السبت - 04 أبريل 2026 - الساعة 09:10 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
تتوالى الاحداث وتتشابك الخيوط في مشهد دولي واقليمي بالغ التعقيد، يتجاوز في مراميه وابعاده حدود المنطق السطحي الذي تروج له وسائل اعلام موجهة، دأبت على تزييف الحقائق وتسميم الوعي الجمعي للشعوب، عبر ضخ معلومات مضللة تهدف الى فصل الاسباب عن نتائجها، وترك الجماهير في حيرة من امرها، تساق نحو اجندات مرسومة سلفا خلف الكواليس الدولية، غايتها الوحيدة تمزيق النسيج الاجتماعي وتطويع الارادة الشعبية، خاصة حينما يتعلق الامر بشعب حي صامد كالشعب الجنوبي، الذي يجد نفسه اليوم في عين العاصفة، مستهدفا بمؤامرات تتجاوز الجغرافيا لتتصل باحداث دولية كبرى، يجري تنفيذها وتوظيفها ببراعة لاحباط عزيمته وكسر شوكته، بينما ينبري المحلل الحصيف ليسبر اغوار هذه الدسائس ويكشف المستور من تلك السيناريوهات التي يحيكها مخرج دولي لا يرحم.
وتتجلى بوادر هذا المخطط منذ مطلع يناير الماضي، حين تزامنت التدخلات العسكرية السعودية في الجنوب مع حراك دولي محموم، بدأ بحدث مفصلي تمثل في الاقدام الامريكي، وبأوامر مباشرة من ترامب، على قصف فنزويلا واعتقال رئيسها من داخل منزله، في خطوة صادمة تتنافى مع ابسط قواعد القانون الدولي، بيد ان هذا الفعل لم يكن معزولا عن سياق ما جرى في حضرموت والمهرة، حيث قامت القوات السعودية بقصف القوات المسلحة الجنوبية التي طهرت تلك الاراضي من بقايا الاحتلال اليمني، لتعيد تمكين القوى ذاتها في انتهاك صارخ للسيادة والارادة الشعبية، والرسالة هنا كانت مشفرة وبالغة القسوة، مفادها ان القوة العظمى التي يراهن او يستنجد بها الجنوبيون لحمايتهم من التغول الاقليمي، هي نفسها من يمارس ابشع صنوف الغطرسة ضد جيرانها، ومن ثم فلا رهان على عدالة دولية او حماية خارجية، بل هو دفع ممنهج نحو اليأس والاستسلام للواقع الذي تفرضه الرياض، واجبار الجنوبيين على القبول بحوار لا يحقق تطلعاتهم.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل امتدت يد المخرج لتنبش في ملفات القذارة الاخلاقية عبر تفجير فضائح جزيرة ابستين، وهي فضائح جرى تسريبها والموافقة على نشرها من قبل الادارة الامريكية ذاتها، لتصوير قادة الدول العظمى والمجتمع الدولي كله كمجموعة من الفاسدين المتورطين في جرائم اخلاقية وحقيرة لا تليق حتى بالعصابات الاجرامية، ورغم ان كثيرا من هذه المعطيات ملفقة ومفبركة ومصنوعة بتوقيت مريب، الا ان الغرض السياسي منها كان يتجه مباشرة صوب الانسان الجنوبي، لاقناعه بان المجتمع الدولي الذي يعتمد عليه في انصافه هو مجتمع منحط، وصايع، وغارق في الفساد، ولا يمكن ان يلتفت لقضية عادلة او ينتصر لمبادئ اخلاقية هو نفسه يفتقر اليها، فالهدف كان تحطيم الامل لدى الجنوبيين في اي افق قانوني دولي، وحصر الخيارات في الزاوية الضيقة التي ترسمها السعودية عبر حوارها المفصل على مقاس اجندات القوى الدولية، لكن الرهان على احباط الجنوبيين خاب، ليس لانهم كشفوا اللعبة وادكوا الغاية، بل لان ايمانهم بكرامتهم وارادتهم كان اقوى من كل المؤامرات الدولية.
وفي فصل ثالث من هذا السيناريو الهوليودي، برزت ملامح التصعيد المفتعل بين امريكا واسرائيل من جهة، وايران من جهة اخرى، في حرب دعائية وعسكرية تهدف في جوهرها الى تضخيم القدرات الايرانية وتصويرها كقوة عظمى لا تقهر، يعجز الغرب بكل ترسانته عن هزيمتها، وهذا التهويل المتعمد لم يكن موجها للاستهلاك العالمي فحسب، بل كان يستهدف اشاعة الرعب في الانسان الجنوبي وتخويفه، عبر الايحاء بان الحوثي، المدعوم من هذه القوة الايرانية الجبارة، يمتلك من المنعة ما يجعل مقاومته ضربا من الخيال، ومن ثم يصبح الاستسلام للمبادرات السعودية والقبول بالحوار الذي تتبناه هو المخرج الوحيد لتفادي الابتلاع الحوثي، وهي محاولة بائسة لتوظيف البعبع الايراني لخدمة اهداف سياسية اقليمية ضيقة.
فكل هذه المناورات الدولية، من قصف فنزويلا الى فضائح ابستين وصولا الى مسرحية القوة الايرانية، تحطمت صخورها على عتبة الصمود الاسطوري للشعب الجنوبي، الذي اثبت بصموده الفطري وايمانه بحقه وعزيمته الفولاذية ان ارادة الشعوب لا تروضها المسرحيات السياسية ولا ترهبها القوى المصنوعة في مختبرات المخابرات الدولية، فرغم ضخامة المؤامرة وتعدد وجوهها، سقط السيناريو وفشل المخرج في تحقيق غايته، ليبقى الجنوب عصيا على الانكسار، ثابتا في وجه الاعاصير التي ارادت له التيه، فكان اكثر وضوحا واشد اصرارا على انتزاع حقه، ضاربا عرض الحائط بكل محاولات التخدير والترهيب التي سيقت في قوالب احداث دولية كبرى ظن الواهمون انها ستحجب شمس الحقيقة الجنوبية.