اخبار وتقارير

الأحد - 06 سبتمبر 2026 - الساعة 09:47 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ تقرير/ مريم بارحمة


تفتح التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن، ولا سيما مع تصاعد مشاركة قوات جنوبية في جبهات تقع خارج حدود الجنوب، ملفًا بالغ الحساسية يتعلق بطبيعة الأدوار العسكرية الموكلة إلى القوات الجنوبية، وتوازنات القوى بين جبهات الشمال والجنوب، ومستقبل هذه القوات في ظل استمرار انتشار تشكيلات عسكرية شمالية في محافظتي حضرموت والمهرة.

ولا تبدو القضية، بالنسبة إلى كثير من الجنوبيين، مجرد تحرك عسكري عابر أو مشاركة في معركة ضد جماعة الحوثيين، بل ترتبط بذاكرة طويلة من الخسائر والشكوك والتجارب التي تركت آثارًا عميقة في الوعي الجنوبي، خصوصًا بعد سنوات من الحروب التي شهدتها البلاد منذ عام 2015م.

ففي خضم معارك عام 2015م، واجهت القوات والمقاومة الجنوبية هجوم الحوثيين في عدد من المدن والجبهات، وسقط أعداد كبيرة من المقاتلين والمدنيين. وتتناقل روايات وشهادات محلية أن بعض الأشخاص من أبناء الشمال الذين كانوا يعملون في مهن مدنية داخل مدن الجنوب استُخدموا في أعمال رصد وإبلاغ وقنص لصالح الحوثيين، وهو ما جعل كثيرًا من أبناء الجنوب ينظرون إلى تلك المرحلة باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الأمنية والعسكرية قسوة.

ولا تكمن أهمية تلك الذكريات في استحضار الماضي لمجرد الاستحضار، وإنما في تأثيرها على قراءة الجنوبيين لما يجري اليوم. فالتجربة، أسست لشعور عميق بعدم الثقة تجاه أي ترتيبات عسكرية يمكن أن تجعل القوات الجنوبية تتحرك بعيدًا عن مناطقها، بينما تبقى قوات أخرى كبيرة منتشرة داخل محافظات الجنوب.


_ من ذاكرة 2015م إلى أحداث شبوة

تزداد حساسية هذا الملف عند استحضار التطورات التي شهدتها محافظة شبوة خلال السنوات الماضية. ففي سبتمبر 2021م، شهدت المحافظة تطورات عسكرية وسياسية انتهت بسيطرة الحوثيين على مديريات بيحان وعين وعسيلان، وسط اتهامات للقوات التي كانت تسيطر على تلك المناطق آنذاك بالانسحاب وعدم خوض مواجهة كافية.

ثم عادت شبوة إلى واجهة الأحداث في أغسطس 2022م، عندما اندلعت مواجهات في مدينة عتق بين القوات الموالية للمحافظ عوض بن الوزير العولقي وقوات عسكرية وأمنية موالية للإخوان المسلمين، وانتهت تلك المواجهات بتغير كبير في موازين القوة داخل المحافظة.

وتستحضر الذاكرة الجنوبية هذه الأحداث باعتبارها دليلًا، على أن القوات الجنوبية تحملت في مراحل مختلفة الجزء الأكبر من أعباء المواجهة، في حين شهدت بعض الجبهات الأخرى فترات طويلة من الجمود.


_ يناير 2026م جرح لم يندمل

ويضاف إلى سجل الأحداث ما جرى في يناير 2026م، حين تعرضت قوات جنوبية في حضرموت والمهرة لضربات جوية سعودية، وما أعقب ذلك من تغيرات ميدانية وانسحابات وأسر عدد من المقاتلين.

وتذهب روايات متداولة إلى أن عددًا من الأسرى تعرضوا للقتل أو دفنوا في مناطق صحراوية، فيما بقي مصير آخرين مجهولًا بالنسبة إلى أسرهم. وهذه الروايات، بما تحمله من خطورة، تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وأدلة موثقة لتحديد المسؤوليات والوقائع بصورة قاطعة، لكنها في المقابل تركت أثرًا بالغًا في الشارع الجنوبي، ورسخت لدى قطاعات منه شعورًا بأن دماء المقاتلين الجنوبيين أصبحت جزءًا من صراعات أكبر من حدود قضيتهم ومصالح مناطقهم.


_ لماذا الجنوب حاضر في الجبهات الشمالية؟

هنا تبرز المسألة الأكثر إثارة للجدل: لماذا تُدفع القوات الجنوبية إلى جبهات حريب والبيضاء وتعز والحديدة، بينما لا تزال محافظتا حضرموت والمهرة تشهدان وجود تشكيلات عسكرية كبيرة محسوبة على الشمال؟

إن الأولوية العسكرية للقوات الجنوبية ينبغي أن تتمثل في حماية مناطق الجنوب وتأمينها، بدءًا من المهرة شرقًا وصولًا إلى باب المندب غربًا، بدل استنزاف الوحدات القتالية في معارك تقع في عمق جغرافي وسياسي شمالي.

