السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 11:54 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
تبصر العيون الحبيسة في غياهب الحسابات الضيقة بصيصا من وهم تظنه الحقيقة المطلقة، بيد أن حركة التاريخ الصارمة ولغة الواقع المشهود على أرض الجنوب العربي تلفظ كل هذه التقديرات القاصرة التي توهمت يوما أن إرادة الشعوب يمكن هندستها داخل ردهات المساومات السياسية أو إخضاعها بسياط الأزمات المفتعلة وحروب التجويع الممنهجة، فهذه الجماهير العريضة النبيلة التي تدافعت كالسيل الهادر صوب ساحة العروض لم تحركها العواطف العارضة أو الشعارات الجوفاء بل حركها وعي وطني متجذر يأبى الضيم ويرفض بإباء حاسم كل أشكال الوصاية ومحاولات الهيمنة التي تسعى لفرضها القوى اليمنية المتربصة بالتعاون مع حليفها الإقليمي المتمثل في الإدارة السعودية، ولم تكن الصعوبات المعيشية الخانقة ولا تدهور الخدمات الأساسية المتعمد ولا حتى لظى الحر اللافح وهجير الصيف الحارق الذي يكتوي به المواطن في يومه ويسهد بسببه في ليله بمانع يثني هذه الحشود الأبية عن تلبية نداء الواجب الذي أطلقه المجلس الانتقالي الجنوبي للتعبير الصريح والواضح والمباشر عن الموقف الشعبي الجمعي الرافض لأي تدخل خارجي ينتقص من السيادة الوطنية أو يحاول إعادة صياغة القرار الجنوبي المستقل وفق مصالح وأجندات غريبة عن تطلعاته الشرعية.
ويتجلى هذا التدفق البشري العظيم الذي تقاطر من شتى الفجاج والنواحي والمدن والقرى بجغرافيا الجنوب ليعيد صياغة المعادلة السياسية برمتها ويضع الأمور في نصابها الصحيح بلا مواربة أو لبس مسجلا بمداد من العزيمة الثابتة أن عهد الإملاءات قد ولى إلى غير رجعة، لتصبح هذه المليونية النابضة بالحياة بمثابة إعلان حاسم ورسالة قاطعة الصدى موجهة بالدرجة الأولى إلى الجانب السعودي وأدواته المحلية بضرورة الكف العاجل عن التدخل في الشؤون الداخلية للجنوب ورفع اليد التي باتت تشكل بوضوح مصدر إزعاج حقيقي وقلق مستمر للشعب الجنوبي الذي يرى في هذه السياسات تقويضا لمكتسباته وتضحياته الجسام، ولا يمكن لأي مراقب لبيب يمتلك ذرة من عقل أو إنصاف أن يتجاوز حقيقة أن هذا الشعب الذي يقدم قوافل الشهداء والجرحى في كل جبهة ومنعطف ومحفل لا يمكن أن يتراجع خطوة واحدة إلى الوراء أو يرضخ لمشاريع مشبوهة منتقصة تحاول الالتفاف على جوهر قضيته العادلة أو يساق لسيناريوهات حوارية هزلية في الرياض أو في الداخل تسعى جاهدة للنيل من كرامته وحقوقه المغتصبة التي عمدها بالدم والدموع والجهاد الطويل المتواصل.
ويقترن هذا التلاحم الجماهيري الفذ بفرز وطني حقيقي يكشف عورات التابعين والمنخرطين في فلك المشاريع المعادية من أولئك الجنوبيين الذين باعوا الوهم وارتهنوا للخارج متناسين طموحات شعبهم في سبيل مكاسب ذاتية رخيصة، إذ تؤكد الأحداث المتلاحقة لهؤلاء المتبنكسين وحلفائهم من قوى الاحتلال اليمني التقليدية أن كل البرامج والمخططات والمؤامرات التي تحاك خلف الكواليس لإعادة إنتاج أدوات الماضي البغيض بائت وستبوء بالفشل المحقق والتام أمام صخرة الوعي الجمعي الصلبة التي لا تلين، ويتحتم على القائمين على الدبلوماسية السعودية وصناع القرار هناك أن يستوعبوا مضامين هذا الدرس البليغ قبل فوات الأوان ويدركوا جيدا أن محاولة القفز فوق تطلعات شعب بأكمله أو فرض إرادة غير مرغوب فيها بقوة الضغط الخدمي والاقتصادي لن تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة وزيادة حدة الرفض الشعبي العارم الذي يعبر عن نفسه بشتى الوسائل المشروعة، والواقع يشهد أن الشعوب الحية التي تصنع فجرها بأيدي عارية وسط الأمواج المتلاطمة لن ترضى بديلا عن الاستقلال التام والناجز والسيادة المطلقة على أرضها التاريخية مهما غلت الأثمان ومهما تآمر المتآمرون أو تخاذل المتخاذلون.