اخبار وتقارير

الأحد - 06 سبتمبر 2026 - الساعة 08:33 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / عدن

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد بالمنطقة، تتزايد الأحاديث عن ترتيبات عسكرية وسياسية جديدة يجري إعدادها لإعادة رسم خريطة القوى، وسط حديث متداول عن مساعٍ سعودية لتشكيل قيادة يمنية عسكرية مشتركة تتولى إدارة المرحلة المقبلة من الحرب، وتحديداً الجبهات التي يُراد إعادة تنشيطها في مواجهة الحوثيين.
وبحسب ما يتردد في الأوساط السياسية والعسكرية، فإن التفكير السعودي يتجه نحو اختيار شخصية جنوبية ذات خلفية عسكرية، وتحظى بامتداد قبلي وقدرة على التأثير في القوات الجنوبية، بحيث تستطيع قيادة تشكيل عسكري واسع وإقناع القبائل والقوات الموجودة في الجنوب بالانخراط في معارك جديدة.
وتبرز، وفق هذه التسريبات، ثلاثة أسماء باعتبارها من أبرز المرشحين المحتملين: الفريق محمود الصبيحي، واللواء أبو زرعة المحرمي، واللواء حمدي شكري الصبيحي.
ولا يعني تداول هذه الأسماء بالضرورة أن قراراً نهائياً قد اتُّخذ، غير أن طرحها يعكس، في حد ذاته، طبيعة المرحلة التي يجري التحضير لها، حيث تبحث الأطراف الإقليمية عن شخصية قادرة على الجمع بين التأثير العسكري والقبلي، وتحويل النفوذ المحلي إلى قوة ميدانية يمكن الدفع بها نحو الجبهات.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التقارير عن إعادة ترتيب القوات في الساحل الغربي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة بسبب موقعها على البحر الأحمر وقربها من باب المندب. وقد شهدت قوات طارق صالح خلال السنوات الماضية تحولات في علاقاتها الإقليمية وترتيباتها العسكرية، فيما تحدثت تقارير حديثة عن ضغوط لإعادة هيكلة نفوذها في الساحل.
وهنا تبرز علامة استفهام كبيرة: لماذا الساحل الغربي تحديداً؟
إذا كان الهدف المعلن هو مواجهة الحوثيين، فإن السؤال المنطقي هو لماذا لا يجري فتح جبهات متعددة ومتزامنة، بدلاً من التركيز على منطقة واحدة يمكن أن تتحول فيها المعركة إلى استنزاف للقوى الموجودة أصلاً؟
القراءة السياسية المتداولة ترى أن إعادة تحريك جبهة الساحل الغربي قد لا تكون مرتبطة فقط بالحوثيين، وإنما بإعادة تشكيل موازين القوى بين الفصائل المناهضة لهم أيضاً. فوجود القوات الجنوبية إلى جانب قوات طارق صالح في مساحة جغرافية واحدة يعني إمكانية إدخال قوتين عسكريتين كبيرتين في معركة طويلة ومكلفة، بما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى استنزافهما وإضعاف قدرتهما على التأثير السياسي والعسكري.
وتزداد أهمية هذه القراءة مع الحديث عن مستقبل خارطة الطريق وترتيبات الجنوب والساحل الغربي، إذ إن أي تغيير كبير في بنية القوات الفاعلة ميدانياً يمكن أن يغير شكل المفاوضات المقبلة، ويعيد توزيع أوراق القوة قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية.
وفي المقابل، تتحدث الرواية المتداولة عن إبقاء قوات أخرى بعيدة عن المعارك المباشرة، وفي مقدمتها قوات درع الوطن، لتتولى مهام أمنية في عدن ومحافظات جنوبية أخرى. ووفق هذه القراءة، فإن المعادلة المقترحة تقوم على دفع قوى جنوبية للقتال في الجبهات، بينما تُمنح قوى أخرى مهمة تثبيت الأمن وإدارة المشهد الداخلي.
وهنا تكمن خطورة السيناريو بالنسبة للقضية الجنوبية: أن يتحول الجنوبيون إلى قوة قتالية مطلوبة عند الحاجة، بينما تُترك لهم أدوار أمنية وسياسية محدودة داخل مناطقهم.
أما حضرموت، فتظل واحدة من أكثر الملفات حساسية في هذه الحسابات، بسبب ثروتها النفطية وموقعها الجغرافي. ولذلك فإن أي ترتيبات عسكرية جديدة في المحافظة لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع حول من يملك قرار الأمن والثروة والنفوذ فيها.
ومن هذه الزاوية، فإن إبقاء بعض القوات في مواقع حماية المنشآت النفطية، بالتزامن مع دفع قوات أخرى نحو جبهات القتال، قد يؤدي إلى معادلة شديدة الوضوح: قوة جنوبية تُستهلك في خطوط النار، وقوة أخرى تبقى لحماية الموارد والمواقع الاستراتيجية.
