4مايو/تقرير خاص_مريم بارحمة
تتجلّى عظمة القادة الحقيقيين حين تتحول المناصب في أيديهم إلى مساحات عطاء وأمانة، وحين تصبح المسؤولية فعلَ رحمةٍ وعدلٍ قبل أن تكون سلطة قرار. وتجسّد الأستاذة حياة عبده عبدالله، مديرة تربية الشيخ عثمان بالعاصمة عدن، هذا المعنى النبيل للقيادة التربوية، بوصفها نموذجًا استثنائيًا جمع بين النزاهة الصارمة والإنسانية العميقة، وبين الحزم الإداري وقلب الأم الحنون.
تمثل هذه القامة التربوية حضورًا لافتًا في مشهدٍ تعليمي مثقل بالتحديات، حيث اختارت أن تكون في مقدمة الصفوف، تعمل بصمت، وتواجه الصعوبات بإرادة صلبة، واضعة مصلحة التعليم والطلاب والمعلمين فوق كل اعتبار.
-مسيرة تربوية صنعتها المصداقية لا المناصب
بدأت الأستاذة حياة عبده عبدالله رحلتها من الميدان التعليمي، حيث تشكّلت شخصيتها المهنية في عدة مدارس بالعاصمة عدن وبرهنت بأفعالها أن التعليم ليس تلقينًا فقط، بل تربية وبناء إنسان ونزاهة. ومن هذا المنطلق، تدرجت في مواقع العمل التربوي بثباتٍ واستحقاق، فكانت معلمةً مشهودًا لها بالكفاءة، ثم وكيلة فنية تحمل همّ التطوير، ثم مديرة مدرسة الممدارة بنين قادت مؤسستها بحكمة، وصولًا إلى موقعها الحالي كمديرة لتربية الشيخ عثمان.
تعكس هذه المسيرة الطويلة حقيقة واحدة، مفادها أن القيادة لا تُمنح، بل تُكتسب بالعمل، وبالسمعة الطيبة، وبالإخلاص الذي يسبق صاحبه أينما ذهب.
-نزاهة إدارية وحزم لا يعرف المجاملة
تفرض النزاهة نفسها كأبرز ملامح شخصية الأستاذة حياة، إذ عُرفت بصرامتها في تطبيق النظام، وعدالتها في اتخاذ القرار، ورفضها القاطع لأي شكل من أشكال المحاباة أو التمييز. وتؤمن أن العدل أساس الاستقرار في أي مؤسسة تعليمية، وأن الانضباط هو الطريق الأول لإصلاح التعليم.
يجتمع الحزم لديها مع وعيٍ عميق بطبيعة العمل التربوي، فلا قسوة في القرار، ولا تهاون في الحق، بل ميزان دقيق يضمن هيبة الإدارة، ويحفظ كرامة العاملين في آنٍ واحد.
-قلب أم قبل عقل مديرة
تفيض إنسانية الأستاذة حياة عبده عبدالله في تعاملها مع الطلاب، حيث لا تنظر إليهم بوصفهم أرقامًا في سجلات، بل أبناءً يحتاجون إلى الاحتواء قبل التوجيه، وإلى الرحمة قبل العقاب. وتتعامل مع قضاياهم بعين الأم، وقلب المربية، وحكمة المسؤولة، فتجمع بين الشدة التربوية حين تستوجب المصلحة ذلك، والعطف الإنساني الذي يزرع الطمأنينة في نفوسهم.
تحرص على أن تكون المدرسة بيئة آمنة نفسيًا وتربويًا، وتدرك أن التربية السليمة تقوم على الحزم الرحيم، لا على القسوة، وعلى الفهم لا على العقاب وحده. لذلك كسبت احترام الطلاب قبل انضباطهم، ومحبتهم قبل التزامهم.
-نصيرة المعلم وصوت معاناته
يبرز اهتمام الأستاذة حياة بالمعلم كركيزة أساسية في مشروعها التربوي، إذ تؤمن أن النهوض بالتعليم يبدأ من إنصاف المعلم، والوقوف إلى جانبه إنسانيًا ومهنيًا. وتتعامل مع قضايا الكادر التربوي بروح المسؤولية، فتستمع، وتتفهم، وتحتوي، وتسعى لتحسين أوضاعهم بما يتوفر من إمكانات وتبذل جهودا جبارة في سبيل ذلك. تعاملها مع المعلمين لا تحكمه المسافة الإدارية، بل القرب الإنساني، حيث يشعر الجميع بأنها أم وأخت قبل أن تكون مديرة، دون أن يُضعف ذلك هيبة القرار أو صرامة النظام.
-قيادة تعمل بصمت وتترك الأثر
تعمل الأستاذة حياة عبده عبدالله ليلًا ونهارًا، دون ضجيج إعلامي أو بحث عن الأضواء، وفي أصعب الظروف، واضعة هدفًا واضحًا يتمثل في الارتقاء بالعملية التعليمية، وتطوير الأداء الإداري والتربوي، وتقديم خدمات تعليمية أفضل للطلاب في ظل واقع صعب وإمكانات محدودة. تحولت إدارة تربية الشيخ عثمان في عهدها إلى مساحة عمل جماعي، يسودها التعاون، وروح الفريق، والشعور بالمسؤولية المشتركة، في محاولة جادة لانتشال التعليم من أزماته المتراكمة، وإعادة الاعتبار للمعلم وللمدرسة.
-سيدة جمعت الشدة بالرحمة والعدل بالإنسانية
تجتمع في شخصية الأستاذة حياة عبده عبدالله صفات نادرة قلّ أن تلتقي في قائد واحد؛ النزاهة، الأمانة، حسن القيادة، التواضع، الرحمة، والحزم. وتمكنت من أن ترسم لوحة قيادية متكاملة، جسدت فيها معنى التربوية المثالية، والقيادية الحكيمة، والأم الحنون التي تحمل همّ الجميع.
ولا يُعدّ مبالغة القول إن هذه السيدة سطّرت واحدة من أجمل صور القيادة التربوية، حيث التقت الإنسانية بالمسؤولية، والتربية بالعدل، والقوة بالرحمة.
-كلمة وفاء
يستحق هذا النموذج التربوي كل التقدير والإحترام، لما قدمه ويقدمه من عطاء صادق في خدمة التعليم وأهله. وهنيئًا لمديرية الشيخ عثمان، وهنيئًا لتربية الشيخ عثمان، بهذه المرأة الحديدية في مواقفها، والإنسانة في جوهرها، التي أكدت أن التعليم يمكن أن ينهض حين تقوده قلوب عامرة بالإيمان برسالته.