الأحد - 12 أبريل 2026 - الساعة 10:19 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
ولدت الحرية مع الانسان كحق اصيل لا يقبل المساومة، بيد ان الاغلال التي تكبله بها النظم والمواثيق غالبا ما تجعل من المسيرة نحو استعادة الحقوق درب من العناء والشقاء، ولعل التمعن في كنه العلاقة بين الثورة والسياسة يكشف لنا عن تداخل عضوي لا ينبغي له ان يستحيل تناقضا الا حين ترتكب الخطيئة الكبرى بتقديم المناورة على المبدأ، فالمسار الثوري في جوهره يمثل الارادة الخام للامة التي تنشد الخلاص، وهو مسار يتوافق بالضرورة مع المنطق السياسي الرصين الذي يهدف الى تنظيم تلك الارادة وتحويلها الى واقع ملموس، فالثورة والسياسة منطقان غير نقيضين في الاصل، اذ ان الفعل الثوري يحتاج الى لسان سياسي يبينه للعالم، والسياسة تحتاج الى زخم ثوري يمنحها الشرعية والقوة، لكن الاشكالية الكبرى والخلل الجسيم يبرز حين يطغى الجانب السياسي ببراغماتيته المفرطة على الجانب الثوري بمثاليته الصارمة، ففي زمن الانتفاضات الشعبية الكبرى والمطالبات المصيرية يجب ان يخضع المنطق السياسي خضوعا تاما للمنطق الثوري، لان الثورة هي الاصل والسياسة هي الفرع النابت منها، والعكس لا يحدث ابدا في تاريخ الشعوب التواقة للانعتاق الا وافشل تلك الثورات واجهض احلامها في مهدها، فالثورة تمتلك القدرة والارادة على الاستغناء عن المسار السياسي بشكل كلي اذا ما رأت فيه قيدا او التفافا، بينما لا يستطيع المسار السياسي ان يجد لنفسه موطئا او حاجة للمسار الثوري الا حين تنتهي المهمة الكبرى بتحقيق اهداف الثورة.
وبالنظر الى واقع ثورة الجنوب خلال السنوات الاخيرة، وتحديدا منذ ان تأسس المجلس الانتقالي، نجد ان المعادلة قد اعتراها تغيير جوهري واختلال ملموس، حيث طغى المنطق السياسي بمتاهاته وتعقيداته على المنطق الثوري الصادق، وصارت الثورة بكل زخمها وتضحياتها خاضعة لمنطق السياسة وحساباتها الضيقة، في حين ان العكس هو الذي كان يفترض ان يسود السيادة المطلقة، فالثورة هي التي تضع الحدود وترسم الغايات، والسياسة هي التي تجد الوسائل، اما حين يتحرر منطق السياسة من عقال الثورة ومبادئها الراسخة فانه ينحرف بالضرورة عن الهدف التحرري المنشود، ويتوه في ازقة السياسة الملتوية والمتشعبة التي تفرض على الثورة وقائع ونتائج لا تنسجم مع ارادة الجماهير، فهذا الانحراف ليس مجرد خطأ تكتيكي بل هو معضلة وجودية تضع مصير الامة على المحك، فمنطق السياسة حين يغدو غاية في ذاته يتحول الى اداة للترويض والمهادنة، مما يضعف القوة الدافعة للتحرر ويجعل القضية رهينة لتوازنات القوى السياسية والمصالح الانية، فالواقعية السياسية لا تعني ابدا التخلي عن الجوهر الثوري، بل هي فن الممكن الذي يخدم الحق المطلق، وكل سياسة لا تجد في الثورة مرجعيتها الاخيرة هي سياسة عقيمة ستنتهي بالضرورة الى الفشل، اذ ان ارادة الشعوب لا يمكن اختزالها في طاولة مفاوضات اذا ما غابت عنها روح المقاومة والاصرار الذي اشعل الشرارة الاولى، والجنوب اليوم يقف امام هذا التحدي الكبير الذي يستوجب اعادة الامور الى نصابها الصحيح بجعل السياسة خادمة للثورة لا سيدا عليها، لضمان الوصول الى الغاية السامية التي لا تحتمل التأويل او الضياع في دهاليز المساومات.