الإثنين - 08 يونيو 2026 - الساعة 12:55 ص بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ خاص
حين ضاقت الجدران بحرارتها، وابتلعت العتمة ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال، لم يجد المواطن العدني هذا الصيف سوى الشارع ملاذًا أخيرًا من جحيم المنازل.
في أحد أحياء مدينة عدن، خرج أبٌ يحمل فراش نومه البسيط على كتفه، يتبعه أطفاله الصغار، وافترشوا الرصيف على جانب الطريق العام. لم يكن الرجل يبحث عن نزهة ليلية، ولا عن متعة تحت السماء المفتوحة، بل كان يفرّ بنفسه وأطفاله من حرارة خانقة تحولت معها غرف المنزل إلى ما يشبه الأفران المغلقة بعد ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء.
وعلى مقربة منه، يجلس طالب في المرحلة الثانوية على ضوء خافت خارج منزله، محاطًا بكتبه وأوراقه الدراسية. امتحاناته على الأبواب، لكن الظلام داخل البيت لا يترك له فرصة للمذاكرة، فيما تلتهم الحرارة والرطوبة ما تبقى من تركيزه وأمله. وفي المنزل ذاته، كانت امرأة مسنة وطفلة وعدد من النساء يصارعن موجات الحر الخانقة التي اجتاحت المدينة، بلا كهرباء ولا وسائل تخفف عنهن وطأة الطقس القاسي.
هذه ليست حكاية فردية، بل صورة متكررة تتسع رقعتها يومًا بعد آخر في العاصمة عدن ومحيطها، مع تفاقم أزمة الكهرباء ووصول ساعات الانقطاع إلى أكثر من 17 ساعة وأكثر يوميًا، في واحدة من أسوأ الأزمات الخدمية التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
وفي مشهد بات مألوفًا ومؤلمًا في آنٍ واحد، تتوالى الجنائز في مختلف مديريات عدن والمناطق المجاورة. فبعد كل صلاة تقريبًا، يشيّع الأهالي راحلًا جديدًا، وسط حديث متكرر عن حالات وفاة ارتبطت بضيق التنفس والإجهاد الحراري والرطوبة المرتفعة، وهي ظروف يرى كثيرون أنها تفاقمت بصورة مباشرة نتيجة غياب الكهرباء وانعدام وسائل التبريد الأساسية.
ومع كل صيف جديد، تتجدد المعاناة ذاتها، بينما تتبخر الوعود الحكومية التي طالما تحدثت عن حلول جذرية وتحسينات مرتقبة في قطاع الكهرباء. وبدلًا من أن يرى المواطن نتائج ملموسة على الأرض، يجد نفسه أمام تبادل مستمر للاتهامات بين الجهات الرسمية، حيث يلقي كل طرف بالمسؤولية على الآخر، فيما تستمر الأزمة في التهام حياة الناس وصحتهم واستقرارهم.
ويأتي ذلك بالتزامن مع الجدل المتصاعد بشأن امتناع السلطات في حضرموت مؤخرًا عن تزويد محطات التوليد في عدن باحتياجاتها من الوقود، وسط تساؤلات شعبية عن أسباب الصمت الرسمي، وغياب موقف واضح وحاسم من مجلس القيادة الرئاسي تجاه أزمة باتت تمس حياة ملايين المواطنين بصورة مباشرة.
اليوم، خرجت عدن إلى الشوارع تحت شعار ووسم "أخرج فراشك". لم يحمل المحتجون لافتات سياسية بقدر ما حملوا فراش النوم وأوجاع السنين. رجال وشباب وأطفال افترشوا الأرض والتحفوا السماء، رافعين أكفهم بالدعاء كما رفعوا أصواتهم بالاحتجاج، في رسالة تختصر حجم الانهيار الذي وصلت إليه الأوضاع الخدمية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل بلغت الحكومة مرحلة العجز الكامل عن معالجة أزمة الكهرباء؟ أم أن معاناة المواطنين لم تعد ضمن أولوياتها؟ وهل تحولت المناصب العامة إلى غاية بحد ذاتها، فيما تراجعت خدمة الناس إلى الهامش، وغابت الحلول الجذرية من قاموس الإدارة والمسؤولية؟
أسئلة تتردد على ألسنة المواطنين الذين أنهكهم الحر وضاقت بهم سبل العيش، وهم يرون أن استمرار التجاهل الرسمي قد يدفع الأوضاع نحو مزيد من الاحتقان والفوضى التي لا يرغب بها أحد، وقد تفتح أبوابًا لأزمات جديدة لا تُحمد عقباها، فيما سيجد المواطن نفسه مرة أخرى وحيدًا في مواجهة واقع يزداد قسوة يومًا بعد آخر.
لقد خرج سكان عدن اليوم بفُرشهم إلى الشوارع، بعد أن عجزت منازلهم عن احتضانهم. مشهد لم يكن أحد يتخيل أن تبلغه مدينة كانت يومًا تُعرف بأنها عاصمة الحياة والانفتاح.
فماذا بعد أن يفترش الناس الطرقات للنوم هربًا من الحر؟؟؟
وأي إذلالٍ أشد من أن يتحول الشارع إلى غرفة نوم جماعية لمواطنين أنهكتهم الأزمات؟؟؟
وهل كانت عدن، ومعها المحافظات المحررة، تستحق يومًا أن تُختزل صورتها في هذا المشهد القاسي.