اخبار وتقارير

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 11:58 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ حا



يستقر في روع المتأمل لطبائع الامور وحقائق التاريخ ان الحق لا يحتاج الى حيلة ليعلن عن نفسه وان الحرية لا تلتمس من ابواب الخديعة ولا تأتي عبر الطرق الملتوية بل هي شمس تشرق من افق التضحيات لتنير دروب الشعوب المستقلة بقرارها والواضحة في غاياتها فما نراه اليوم من لغط سياسي وجدل بيزنطي يتصاعد بين النخب الجنوبية حول مستقبل الحكم في الجنوب يمثل في جوهره طعنة نافذة في خاصرة المنطق السياسي السليم وازدواجية مقيتة في المعايير تخفي خلفها تفتيتا للروح قبل الارض وتمزيقا للوحدة الاجتماعية والسياسية والثقافية قبل الجغرافيا اذ تطرح الفيدرالية كخيار سواء في سياق العلاقة مع الشمال او كنظام داخلي للدولة الجنوبية المستقلة المنشودة غير ان التناقض الصارخ في تبني هذه النخب للفيدرالية في الحالتين يثير تساؤلات منطقية عميقة حول حقيقة دوافعهم ونتائج هذا النظام على وحدة الجنوب واستقلاله المنشود وتحليل هذا التناقض يقود بالضرورة الى استنتاج يؤكد ان الفيدرالية بالنسبة للجنوب هي مشروع للتفكيك والتقسيم الداخلي اكثر منها خطوة نحو التوحيد او الاستقلال الكامل.
وتتبنى بعض النخب الجنوبية حجة ان استقلال الجنوب الكامل عن الشمال لن يتحقق إلا عبر بوابة الفيدرالية معه باعتبارها حسب زعمهم الخطوة التمهيدية ما قبل الاخيرة التي لا بد منها للوصول الى الانفصال النهائي عن الشمال ووفقا لهذا المنطق فان الفيدرالية مع الشمال تمثل جسر عبور اجباري للجنوب نحو الاستقلال وانها ستمنحه الادوات اللازمة لفك ارتباطه بالشمال تدريجيا وكأن الاستقلال منحة تؤخذ بالتقسيط او حق يستجدى عبر اطالة امد الارتباط باليمن وتكريس هيمنته على الجنوب في قوالب دستورية جديدة توفر للخصم فرصة المناورة والمساومة بورقة الجنوب في اسواق النخاسة السياسية الدولية بدلا من الانقضاض المباشر على لحظة التحرير التي صنعتها دماء الشهداء طيلة ثلاثة عقود من النضال المرير والمفارقة المذهلة هنا تكمن في ان هذه النخب ذاتها تتبنى في الوقت نفسه مشروع الفيدرالية كنظام حكم داخلي في ظل دولة الجنوب المستقلة من خلال اقليم شرقي يضم حضرموت والمحافظات المجاورة لها واقليم غربي يضم عدن والمحافظات القريبة منها حيث يصبح التناقض المنطقي هنا صارخا اذ يقرون ضمنيا بان الفيدرالية بين الشمال والجنوب هي خطوة نحو الانفصال لكنهم في الوقت ذاته يغضون الطرف عن ان ما ينطبق على العلاقة بين الشمال والجنوب ينطبق حتما على العلاقة بين اقاليم الجنوب المستقلة.
والتبرير الذي تستخدمه هذه النخب لوصف الفيدرالية مع الشمال بانها الخطوة التمهيدية ما قبل الاخيرة لاستقلال الجنوب هو ذاته الذي يؤكد ان الفيدرالية بين اقاليم الجنوب المستقلة هي في حقيقتها الخطوة التمهيدية الاخيرة على طريق انفصال هذه الاقاليم الجنوبية عن بعضها البعض لاحقا فإذا كانت الفيدرالية بحد ذاتها تحمل بذور التفكك والانفصال عن المركز الاكبر المتمثل في الشمال فمن المنطقي والطبيعي ان تحمل ذات البذور للانفصال عن المركز الاصغر المتمثل في عدن في ظل الدولة الجنوبية المستفلة وعليه فلا يسع المرء إلا ان يوجه سؤاله المنطقي والدامغ لتلك النخب كيف يمكن للنظام الفيدرالي ان يؤدي الى استقلال الجنوب عن الشمال ولا يؤدي بالضرورة الى استقلال اقليم حضرموت عن اقليم عدن في حال تطبيقه في دولة الجنوب المستقلة فهذا التناقض الفكري والتطبيقي يكشف إما عن سذاجة في فهم طبيعة النظام الفيدرالي ونتائجه او وهو الاخطر يكشف عن اجندات خفية تهدف الى اعادة تفكيك الدولة الجنوبية داخليا تحت غطاء الفيدرالية وبينما ناضل الجنوبيون لثلاثة عقود قدموا خلالها اعظم التضحيات في سبيل استعادة دولتهم فان اقليم حضرموت سوف ينفصل عن اقليم عدن بكل سهولة ويسر ودون نضالات او تضحيات مع فارق ان الجنوب كانت دولة مستقلة قبل احتلالها من قوى الشمال فيما كانت حضرموت جزءا لا يتجزأ منها على مدى تاريخها السياسي والثقافي والاجتماعي.
