4 مايو/ البيان/رضا أبوالعينين
رضا أبوالعينين
لطالما اعتُبرت صورة لطائرة مقاتلة محاطة بسحابة بيضاء كثيفة واحدة من أشهر الصور التي توثق لحظة اختراق حاجز الصوت، لكن الحقيقة العلمية أكثر تعقيدا، فالسحابة التي تظهر حول الطائرة، والمعروفة باسم "مخروط البخار" أو "مخروط التكاثف"، لا تكفي وحدها لإثبات أن الطائرة تجاوزت سرعة الصوت.
في 7 يوليو 1999، التقط جون غاي صورة لطائرة F/A-18C Hornet تابعة للسرب VFA-151 التابع للبحرية الأمريكية، أثناء تحليقها فوق البحر قبالة بوسان في كوريا الجنوبية، كانت الطائرة محاطة بجرس أبيض من السحب، بينما بقي الأنف وقمرة القيادة واضحين، ما جعلها تبدو وكأنها تخرج من كتلة ضبابية.
نشرت البحرية الأمريكية الصورة مع تعليق يقول إن الطائرة "تخترق حاجز الصوت"، وحصلت الصورة لاحقا على المركز الأول في فئة العلوم والتكنولوجيا ضمن مسابقة World Press Photo لعام 2000، قبل أن تنشرها ناسا عام 2007 ضمن "صورة اليوم الفلكية"، ومع مرور السنوات، أصبحت الصورة مرتبطة في أذهان الجمهور بفكرة اختراق حاجز الصوت، لكن السحابة نفسها لا تحسم سرعة الطائرة.
كيف يتشكل مخروط البخار؟
عندما تتحرك طائرة بسرعة كبيرة في هواء رطب، يتسارع الهواء الذي يمر حول أجزاء من سطحها، خصوصا فوق الأجنحة وقمرة القيادة، ومع ارتفاع سرعة الهواء ينخفض ضغطه ودرجة حرارته، وعندما تصل درجة الحرارة المحلية إلى نقطة الندى، يبدأ بخار الماء بالتكاثف إلى قطرات صغيرة تصبح مرئية.
بعد ذلك، يمر تدفق الهواء عبر موجة صدمة، ترتفع خلالها درجة الحرارة والضغط بسرعة، فتتبخر قطرات الماء مجددا، وتفسر هذه العملية الشكل المميز للسحابة والحافة الخلفية الحادة التي تجعل مخروط البخار يبدو وكأنه مقطوع بسكين.
والنقطة الأهم أن الطائرة نفسها لا يشترط أن تكون قد تجاوزت سرعة الصوت، فقد تصبح بعض مناطق الهواء المحيط بالطائرة أسرع من الصوت، حتى عندما تكون سرعة الطائرة الكلية أقل من ماخ 1.
وتوضح دراسة لناسا عام 1994 هذه النقطة بوضوح، إذ عرضت طائرة F-14A Tomcat محاطة بظاهرة التكاثف نفسها أثناء رحلة مستوية بسرعة ماخ 0.9. وهذا يعني أن الظاهرة يمكن أن تظهر في المنطقة الانتقالية بين السرعات دون الصوتية وفوق الصوتية.
كما أن ظهور السحابة يعتمد بشدة على الظروف الجوية، فالهواء الرطب، خصوصا فوق البحر، يوفر البيئة المناسبة لتشكلها، ولهذا تُشاهد مخاريط البخار كثيرا حول حاملات الطائرات وخلال العروض الجوية والتحليقات المنخفضة فوق المناطق البحرية، ويمكن للطائرة نفسها أن تُظهر هذه السحابة في يوم، وألا تُظهرها في اليوم التالي، حتى مع السرعة نفسها، بسبب اختلاف الرطوبة والظروف الجوية.
ولا تقتصر الظاهرة على الطائرات المقاتلة، فدوامات أطراف الأجنحة يمكن أن تسبب تكاثفا مرئيا خلف الطائرات، كما يمكن لطائرات الركاب أن تظهر حول أجنحتها سحبا أو خيوطا من الضباب أثناء الإقلاع والهبوط في الأجواء الرطبة، من دون الحاجة إلى وجود موجة صدمة.
أما "تفرد برانتدل-غلوايرت"، الذي استُخدم أحيانا لتفسير هذه الصور، فهو مفهوم رياضي ناتج عن معادلات محدودة الصلاحية، وليس دليلا على وجود جدار مادي عند سرعة الصوت، ومع الاقتراب من ماخ 1 تصبح تلك المعادلات غير صالحة، لكن الضغط الحقيقي لا يصبح لا نهائيا.
وبالنسبة إلى صورة جون غاي، فلا تُظهر السجلات المتاحة سرعة الطائرة في تلك اللحظة، ولذلك لا يمكن للصورة وحدها تأكيد أنها كانت فوق سرعة الصوت، ما يمكن تأكيده هو وجود طائرة سريعة في هواء رطب، مع مناطق من التدفق فوق الصوتي وموجة صدمة أدت إلى تكاثف بخار الماء.
أما "الدوي الصوتي" نفسه فلا يظهر في الصورة، فهو موجة ضغط تنتج عن تحليق الطائرة بسرعة تتجاوز سرعة الصوت، أما الجرس الأبيض الذي أحاط بالـHornet، فهو ظاهرة جوية مؤقتة نتجت عن تفاعل الطائرة مع الهواء الرطب، وهكذا، فإن الصورة الشهيرة قد تكون التقطت طائرة اخترقت حاجز الصوت فعلا، لكن السحابة البيضاء وحدها ليست الدليل على ذلك.