ولا يعني هذا الطرح بالضرورة رفض مواجهة الحوثيين، بقدر ما يعكس سؤالًا سياسيًا وعسكريًا حول من يتحمل عبء المعركة وأين يجب أن يكون هذا العبء؟

فالجنوب، وفق هذا التصور، خاض خلال السنوات الماضية مواجهات متواصلة ضد الحوثيين، ودفع ثمنًا بشريًا كبيرًا، بينما بقيت جبهات شمالية عدة في حالة من الهدوء أو الجمود النسبي.

ومن هنا يظهر السؤال الذي يتكرر إذا كانت المعركة ذات أولوية وطنية شاملة، فلماذا لا تتحرك جميع القوى العسكرية القادرة على القتال في الشمال بصورة متوازية، بدل أن يتحمل المقاتل الجنوبي النسبة الأكبر من الخسائر في بعض الجبهات؟


_ أرقام ضخمة وأسئلة أكبر

تتداول مصادر وخطابات جنوبية أرقامًا كبيرة بشأن أعداد القوات العسكرية الشمالية المنتشرة في حضرموت والمهرة، وكذلك حجم القوات الموجودة في مأرب وتعز اليمنية.

وتشير الأرقام المتداولة إلى وجود نحو 95 ألف مقاتل من تشكيلات شمالية في حضرموت والمهرة، ونحو 250 ألف مقاتل في مأرب اليمنية، إضافة إلى نحو 40 ألفًا ضمن ما يعرف بمحور تعز، إلى جانب تشكيلات أمنية وعسكرية أخرى.

لكن هذه الأرقام، نظرًا إلى حساسيتها وأهميتها، تحتاج إلى مصادر رسمية أو دراسات مستقلة يمكن الاعتماد عليها.
ومع ذلك، فإن جوهر السؤال لا يتوقف على الرقم نفسه.

فحتى إذا كانت الأعداد الفعلية أقل من الأرقام المتداولة، يبقى السؤال السياسي قائمًا: لماذا لا تتحمل القوات الموجودة في مناطق الشمال العبء الأكبر من تحرير جبهاتها، بينما تتحرك قوات جنوبية إلى تلك الجبهات؟

وهذا السؤال يزداد إلحاحًا عندما يقارن الجنوبيون بين حجم الخسائر البشرية التي تتحملها وحداتهم وبين ما يرونه من تفاوت في الموارد والإمكانات والاهتمام الموجه إلى بعض التشكيلات العسكرية.


_ دماء الجنوب في مواجهة استنزاف جديد

يعتقد قطاع من الجنوبيين أن أخطر ما في المعارك الحالية ليس فقط احتمال سقوط المزيد من الشهداء، وإنما احتمال تحول القوات الجنوبية إلى قوة مستنزفة في حروب طويلة لا تملك قرار تحديد نهايتها.

فالقوات الجنوبية، تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية، واستكمال هيكلتها، وتثبيت أوضاع منتسبيها، ومنح أفرادها الأرقام العسكرية والترقيات والحقوق الوظيفية، بدل إرسالهم إلى جبهات جديدة قبل معالجة هذه الملفات.

فالتهميش الذي طال عددًا من العسكريين الجنوبيين، خصوصًا في ما يتعلق بالأرقام العسكرية والترقيات والبعثات التدريبية.

أما الحديث عن سقوط عشرات الشهداء الجنوبيين في معارك تعز والحديدة خلال الأيام الأخيرة، وبينهم مقاتلون لم يستكملوا أوضاعهم العسكرية، فهو ملف إنساني وعسكري يستحق التحقق والتوثيق الرسمي، لأن دماء الجنود لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أرقام في سجالات سياسية.


_ معركة الشمال أم حماية الجنوب؟

المعادلة التي يطرحها الشارع الجنوبي اليوم تبدو واضحة: إذا كانت القوات الجنوبية مطالبة بالمشاركة في تحرير الشمال، فمن الضروري، وفق هذا الرأي، أن تكون هناك إجابة سياسية وعسكرية واضحة عن مصير القوات المنتشرة في الجنوب، وعن سبب عدم زجها في الجبهات التي يفترض أنها تقع ضمن نطاق مسؤوليتها.

فلا يمكن، أن تكون حضرموت والمهرة مناطق استراتيجية وثروات ومواقع جغرافية بالغة الأهمية، ثم تبقى القوات الجنوبية مطالبة بالانتقال إلى جبهات بعيدة بينما تتولى تشكيلات أخرى مسؤولية السيطرة الأمنية والعسكرية على تلك المحافظات.

وتزداد حساسية المسألة بسبب الموقع الاستراتيجي للمهرة وحضرموت، وما تمتلكانه من موارد ومنافذ بحرية وبرية وثروات طبيعية. ولذلك فإن أي ترتيبات عسكرية فيهما لا يمكن فصلها عن الحسابات السياسية المتعلقة بمستقبل الجنوب وشكل الدولة والترتيبات الإقليمية.


