اخبار وتقارير

السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 09:08 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ حافظ الشجيفي



في واقعنا السياسي المعاش وحقائق الجغرافيا والتاريخ الماثلة تتجلى إرادة شعب الجنوب كحقيقة راسخة لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها مهما تضافرت الضغوط وتعددت أساليب التضييق والتركيع الممنهجة إذ يتوهم صناع القرار في منظومة الاحتلال اليمني ومن يدور في فلكهم أن محاصرة المواطن الجنوبي في لقمة عيشه وحرمانه من الخدمات الأساسية كفيل بدفعه نحو القبول بخلطة سياسية جديدة تحت مسمى الفيدرالية مع اليمن غافلين عن حقيقة موضوعية مفادها أن المعاناة الشديدة لا تورث الشعوب الحرة إلا صلابة وتمسكا بالحقوق والمطالب المشروعة وها هو المشهد اليوم يشهد على صمود معجز وسط حروب الخدمات الخبيثة التي طالت قطاع الكهرباء في هجير الصيف وتحت وطأة انقطاع المياه وشلل المرافق الصحية وتجريف العملية التعليمية وصناعة الغلاء الفاحش الذي طحن الأسر وتأخير صرف رواتب الموظفين بآلية مقصودة بهدف إخضاع هذا الكبرياء الوطني غير أن النتيجة جاءت عكسية تماما تصفع وجوه المخططين وتعيد صياغة المعادلة على نحو غير متوقع لهم حيث تحول الوجع اليومي في الشارع الجنوبي إلى وقود متقد يغذي عقيدة الرفض المطلق والمستميت لديهم لكل وشيجة أو صلة تربطهم بالهوية اليمنية وصار المواطن الذي يعاني لأجل الحصول على شربة ماء نظيفة أو ساعة كهرباء يدرك بيقين لا يخالطه شك أن خلاص الكرامة مشروط بالاستقلال التام والناجز للجنوب وأن هذه المعاناة ليست إلا ثمنا لتمسكه بهويته وتاريخه الذي حاولوا طمسه طوال العقود العجاف الماضية مما جعل الرفض الشعبي يترقى من مجرد المطالبة الاستقلال السياسي إلى حالة مستقرة من الرغبة العارمة في صياغة جغرافيا جديدة تتجاوز حدود الجوار الجغرافي نفسه مع اليمن حتى بات الوجدان الجمعي الجنوبي يتمنى لو امتلك قدرة ميكانيكية أو معجزة كونية لنقل أرض الجنوب الطاهرة من مساحتها الحالية لتبتعد بها آلاف الأميال عن بؤس اليمن ومآسيه المتلاحقة التي لم تورثهم إلا الدمار والخراب والفقر الممنهج وفي المقابل يقف أولئك المخططون لهذه السيناريوهات عاجزين عن القراءة السوية للواقع ومستجداته إذ يغرقون في وهم غريب يزين لهم أن زيادة الجرعات التعذيبية والضغوط المعيشية ستدفع هذا الشعب العظيم صاغرا للمطالبة بالفيدرالية مع اليمن كمخرج من محنته بينما يشهد الواقع اليومي تزايد منسوب الوعي والتمسك بأهداف الثورة الجنوبية التحررية والاستقلال الناجز وكلما اشتدت الأزمة في عدن أو حضرموت أو شبوة أو لحج أو أبين أو المهرة وسقطرى وتوسعت دائرة الحرمان تضاعفت عزيمة الجماهير في الميادين وتجذرت قناعتهم بالخلاص النهائي من الاحتلال وصارت تلك السياسات التركيعية بلا أي قيمة تذكر بل تحولت إلى شهادة وفاة رسمية لكل المشاريع الوحدوية المشبوهة ولعل من بواعث السخرية في منطق أولئك الساسة غياب الحكمة السياسية والذكاء الفطري عن عقولهم فالمتأمل في علوم القيادة وإدارة الشعوب يعلم يقينا أن من يبتغي بناء شراكة أو فيدرالية حقيقية مع طرف آخر يعمد طواعية إلى استخدام أساليب الترغيب والجذب وصناعة بيئة مستقرة آمنة يسودها الرخاء وتكامل المصالح والمنافع المتبادلة بدلا من الانزلاق في مستنقع افتعال الأزمات الخانقة ومحاولات التجويع والترهيب الخدمي التي لا تنتج إلا النفور العنيف والتباغد النفسي والاجتماعي قبل السياسي وبما أن الشعب الجنوبي قد تجاوز مراحل الجهل والتضليل وصار يمتلك وعيا سياسيا وفكريا فائقا يجعله يميز بدقة متناهية بين الأزمات الطبيعية وبين تلك المفتعلة والممنهجة بدوافع سياسية خبيثة تستهدف بالدرجة الأولى كسر إرادته الوطنية وتمييع قضيته التحررية العادلة فإن كل محاولة للمساومة على لقمة العيش مقابل التنازل عن الهوية ستمني بالفشل المحتوم وتزيد الشعب إصرارا وعزيمة على استعادة دولته كاملة السيادة على حدود ما قبل العام تسعين وتسعمائة وألف ميلادي مهما غلت التضحيات وعظمت الخطوب.