اخبار وتقارير

الجمعة - 10 أبريل 2026 - الساعة 07:31 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ حافظ الشجيفي



يتجلى في ناموس الخصومات وبدائع المرافعة ان النفس الانسانية مجبولة على تضخيم اناها واستدعاء جحافل البيان لنصرة دعواها ولو كانت هباء منثورا، فترى الرجل يقبل على خصمه بصاع من الباطل فيزينه في قوالب من ذهب القول، ويحشد له من الحجج ما تنوء بحمله العصبة اولو القوة، مستخدما سحر اللغة ومراوغة المنطق وليّ عنق القوانين، ليجعل من سرابه ماء ومن باطله حقا ابلج، فاذا كان هذا ديدن المفتري الذي ينسج من خيوط العنكبوت دروعا ليحتمي بها وهو يعلم في قرارة نفسه انه على باطل، فكيف يكون حال من يسند ظهره الى جبل اشم من الحقائق العادلة والبراهين الدامغة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها فالحق في ذاته قوة مودعة في طبيعة الاشياء، لا تحتاج من صاحبها الا ان يطلق لها العنان لتصدع بالصدق، ولكن الفاجعة تكمن حين ينبري لتمثيل هذا الحق من يخرسه الوهن او يكبله التواطؤ، فيحول القضية الكبرى التي يتبناها الى همهمة فاترة لا تثير نقعا ولا تقيم وزنا.
وهذا ما طالعناه في المسلك الذي نهجه عمرو البيض حين وقف ممثلا للمجلس الانتقالي امام مجلس الامن الدولي مؤخرا، اذ تقدم بمذكرة لا ترقى في بنيتها ولا في معناها الى مستوى مظلمة باطلة، فضلا عن ان تكون معبرة عن قضية شعب وجغرافيا وتاريخ، فقد بدا وكأنه ينسلخ من اهاب المناضل ليرتدي جلباب الناشط الحقوقي الغرير، مفرغا القضية الجنوبية من محتواها الوجودي العارم، ومحولا اياها من صرخة شعب يطالب باسترداد دولته المسلوبة تحت نير احتلال عسكري غاشم دام ثلاثة عقود، الى مجرد شكوى خجولة تتمحور حول انتهاكات مدنية وحريات اجتماعية وقمع سلطوي، وكأنه يتحدث عن خلاف داخل دولة مستقرة يسودها التنازع على بعض الامتيازات، بينما الواقع ينطق بان الجنوب خاض غمار الموت وقدم قوافل من الشهداء في سبيل كسر اغلال الوحدة القسرية، حتى ادرك النصر في ديسمبر الماضي وتحرر ترابه بالكامل من قوى الاحتلال اليمني، ليعلن بيانه الانتقالي للاستقلال في لحظة فارقة من عمر الزمن.
بيد ان الغدر الذي لا تبرره المواثيق جاء من حيث لا يحتسب الميدان، حين تدخل الطيران الحربي السعودي ليضرب القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة، في طعنة نجلاء اعادت قوى الاحتلال مرفوعة الرأس مرة اخرى للجنوب بعد ان حسم الجنوبيون امرهم بالقوة والارادة معها، ليجد الجنوب نفسه اليوم تحت وطأة احتلال ثالث برعاية سعودية ضربت عرض الحائط بكل قيم ومبادئ مجلس الامن والامم المتحدة والشرائع السماوية والارضية، وكان حريا بالبيض والحال كذلك ان يضع المجتمع الدولي امام مرآة الحقيقة الصادمة، وان يطالبه بالاعتراف الفوري بدولة الجنوب وببيان الاستقلال، وادانة التدخل السعودي الذي صادر ارادة الشعب وتضحياته، ليلقي بالكرة في ملعب مجلس الامن ويحمله مسؤولياته التاريخية والقانونية تجاه شعب الجنوب وقضيته العادلة، لا ان يتخفف من اعباء القضية ويقدم مبررات مجانية لهذا المجلس ليواصل تخاذله وتقاعسه بذريعة ان اصحاب الحق انفسهم لا يدركون سقف مطالبهم.
فهذه المذكرة الهابطة في سقفها السياسي والمتحذلقة في صبغتها الحقوقية لم تكن نتاج جهل او عجز عن الصياغة، بل هي فعل ممنهج يستهدف كسر المعنويات واحباط العزائم وتدجين الارادة الشعبية لتتواءم مع المشاريع الدولية التي تحاول اجهاض تطلعات الجنوبيين، فالمساواة بين قضية وطن محتل وبين خروقات حقوقية هو تزييف للوعي واغتيال للعدالة، خاصة وان السعودية تدخلت في شؤون هي من صلب اختصاص مجلس الامن الذي لا يملك هو نفسه حق التدخل لمصادرة ارادة الشعوب، والبيض في مسلكه هذا يذكرنا بذات الوفد الذي ارتحل الى الرياض في يناير الماضي وانقلب على المجلس الانتقالي ابان الغدر السعودي، مما يؤكد ان المراهنة على هذا النهج هي مراهنة على السراب، ولا غرو في ذلك فما اشبه الليلة بالبارحة، وكأن التاريخ يعيد نفسه بصور اكثر بؤسا، فالجنوب اليوم يدفع ثمن ارث من القرارات التي اضاعت بوصلته منذ تسعينات القرن الماضي، وهذه المذكرة الرخيصة ليست الا مسمارا جديدا يحاولون دقه في نعش القضية، لكن وعي الشعب وتضحياته ستظل هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المذكرات المشبوهة والمناورات السياسية الهزيلة التي لا تليق بجلال الدم الجنوبي المسفوح على محراب الحرية.