لكن السؤال الأكبر يبقى: من المستفيد من هذه المعادلة؟
إذا صحت هذه التسريبات، فإن السعودية لا تبحث فقط عن قائد عسكري لإدارة المعركة ضد الحوثيين، بل عن إعادة صياغة المشهد العسكري بأكمله، بحيث تصبح مراكز القوة موزعة بطريقة تمنع أي طرف جنوبي أو ساحلي من امتلاك قوة عسكرية وسياسية متماسكة ومستقلة القرار.
وهذا ما يجعل أسماء المرشحين الثلاثة مثار اهتمام واسع، ليس بسبب شخصياتهم فقط، وإنما بسبب ما يمثلونه من امتدادات عسكرية وقبلية وجغرافية مختلفة.
فالفريق محمود الصبيحي يمتلك تاريخاً عسكرياً وثقلاً سياسياً، بينما يرتبط أبو زرعة المحرمي بتشكيلات عسكرية جنوبية كبيرة، في حين يمتلك حمدي شكري حضوراً عسكرياً وقبلياً في الصبيحة، وقد ارتبط اسمه بقيادة حملات أمنية وعسكرية في المنطقة.
لكن المشكلة لا تكمن في اسم القائد بقدر ما تكمن في المهمة التي سيُطلب منه تنفيذها.
فإذا كانت المهمة هي توحيد القوى المناهضة للحوثيين وفتح جبهات حقيقية لتحرير المناطق اليمنية، فإن ذلك يحتاج إلى استراتيجية عسكرية واضحة، وقرار سياسي مستقل، وتوزيع عادل للأدوار، وضمانات بعدم استخدام القوات الجنوبية كوقود لمعركة لا يعرف أحد أين تنتهي.
أما إذا كانت المهمة هي إعادة توزيع القوات، وإضعاف تشكيلات بعينها، واستنزاف القوى التي تمتلك نفوذاً مستقلاً، فإن الأمر يتحول من حرب ضد الحوثيين إلى حرب على توازنات ما بعد الحرب.
وهنا تحديداً يجب أن يكون الحذر الجنوبـي في أعلى مستوياته.
فالجنوب لا يمكن أن يقبل بمعادلة تقوم على إرسال أبنائه إلى الجبهات تحت عنوان مواجهة الحوثيين، ثم يعودون ليجدوا أن الخريطة السياسية والأمنية في محافظاتهم قد أعيد تشكيلها بعيداً عن إرادتهم.
كما أن القوات الجنوبية وقوات الساحل ليست مجرد تشكيلات عسكرية يمكن تحريكها من جبهة إلى أخرى وفق حسابات إقليمية. إنها قوى تشكلت في ظروف الحرب، وتحمل رؤى سياسية ومصالح محلية، وأي محاولة لإدارتها من الخارج دون توافق حقيقي قد تفتح الباب أمام صراعات جديدة.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: من سيكون قائد القيادة العسكرية المشتركة؟
بل السؤال الأهم:
من سيقرر أين تقاتل القوات الجنوبية؟ ومن يحدد أهداف المعركة؟ ومن يضمن ألا تتحول المعركة من مواجهة الحوثيين إلى عملية استنزاف للقوى الجنوبية؟ ومن يضمن ألا تكون إعادة ترتيب القوات مقدمة لإعادة ترتيب مستقبل الجنوب نفسه؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تُستخدم الحاجة إلى مواجهة الحوثيين كغطاء لإعادة هندسة الخريطة العسكرية والسياسية في الجنوب والساحل الغربي.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط في خطوط التماس، وإنما أيضاً في من يمتلك القوة عندما تتوقف البنادق.
وإذا كانت هناك فعلاً ترتيبات لإطلاق جبهة جديدة، فإن على القوى الجنوبية أن تقرأ المشهد كاملاً، لا أن تنظر إلى المعركة من زاوية واحدة. فالمواجهة مع الحوثيين شيء، وإعادة تشكيل مستقبل الجنوب شيء آخر.
وبين الاثنين، قد تكون هناك أجندات وحسابات إقليمية لا تظهر كاملة على السطح.
ولهذا فإن أي قيادة عسكرية جنوبية ستُطرح لهذه المهمة ستكون أمام اختبار تاريخي: هل ستكون قيادة لمعركة وطنية واضحة الأهداف، أم أداة في إعادة توزيع النفوذ؟
فالجنوب لا يحتاج إلى حرب جديدة تُستهلك فيها قواته، بل يحتاج إلى قرار عسكري وسياسي يحمي أبناءه وأرضه وثرواته، ويمنع تحويل قوته إلى ورقة تفاوض في مشاريع الآخرين.