اخبار وتقارير

الثلاثاء - 13 يناير 2026 - الساعة 03:47 م بتوقيت عدن ،،،

4مايو/كتب: د.يحيى شايف ناشر الجوبعي


ليس التسامح علامة ضعف ولا التصالح خضوعا للذاكرة أو تنكرا للجراح كما أن التضامن ليس مجرد تعاطف عاطفي عابر بل هذه الثلاثية في جوهرها تمثل أعلى مراتب النضج الأخلاقي والسياسي للشعوب.
فالأمم التي لم تبلغ وعي حريتها لا ترى في التاريخ سوى ساحات ثأر ولا في الماضي إلا مستودع أحقاد بينما الشعوب الحرة وحدها من تحسن تحويل الألم إلى وعي والدم إلى معنى والانقسام إلى مشروع خلاص والفرد إلى جزء فاعل في جماعة متماسكة.
من هذا الأفق الفلسفي العميق تشكل مشروع التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي- الجنوبي الذي يدخل اليوم في ذكراه العشرين لا بوصفه مبادرة اجتماعية محدودة بل باعتباره ثورة في الوعي الجمعي قبل أن يكون ممارسة في الواقع السياسي .
لقد جاء هذا المشروع استجابة لضرورة تاريخية ملحة حين أدرك الجنوبيون أن أخطر ما خلفته مراحل الصراع السابقة لم يكن الدمار المادي فحسب بل تفكك الروابط وتشظي الذاكرة وتآكل الثقة وانكسار المعنى المشترك .
ولهذا كان التصالح قطيعة واعية مع منطق الإقصاء وكان التسامح شجاعة الاعتراف أما التضامن فكان إعادة بناء للجسد الجمعي الذي تكسر بفعل الصراعات.
فالتضامن هنا لم يكن شعارا بل ممارسة وعي أعادت وصل ما انقطع بين الجنوبي وأخيه الجنوبي ورسخت الإحساس بالمصير الواحد والمسؤولية المشتركة.
وفي لحظة نادرة من الصفاء السياسي ارتقى الجنوب العربي فوق جراحه وأعاد تعريف ذاته بوصفها هوية جامعة لا تختزل في حزب أو منطقة أو مرحلة .
ومن رحم هذا الوعي المركب ولدت الثورة السلمية الجنوبية ثورة لم تبدأ بنداء السلاح بل بنداء الكرامة.
خرج الناس إلى الساحات متسلحين بذاكرة متصالحة مع ذاتها وبوجدان متضامن مع بعضه فكانت السلمية موقفا فلسفيا قبل أن تكون خيارا سياسيا وإعلانا أخلاقيا يقول إن القضية العادلة لا تحتاج إلى تشويه روحها كي تثبت شرعيتها.
غير أن السلمية حين تصطدم بعنف الإلغاء ومحاولات محو الوجود لا تلغي حق الدفاع عن الذات.
وهكذا لم تكن المقاومة المسلحة الجنوبية نقيضا لمشروع التصالح والتسامح والتضامن بل امتدادا طبيعيا له في سياق مختلف.
فالذي تصالح مع أخيه في الداخل وتضامن معه في الوعي والموقف امتلك شرعية الوقوف صفا واحدا في مواجهة الاحتلال اليمني الذي صادر الأرض والقرار والهوية.
لقد كانت المقاومة تعبيرا عن وحدة داخلية صلبة لا رد فعل عشوائيا ولا انفجار غضب أعمى.
إن التجربة الجنوبية تقدم درسا سياسيا بالغ العمق ؛ إذ لا تحرر بلا وحدة ولا وحدة بلا مصالحة ولا مصالحة بلا تسامح ولا تسامح بلا تضامن فعلي يحول القيم إلى قوة.
وهي بهذا المعنى ليست مجرد محطة في تاريخ الجنوب بل إحدى أهم أدواته في معركة الوعي والوجود وصناعة المستقبل.
لقد أثبت الجنوب أن الشعوب التي تتقن فن التسامح وتحسن إدارة التصالح وتبني تضامنها الداخلي تعرف متى تحتج ومتى تقاوم ومتى تحمل السلاح دون أن تفقد إنسانيتها أو تفرط في أخلاقيات قضيتها.
فالتصالح لم يكن نسيانا للظلم والتسامح لم يكن تبريرا له والتضامن لم يكن عاطفة بل كانت جميعها أدوات لتنظيم الذاكرة ووضعها في خدمة مشروع التحرير والاستقلال.
ولهذا يبقى مشروع التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي - الجنوبي فعلا سياديا بامتياز ؛ لأنه حرر الإرادة قبل أن يسعى لتحرير الأرض وأعاد بناء الإنسان قبل أن يعيد رسم الجغرافيا.
وتلك هي الثورات الكبرى التي تبدأ من الداخل وتتجذر في الوعي وتنتصر حين يصبح الوطن قيمة أخلاقية جامعة قبل أن يكون مجرد حدود سياسية وهذا ما تجسد في الدور البارز الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الأخ الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية.