اخبار وتقارير

الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - الساعة 09:59 ص بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / تقرير: مريم بارحمة

تعيش العاصمة عدن ومحافظات الجنوب منذ سنوات على وقع أزمة كهرباء خانقة ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة اليومية، في ظل تراجع غير مسبوق للخدمات الأساسية وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات مرهقة، الأمر الذي فجر موجة غضب شعبي واسعة امتدت إلى عدد من المديريات والمناطق، محولة ملف الكهرباء من أزمة خدمية إلى قضية رأي عام تتصدر المشهد المحلي.
فخلال الأيام الماضية، وصلت ساعات انقطاع التيار الكهربائي في عدد من مناطق العاصمة عدن إلى أكثر من 11 ساعة متواصلة مقابل أقل من ساعتين تشغيل، في واحدة من أسوأ فترات الانطفاءات التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة. وأمام هذا الواقع، وجد المواطنون أنفسهم في مواجهة معاناة يومية قاسية، دفعت الكثير منهم إلى الخروج للشوارع للتعبير عن رفضهم لاستمرار تدهور الخدمات الأساسية.
وبعد تصاعد الغضب الشعبي وثورة الفرشان شهدت الكهرباء تحسناً نسبياً محدوداً لا يقبل، حيث تراجعت ساعات الانطفاء في بعض المناطق إلى أكثر من 7 ساعات مقابل اقل من ساعتين تشغيل، إلا أن المواطنين يؤكدون أن هذا التحسن لا يزال بعيداً عن تلبية الحد الأدنى من احتياجاتهم، وأن الأزمة ما تزال قائمة بكل تداعياتها الإنسانية والمعيشية.




ـ صيف ملتهب ومعاناة تتفاقم

تزامنت أزمة الكهرباء مع موجة حر شديدة ضربت العاصمة عدن ومحافظات الجنوب، الأمر الذي ضاعف من حجم المعاناة التي يعيشها السكان. فمع انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، تحولت المنازل إلى بيئات خانقة يصعب البقاء داخلها، بينما اضطر كثير من المواطنين إلى قضاء ساعات الليل في الشوارع والأحياء المفتوحة هرباً من الحرارة والرطوبة المرتفعة.
وتأثر الأطفال وكبار السن والمرضى بصورة خاصة جراء الانطفاءات الطويلة، فيما واجهت الأسر صعوبات كبيرة في توفير المياه وحفظ الأغذية والأدوية التي تتلف نتيجة الانقطاع المستمر للكهرباء.
أما في محافظة لحج، فقد بدت الصورة أكثر قسوة، حيث تشهد انقطاعاً للتيار الكهربائي يستمر أياماً متواصلة، قبل أن تعود الخدمة لساعتين أو أقل ثم تنقطع مجدداً، ما أدى إلى تفاقم معاناة المواطنين الذين يعيشون أصلاً أوضاعاً اقتصادية صعبة.
كما انعكست الأزمة بصورة مباشرة على الأنشطة التجارية والمهنية، حيث تكبد أصحاب المحال التجارية والمطاعم والورش الصغيرة خسائر متزايدة نتيجة توقف الأعمال وفساد المواد الغذائية، بينما أصبحت تكلفة تشغيل المولدات الخاصة تفوق قدرة الكثير من المواطنين على التحمل.



ـ ثورة "الفرشان".. احتجاجات خرجت من قلب المعاناة

في ظل هذا الواقع، شهدت العاصمة عدن خلال الأيام الماضية موجة احتجاجات شعبية واسعة عُرفت باسم "ثورة الفرشان"، في تعبير رمزي عن حجم المعاناة التي دفعت المواطنين إلى الخروج من منازلهم حاملين فرش النوم إلى الشوارع والساحات العامة بعد أن أصبحت البيوت غير صالحة للعيش لساعات طويلة بسبب الحرارة وانقطاع الكهرباء.
وانطلقت التحركات الاحتجاجية من عدد من المديريات قبل أن تمتد إلى مناطق واسعة في المعلا والتواهي وكريتر وخور مكسر والشيخ عثمان والمنصورة، حيث عبّر المواطنون عن غضبهم من استمرار تدهور الخدمات وتأخر المعالجات الحكومية للأزمة.
ولم تكن تلك الاحتجاجات مجرد رد فعل على الانطفاءات الكهربائية، بل جاءت كتعبير عن حالة احتقان شعبي تراكمت أسبابها خلال سنوات من التدهور الاقتصادي والمعيشي والخدمي.




ـ عدن على حافة الغليان
في مشهد بالغ الحساسية، تتصاعد وتيرة

 الاحتجاجات الشعبية في العاصمة عدن بشكل متسارع، ممتدة من كريتر والمعلا والتواهي إلى المنصورة والشيخ عثمان وخور مكسر، وسط تزايد مشاعر الغضب الشعبي تجاه استمرار الأزمة.
في كريتر والمعلا والتواهي، بدأت الاحتجاجات بطابع سلمي تمثل في التجمعات الشعبية ورفع المطالب الخدمية، بينما شهدت مناطق أخرى تحركات أكثر تصعيداً تمثلت في إغلاق بعض الطرق وإشعال الإطارات وتنظيم وقفات احتجاجية متكررة.
وفي المنصورة والشيخ عثمان، اتسعت رقعة الاحتجاجات مع تزايد أعداد المشاركين فيها، في حين شهدت خور مكسر تحركات مماثلة عبّر خلالها المواطنون عن رفضهم لاستمرار معاناتهم اليومية مع انقطاع الكهرباء والمياه.
وقد عكست هذه التحركات حجم الاحتقان الذي وصل إليه الشارع الجنوبي بعد أشهر طويلة من التدهور الخدمي، لتتحول الكهرباء إلى رمز للأزمة المعيشية التي تثقل كاهل المواطنين.



ـ تطورات ميدانية تثير المخاوف

ومع اتساع نطاق الاحتجاجات، برزت مخاوف من احتمالية دخول المشهد مرحلة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تداول معلومات ومقاطع مصورة تتحدث عن وقوع إصابات خلال بعض الاحتجاجات.
ويرى مراقبون أن أي تطورات من هذا النوع قد ترفع مستوى الحساسية السياسية والمجتمعية للمشهد، وتنقل الأزمة من إطارها الخدمي إلى أبعاد أكثر تعقيداً.



ـ هل فرض الشارع أولى الاستجابات؟

يربط كثير من المواطنين بين موجة الاحتجاجات الأخيرة وبين التحسن النسبي الذي طرأ على ساعات التشغيل خلال الأيام الماضية.
فبعد أن تجاوزت ساعات الانطفاء في بعض المناطق 11 ساعة متواصلة مقابل أقل من ساعتين تشغيل، شهدت الخدمة تحسناً نسبياً أدى إلى انخفاض ساعات الإطفاء إلى أكثر من 7 ساعات في عدد من المناطق، وهو ما اعتبره البعض مؤشراً على أن الضغط الشعبي بدأ يفرض استجابة أولية تجاه الأزمة.
إلا أن هذا التحسن لا يزال محدوداً وغير كافٍ من وجهة نظر المواطنين الذين يؤكدون أن المعالجات المؤقتة لن تنهي الأزمة ما لم تترافق مع حلول جذرية ومستدامة تضمن استقرار خدمة الكهرباء بصورة دائمة.



ـ أزمة تتجاوز الكهرباء وتختبر صبر الشارع 

تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة بالكهرباء وحدها، بل أصبحت انعكاساً لحالة أوسع من التدهور الاقتصادي والخدمي الذي يعيشه المواطنون في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب.
فالارتفاع المستمر في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية، كلها عوامل أسهمت في رفع مستوى الاحتقان الشعبي ودفع الشارع نحو الاحتجاج.
ويرى محللون أن استمرار هذه الأوضاع دون معالجات حقيقية قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الاحتجاجات خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا عاد وضع الكهرباء إلى التدهور أو فشلت الجهات المعنية في تقديم حلول مستدامة.



ـ تقدير الموقف

تشير المعطيات الحالية إلى أن المشهد ما يزال مفتوحاً على عدة احتمالات. فرغم الانخفاض البسيط لساعات الإنطفاء الذي شهدته خدمة الكهرباء، فإن أسباب الأزمة الأساسية لا تزال قائمة، الأمر الذي يجعل أي تهدئة محتملة مؤقتة وقابلة للانهيار في أي وقت.
كما أن استمرار الغضب الشعبي في عدد من مديريات العاصمة عدن ومخافظات الجنوب، يؤكد أن المواطنين ينتظرون إجراءات عملية تترجم على أرض الواقع، وليس مجرد معالجات مؤقتة لا تلبث أن تتراجع مع أول أزمة وقود أو خلل فني.



ـ الشارع الجنوبي بين معاناته اليومية وأبسط حقوقه 

تقف عدن ومحافظات الجنوب اليوم أمام لحظة فارقة، حيث لم يعد الحديث يدور فقط حول انقطاع الكهرباء، بل حول أزمة معيشية وخدمية شاملة ألقت بثقلها على حياة ملايين المواطنين. وبين ساعات إطفاء تجاوزت في ذروة الأزمة 11 ساعة يومياً مقابل أقل من ساعتين تشغيل، ثم تراجعت لاحقاً إلى أكثر من 7 ساعات بعد موجة الغضب الشعبي والاحتجاجات الواسعة، يبقى الشارع في حالة ترقب لما إذا كانت هذه التحسينات المحدودة ستتطور إلى حلول مستدامة أم أنها مجرد استجابة مؤقتة لأزمة ما تزال جذورها قائمة. وفي ظل استمرار معاناة المواطنين في كريتر والمعلا والتواهي وخور مكسر والمنصورة والشيخ عثمان ولحج وحضرموت وبقية محافظات الجنوب، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لمعالجة جذرية تعيد الاستقرار للخدمات وتخفف من حجم المعاناة التي تجاوزت حدود الاحتمال.