نقطة تحول حقيقية، حيث شعر المواطن البسيط أن هناك من ينحاز إليه، ويدافع عن حق أبنائه في التعليم دون استغلال أو ابتزاز.
-مجانية التعليم إنصاف للفقراء قبل أي شيء
من أبرز الإنجازات التي ارتبطت باسم الدكتورة نوال جواد، ترسيخ مبدأ مجانية التعليم في مدارس عدن. لم يكن هذا القرار مجرد إجراء تنظيمي، بل كان رسالة واضحة بأن التعليم ليس امتيازًا للأغنياء، بل حق أصيل لكل طفل، مهما كانت ظروفه.
أزالت الكثير من الأعباء عن كاهل الأسر، خاصة تلك التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة. فكم من طالب كان مهددًا بترك المدرسة بسبب رسوم غير قانونية، وكم من أسرة كانت تقف عاجزة أمام متطلبات التعليم، لتجد في قرارات الدكتورة نوال جواد طوق نجاة حقيقي.
-المعلم. أولوية لا تقبل التأجيل
إذا كان التعليم هو الأساس، فإن المعلم هو الركيزة التي يقوم عليها هذا الأساس. وقد أدركت الدكتورة نوال هذه الحقيقة مبكرًا، فوضعت المعلم في قلب مشروعها الإصلاحي.
لم تتعامل مع المعلمين كموظفين، بل كصنّاع أجيال، وكشركاء في بناء المستقبل. سعت بكل جهد إلى تحسين أوضاعهم، وانتزاع حقوقهم، رغم التحديات والإمكانيات المحدودة.
ومن أبرز ما تحقق في هذا الجانب، التنسيق مع السلطة المحلية في عدن خلال فترة قيادة المحافظ الاستاذ أحمد حامد لملس، لتوفير حوافز مالية للمعلمين، إلى جانب توزيع سلال غذائية. قد يرى البعض أن هذه الخطوات بسيطة، لكنها في واقع الحال كانت تحمل قيمة معنوية كبيرة، وتعكس شعورًا صادقًا بالمسؤولية تجاه المعلم في أصعب الظروف.
لقد شعر المعلم، في عهدها، أنه ليس وحده، وأن هناك من يقف إلى جانبه، ويدافع عن حقوقه، ويقدّر جهوده.
-الطالب إنسان قبل أن يكون رقمًا
لم تكن نظرة الدكتورة نوال جواد للعملية التعليمية نظرة تقليدية، بل كانت ترى في الطالب مشروع إنسان، يحتاج إلى رعاية شاملة، وليس مجرد متلقٍ للمعلومة.
تعاملت مع الطلاب بروح الأم، فاهتمت بتحسين البيئة التعليمية، والعمل على رفع جودة التعليم، وتعزيز القيم التربوية. كانت قريبة من هموم الطلاب، تدرك احتياجاتهم، وتسعى لتوفير بيئة آمنة ومحفزة لهم.
لم يكن هدفها فقط أن ينجح الطالب في الامتحان، بل أن ينجح في الحياة، وأن يكون فردًا صالحًا قادرًا على خدمة مجتمعه.
-قيادة متوازنة الحزم والرحمة في آن واحد
ما ميّز تجربة الدكتورة نوال جواد هو قدرتها الفريدة على الجمع بين الحزم والإنسانية. لم تكن قيادة متساهلة في مواجهة الفساد أو التقصير، بل كانت حازمة، واضحة، لا تقبل التهاون في الحقوق العامة.
وفي الوقت ذاته، كانت إنسانة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. متواضعة، قريبة من الجميع، تستمع، تتفهم، وتحتوي. تشارك التربويين أفراحهم وأتراحهم، وتتعامل معهم بروح الأسرة الواحدة.
هذا التوازن النادر هو ما جعلها تحظى باحترام الجميع، من موظفين ومعلمين وطلاب وأولياء أمور.
-العمل بصمت أثر يتحدث عن نفسه
لم تكن الدكتورة نوال من أولئك الذين يسعون إلى الأضواء، أو يلهثون خلف الظهور الإعلامي. كانت تؤمن أن العمل الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الإنجاز الصادق يفرض نفسه دون إعلان.
عملت ليل نهار، بصمت وإخلاص وأمانة، واضعة مصلحة التعليم فوق كل اعتبار. لم تكن تنتظر شكرًا، ولم تكن تبحث عن تكريم، بل كان دافعها الأول هو حب الوطن، والإيمان برسالة التعليم.
-التحديات طريق محفوف بالصعوبات
لم تكن رحلة الإصلاح سهلة، بل واجهت العديد من التحديات، بعضها مرتبط بضعف الإمكانيات، وبعضها الآخر بمقاومة التغيير من قبل المستفيدين من الفساد،
لكنها لم تتراجع، ولم تساوم، بل واصلت طريقها بثبات، مؤمنة أن الإصلاح الحقيقي لا يأتي دون ثمن، وأن التغيير يحتاج إلى شجاعة وصبر.
-تسليم المسؤولية درس في الأخلاق المؤسسية
حين جاء وقت مغادرتها المنصب، قدّمت نموذجًا راقيًا في تسليم المسؤولية. تم انتقال القيادة إلى الدكتورة مايسة عشيش بسلاسة واحترام، في مشهد يعكس وعيًا مؤسسيًا نادرًا.
لم تتشبث بالمنصب، ولم تتعامل معه كملكية خاصة، بل كأمانة تؤدى، ثم تُسلّم لمن يأتي بعدها. وهو درس مهم في ثقافة العمل المؤسسي التي تحتاجها مجتمعاتنا.
-إرث لا يُمحى
قد تغادر المناصب أصحابها، لكن الأثر الحقيقي يبقى. وهذا ما ينطبق على تجربة الدكتورة نوال جواد، التي تركت بصمة واضحة في مسار التربيةوالتعليم بعدن.
ستظل قراراتها، ومواقفها، وإنجازاتها، حاضرة في ذاكرة كل من عمل معها أو استفاد من جهودها. وستبقى نموذجًا يُستشهد به حين يُذكر الإصلاح والنزاهة والأمانة.
-نموذج للمرأة القيادية
تُعد الدكتورة نوال نموذجًا مشرفًا للمرأة العربية، التي استطاعت أن تثبت قدرتها على القيادة، وصناعة التغيير، وتحمل المسؤولية بكل كفاءة واقتدار.
جمعت بين العلم والحكمة، بين القوة والتواضع، بين الحزم والرحمة، وقدّمت صورة مشرقة للمرأة التي تقود بعقلها وقلبها في آن واحد.
-ما بين الواقع والأمل
قد يرى البعض أن الحديث عن نماذج مثالية هو نوع من المبالغة، لكن الحقيقة أن وجود شخصيات مثل الدكتورة نوال جواد يمنح الأمل بأن الإصلاح ممكن، وأن النزاهة ليست حلمًا بعيدًا.
هي ليست ملاكًا، لكنها إنسانة مخلصة استطاعت أن تقترب من الكمال المهني والأخلاقي في زمن صعب. إنسانة جعلت من موقعها وسيلة لخدمة الناس والإنسانية، لا أداة للنفوذ.
لقد خسرت التربية والتعليم في عدن قيادة نزيهة، لكن ما كسبته هو تجربة ملهمة، ستبقى شاهدة على أن العمل الصادق قادر على إحداث الفرق.
وفي زمنٍ يبحث فيه الجميع عن القدوة، تبقى الدكتورة نوال جواد واحدة من تلك النماذج التي تستحق أن تُروى قصتها، لا للتغني بالماضي، بل لاستلهام المستقبل.