وبالنظر الى كل هذه التضحيات والانتصارات التي أدت الى تحرير الجنوب من الاحتلال اليمني نطرح التساؤل الثاني لهذه النخب لماذا لا يمكن للجنوب ان يعلن استقلاله الكامل والمباشر والفوري عن الشمال بعد ثلاثة عقود من النضال والتضحيات إلا عن طريق الفيدرالية معه في حين لا يوجد أي مبرر منطقي او قانوني او سياسي لتأخير اعلان الاستقلال الفوري والمباشر فالفيدرالية مع الشمال في هذا التوقيت هي في حقيقتها اعادة انتاج للاحتلال اليمني بشكل اخر وتأجيل غير مبرر للهدف النهائي وتمكين لمراكز القوى الشمالية من ابقاء ورقة الجنوب كورقة مساومة على ان النتيجة الحتمية والمنطقية والبديهية لتطبيق النظام الفيدرالي سواء مع الشمال او داخليا في دولة الجنوب المستقلة القادمة.هو انه نظام لتفكيك الجنوب وليس لتوحيده فقد ثبت تاريخيا ان الفيدرالية في سياق الدول الهشة تمثل خطوة اولى نحو الانفصال وما ينطبق على الجنوب والشمال ينطبق تماما على الجنوب باقاليمه المختلفة لذلك فان الفيدرالية هي وصفة للانفصال الداخلي وتفكيك الدولة الجنوبية وتبديد لثمار ثلاثة عقود من النضال كما انه كلنا نعلم بان هناك مشروع فيدرالي تتبناه قوي دولية تحاول ان تفرضه في اليمن عنوة على اعتبار انه الحل الجذري للازمات والمشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية التي تفتعلها عن طريق بعض الاطراف المحلية والاقليمية في البلاد لتنفيذ هذا المشروع او لكي يتسني لها تقديمه للشعب على اساس انه الحل الجذري لتلك المشاكل والازمات المفتعلة.
لكن ماذا يعني تقسيم الجنوب الى اقليمين والشمال الى اربعة اقاليم فيدرالية حيث يمثل هذا المخطط خطوة ما قبل الاخيرة نحو تقسيم اليمن الى ست دول مستقلة اذ انه وبعد تطبيق مشروع الفيدرالية سيطالب كل اقليم من هذه الاقاليم الستة بالانفصال كدولة مستقلة لاسباب ومبررات سيتم افتعالها وتوفيرها في حينه بالاستناد الى نصوص القانون الدولي التي تضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها وبالتالي فسوف يتحول اليمن الى ست دول صغيرة وهذا هو الهدف النهائي الذي تسعى اليه تلك القوى عبر مشروع الفيدرالية الذي تتبناه اليوم وعلى سبيل المثال ففي حالة تطبيق هذا السيناريو في الجنوب فلن يكون مسموحا للعدني او اللحجي او الضالعي بان يذهب الى دولة حضرموت المستقلة إلا بفيزة مسبقة والعكس صحيح ايضا وينطبق على باقي الدول الخمس المستقلة ما يعني ان مشروع الفيدرالية الذي تتبناه تلك القوى وتروج له عبارة عن فخ كبير للشعب الجنوبي ويشكل تهديدا على تماسكه ووحدته علاوة على ذلك فان النظام الفيدرالي هو نظام لا يصلح إلا في الدول والشعوب التي تعاني من انقسامات او نزعات عرقية او مذهبية او ثقافية حادة وهذا لا ينطبق على الجنوب العربي الذي لا يعاني من أي انقسامات اجتماعية او سياسية او دينية او عرقية او ثقافية بينما قد يناسب الى حد ما وتحت ضغوط الشمال الذي يعاني من اختلافات مذهبية ودينية واجتماعية وفي النهاية فان تحقيق الانفصال بين الشمال والجنوب يمثل الخيار الاكثر واقعية الذي يحافظ على اكبر قدر من الوحدة بدلا من الفيدرالية التي ستؤدي بلا شك الى تقسيم اليمن الى ست دول مستقلة ومتناحرة على الحدود والموارد .