_ الصبيحة نموذج من فاتورة الدم

تأتي منطقة الصبيحة في مقدمة مناطق الجنوب التي دفعت أثمانًا بشرية كبيرة خلال سنوات الحرب.

وتشير رسائل ومواقف متداولة أخيرًا إلى سقوط عشرات المقاتلين من أبناء الصبيحة في جبهات تقع خارج أراضي الجنوب، وهو ما أثار غضبًا واسعًا لدى قطاعات من أبناء المنطقة، الذين يرون أن أبناءهم أولى بحماية أرضهم ومناطقهم من المشاركة في معارك لا يرون أنها تخدم بصورة مباشرة أمن الجنوب.

وتطالب أصوات قبلية وسياسية جنوبية بضرورة إعادة تقييم مشاركة أبناء الجنوب في الجبهات الشمالية، وعدم تحويل شجاعة المقاتلين الجنوبيين وتضحياتهم إلى مورد بشري مفتوح لمعركة لا تترافق معها ضمانات سياسية وعسكرية واضحة.


_ التاريخ لا يرحم

تتجاوز القضية في النهاية حدود الخلاف على جبهة عسكرية أو عملية ميدانية، لتصبح سؤالًا حول مستقبل القوات المسلحة الجنوبية نفسها.

فالقوة العسكرية لا تقاس فقط بعدد البنادق والمقاتلين، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية الأرض التي تنتمي إليها، ووضوح مهمتها، وانتظام مؤسساتها، وامتلاكها قرارها العسكري، وحصول منتسبيها على حقوقهم.

ومن هنا، فإن استنزاف القوة البشرية الجنوبية في جبهات متباعدة، من دون معالجة الاختلالات المتعلقة بالهيكلة والحقوق والانتشار العسكري، قد يؤدي إلى إضعاف هذه القوات بدل تعزيزها.

وأن استمرار سقوط المقاتلين الجنوبيين في معارك خارج مناطقهم يطرح ضرورة فتح نقاش سياسي وعسكري صريح حول طبيعة هذه المشاركة، وأهدافها، والجهة التي تتخذ قرارها، والضمانات المقدمة لأفرادها وأسر الشهداء.


_ حماية المقاتل تبدأ بحماية القرار

لا تحتاج القوات الجنوبية إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى استراتيجية واضحة تحدد الأولويات.

فإذا كان الهدف هو مواجهة الحوثيين، فإن ذلك يتطلب توزيع الأعباء العسكرية بصورة عادلة بين مختلف القوى، وعدم تحميل طرف واحد الكلفة البشرية الأكبر.

وإذا كان الهدف هو حماية الجنوب، فإن حماية أراضيه وموانئه وحدوده وثرواته ومؤسساته ينبغي أن تكون في مقدمة الأولويات.

أما الجمع بين المهمتين دون استراتيجية معلنة، بحيث تقاتل القوات الجنوبية في أقصى الشمال بينما تبقى مناطق بالجنوب استراتيجية تحت نفوذ تشكيلات شمالية، فهو ما يفتح الباب أمام أسئلة سياسية مشروعة حول طبيعة هذه الترتيبات والجهات المستفيدة منها.

لقد علّمت سنوات الحرب أن الدم الجنوبي ليس رقمًا عابرًا، وأن كل شهيد يترك وراءه أسرة وقبيلة وذاكرة وقضية.

ولهذا فإن المطالبة بحماية القوات الجنوبية من الاستنزاف لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة إلى التخلي عن مواجهة الحوثيين، وإنما باعتبارها دعوة إلى وضع استراتيجية عسكرية وسياسية واضحة، تضمن ألا تتحول تضحيات أبناء الجنوب إلى وسيلة لإدارة صراعات الآخرين.

ويبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة في سبتمبر 2026م: إذا كانت جبهات الشمال بحاجة إلى مئات الآلاف من المقاتلين، فلماذا يُطلب من أبناء الجنوب وحدهم أن يدفعوا الثمن في الخطوط الأمامية، بينما تبقى القوات الشمالية الكبيرة بعيدة عن تلك المعارك؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسألة عسكرية فقط؛ بل سياسية بامتياز، لأنها تتصل بمستقبل الجنوب، وبطبيعة التحالفات القائمة، وبموقع القوات الجنوبية في أي تسوية قادمة.

وفي نهاية المطاف، فإن حماية المقاتل الجنوبي تبدأ من حماية القرار الذي يرسله إلى الميدان؛ فالشجاعة لا تعني القبول بالاستنزاف، والتضحية لا تعني التخلي عن حق معرفة الهدف، والوفاء للشهداء لا يكون فقط برفع صورهم، وإنما بمنع تكرار الظروف التي أدت إلى سقوطهم.

فالدماء التي سالت تستحق محاسبة عادلة، والجنود الذين يقاتلون يستحقون حقوقهم، والقوات التي تحملت سنوات الحرب تستحق استراتيجية تحميها من الاستنزاف، والجنوب يستحق أن تكون حماية أرضه وأمنه ومستقبله في مقدمة أي قرار عسكري أو سياسي.